أيمن عبد المجيد
ثغراته: أغفل حق الطفل فى الرؤية وعقوبة إخفاء الزواج غير الموثق.. وإليكم المقترحات
القانون الأخطر فى مصر «2»
لا خلاف حول سلامة مقصد اللجنة التى أعدت مشروع قانون الأسرة، المنظم للأحوال الشخصية، بيد أن المهم هو هل ما انتهت إليه يحقق الهدف العام من الإصلاح التشريعى أم لا يزال به ثغرات قد تنجرف عند التطبيق إلى نقيض الفلسفة التشريعية ومستهدفاتها؟ وهنا مكمن الخطر، فالأسرة هى اللبنة الأولى وحجر أساس المجتمع.
لذلك لا بد من حوار مجتمعى حقيقى معمق يرصد العَرَض ويشخص أمراض الأسرة المصرية الناجمة عن المتغيرات والتحولات، منذ الشروع فى تأسيسها، بما يضمن استقرارها واستمرارها وواجبات وحقوق أطرافها عند النزاع، وحقوق الأطفال عند انفصال الوالدين.
وهنا تكمن أهمية إنزال العلاجات التشريعية المقترحة، إلى أرض الواقع، وبحث آثارها المحتملة الإيجابية، وما يمكن أن ينتج عنها من آثار جانبية سلبية، فكل نص تشريعى بمثابة دواء لمرض أسرى له إيجابياته وآثاره الجانبية.
ولقد بدأت عرض رؤيتى فى مقال الأسبوع الماضى، تحت عنوان: «القانون الأخطر فى مصر»، وقطعًا هو الأخطر كونه ينظم نشأة الأسرة وحقوق أفرادها، وواجباتهم، وحقوق الأطفال مستقبل مصر.
ولتقديم قيمة مضافة للقائمين على التشريع، أطرح تساؤلات للعصف الذهنى تنطلق من واقع أمراض الأسرة، وتحليل دقيق للنصوص المقترحة وما شابها من ثغرات وهذا لا ينتقص مما بذل من جهد من اللجنة التى أنجزت مقترحات مشروعات القوانين الثلاثة، وما بها من إيجابيات.
أولًا:
نظم مشروع القانون حق غير الحاضن من الآباء والأمهات والأجداد فى طلب الرؤية والاستزارة، فأين حق الطفل فى التواصل الإنسانى مع أحد الوالدين غير الحاضن أو كليهما حال تجاهل طلب رؤيته أو استزارته بلا عذر مقبول؟!
ثانيًا:
تجاهل المشرع حالات وجود أشقاء فى سن الحضانة.. فأين النصوص التى تحمى حقهم فى الإقامة بمسكن حاضن واحد وحقهم فى التواصل الإنسانى إذا اضطرت ظروف مستحقى الحضانة من غير الأب والأم إلى توزيعهم على أكثر من حاضن بترتيب الأولوية؟
ثالثًا:
تنص المادة «122» على: «زواج الحاضن الأب أو الأم بغير محرم يسقط حقه فى الحضانة ما لم تقتض مصلحة المحضون غير ذلك». فأين الحالات الإنسانية الضامنة لمصلحة المحضون من الاستثناءات؟ مثلًا إذا كان زواج الأب الحاضن بسيدة غير محرم، ثبت طبيًا أنها عاقر لا تنجب ولديها رغبة فى رعاية أبناء الزوج المحضونين.
رابعًا:
المادة «31» تلزم كل مقبل على الزواج، وقبل توثيق العقد، أن يقدم لمن انتوى الزواج بها وثيقة تأمين تضمن لها الحصول على مبلغ مالى أو نفقة شهرية محددة المدة حال حدوث الطلاق بائنًا أو التطليق بحكم نهائى، ويصدر بتنظيم إصدارها وفئاتها وقواعد استحقاقها قرار من وزير العدل بالتنسيق مع شركات التأمين المختصة، وعلى المأذون أو الموثق وقبل توثيق العقد الاستعلام عن إصدار الوثيقة وإثبات ذلك فى عقد الزواج، ويحق للزوج استرداد قيمة الوثيقة إذا كان الطلاق على الإبراء أو التطليق خلعًا أو حال الحكم بإسقاط حقوقها المالية.
وفى حالة انتهاء الزواج بوفاة الزوج، تستحق الزوجة قيمة الوثيقة، وفى حال انتهائه بوفاتها، يستحق ورثتها قيمة الوثيقة».
ورغم وضوح الهدف من المادة وهو ضمان مصدر نفقة مؤقتا للسيدة حال حدوث الطلاق فإن تساؤلات عدة تولدها تلك المادة وتتطلب إجابات لتعزيز إيجابياتها والحيلولة دون سلبياتها المحتملة.
-1 تنطلق فلسفة التأمين من إدارة المخاطر وتوزيعها على قاعدة المشتركين بقسط شهرى، ليستفيد من يتعرض لأزمة أو خسارة، والتأمين على الحياة أو العقار وغيرها اختيارية، بينما فى النص المقترح إلزامية لكل مقبل على الزواج، وهنا الفلسفة.. الجميع يدفع رسوما لشركة التأمين، للإنفاق على من تتعرض للطلاق، فهل من المنطقى أن تتحمل الأسر المستقرة عبء تمويل نفقة العلاقات الفاشلة غير القائمة من الأساس على دعائم الاستقرار؟!
-2 رأى آخر قد يقول لكن الرسوم تتم إدارتها وتحصل على قيمتها الزوجة حال وفاة الزوج وهنا تأمين لصالحها وأبنائها، ويحصل عليها الورثة حال وفاة الزوجة، وهو جانب جيد لكن يبقى السؤال الجوهرى إذا كانت النفقة عند النزاع تقدر وفق دخل الزوج، فهل رسوم الوثيقة هنا ستحدد قيمتها المستحقة وفق دخل الزوج، أم وفق قيمة المهر ومؤخر الصداق فتكون مدعاة لخفض حقوق المرأة الموثقة لتقليل قيمة رسوم الوثيقة، فتأتى بنقيض أهدافها لدى الفئات محدودة الدخل؟!
-3 هل رسوم الوثيقة وفئاتها ستراعى حالات التقدم فى السن مثلًا إذا أقبل على الزواج رجل فى سن الـ60، فليس كل مُقبل على الزواج شابًا، وماذا عن الطلاق بعد فترة قصيرة لا تخول للشركة استثمار رسوم الوثيقة بالقدر المحقق لقيمة الاستحقاق، هل الاستحقاق سيكون جزئيا وفق مدة الزواج؟
-4 تكون تلك الوثيقة إيجابية حال كون رسومها تسدد دفعة واحدة قبل توثيق العقد، وأن تكون الرسوم رمزية موحدة، لا تضاعف أعباء الشباب، وتكون آثارها شديدة السلبية تستوجب حذف المادة إذا كانت تلزم بسداد أقساط شهرية لشركة التأمين، كون التزامات الزوج محدود الدخل تجاه الأسرة والأطفال وأولويات الإنفاق لاستقرار واستمرار الحياة الأسرية أولى وأهم.
خامسًا:
المادة 34 تنص على: «لا تقبل دعاوى الزوجية إلا إذا كان الزواج ثابتًا بوثيقة رسمية صادرة من المأذون أو الموثق المختص......».
فى حين يسقط حق الحضانة والحق فى النفقة بالزواج من آخر، فإن المشرع لم يضع عقوبات للمطلقة التى تتزوج عرفيًا للتحايل على القانون.
فأين النصوص الرادعة للحالات التى تتزوج عرفيًا للتحايل على نصوص إسقاط الحضانة أو الإبقاء على النفقة؟
وهنا على المشرع وأعضاء مجلسى الشيوخ والنواب مناقشة الصياغات التشريعية بدقة، للانتهاء من صيغ نهائية تحقق الفلسفة التشريعية.
التعديلات التشريعية المُقترحة
■ فى الباب الثامن من الأحكام العامة والعقوبات، وضع المُشرع عقوبات لمن يمتنع عن تقديم إفادات بالدخل الحقيقى، أو الحيلولة دون تمكين صاحب الحق فى الرؤية، ومن له حق الاستزارة وامتنع عمدًا عن تسليم المحضون للحاضن، لكنه أغفل وضع عقوبة لصاحب حق الرؤية الذى يتجاهل طلبها.
أقترح:
-1 «للحاضن إقامة دعوى إلزام الأب أو الأم أو كليهما بتمكين الطفل من رؤية المقام ضده الدعوى، حال رغب الطفل فى ذلك وأقر به أمام قاضى الموضوع وكان المشكو فى حقه متجاهلًا طلب الرؤية والاستزارة بلا عذر مقبول».
-2 «يعاقب بغرامة لا تقل عن 10 آلاف ولا تزيد على 50 ألف جنيه الأب أو الأم غير الحاضن الذى يتجاهل رؤية الطفل أول طلب رؤيته والاستزارة لأكثر من ستة أشهر بغير عذر مقبول.
ويجوز تكرار تلك العقوبة كل عامين بحد أدنى إذا استمرّت إعاقة حق الطفل فى التواصل الإنسانى مع والديه أو أحدهما.
وفى كل الأحوال يلتزم الحاضن بوضع قيمة الغرامة وديعة فى حساب باسم الطفل المحضون، لا يجوز التصرف فيه إلا بشخصه عند بلوغ سن الرشد».
-3 أقترح إدخال تعديل على النص المقترح للمادة 122 وأصلها المقترح فى مشروع الحكومة: «زواج الحاضن الأب أو الأم بغير محرم للصغير يسقط حقه فى الحضانة ما لم تقتض مصلحة المحضون غير ذلك.
واستثناءً من حكم الفقرة الأولى من هذه المادة، ومع مراعاة مصلحة الطفل الفضلى، فإن زواج الأم الحاضنة لا يسقط حقها فى الحضانة فى الحالتين التاليتين:
أ- إذا كانت سن المحضون لم تتجاوز السبع سنوات.
ب- إذا كان بالمحضون علة أو إعاقة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم.
وفى جميع الأحوال يترتب على بقاء الصغير مع أمه رغم زواجها سقوط حقها فى الإقامة بمسكن الحضانة المعد بمعرفة المطلق ولها أجر مسكن حضانة».
ويلاحظ فى هذا النص أن فلسفة المشرع هنا راعت السن وحالات المرض والإعاقة، فقط ولم تراع حالات إنسانية توجد فى الواقع.
وهنا أقترح إضافة الاستثناءات
«ج- إذا كانت زوجة الأب الحاضن لديها مانع طبى يحول دون قدرتها على الإنجاب وقدمت إقرارا كتابيا برغبتها فى رعاية أطفال الزوج والتعهد برعايتهم رعاية الأم لأبنائها.
د- إذا كان زوج الأم الحاضنة لديه مانع طبى من الإنجاب، على أن يكون الطفل ذكرًا».
-4 أقترح عقوبة للحاضنة أو مستحقة النفقة التى تتزوج عرفيًا للتحايل على إسقاط الحضانة والاحتفاظ بالنفقة التى يزول استحقاقها بالزواج.
«تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف ولا تزيد على 50 ألفًا أو بإحدى العقوبتين، من تخفى زواجها غير الموثق، بهدف التحايل على المادة 122 من هذا القانون أو الاحتفاظ بنفقة على غير استحقاق.
وفى جميع الأحوال تلتزم برد ما حصلت عليه من نفقة من تاريخ زواجها غير الموثق المستوفى لشروط وأحكام الزواج الصحيح».
ولمزيد من النقاش والتحليل والمقترحات التشريعية للحديث بقية بإذن الله.










