الثلاثاء 23 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
فى ضوء الكلمة.. بقوة الرمز ورهافة السرد

فى ضوء الكلمة.. بقوة الرمز ورهافة السرد

تكتب سهير شكرى قصصها، وهى تطل من النافذة على فن السرد من ثلاثة أبعاد شكلت تجربتها الإبداعية، فهى قاصة، وفنانة تشكيلية، وممثلة مسرحية، وفى مجموعتها القصصية «هواجس امرأة» تمزج قصصها الواقعية بطابع من الخيال المُجنح فيحن السرد إلى الشعر فتصف بطلتها وهى تشتاق إلى الحب فى قصة «هواجسى والجار» فتقول: «فى أعماق صدرى عش بارد، لكن طائر الحنين مازال محلّقا حولى، أفتح له بابى على مصراعيه وانتظره، لكنه يغرد بعيدًا».



بطلاتها معذبات بالوحدة، أينما وجدن، سواء فى صخب المدينة أو فى هدوء القرية، و«صيفة» احتفت بكل فتيات القرية، زغردت فى أفراحهن وحملت إليهن الهدايا، لكنها عانت من العنوسة، وعندما نصحها الجيران بأن تعطى الحلوى لمجذوب القرية ليدعو لها بقرب قدوم العريس، أعطت الحلوى للمجذوب لكنه خذلها بنبوءة قاسية، قال: «هتموتى تحت السلم»!، والمفارقة أن العريس قد جاء، وطلب يد «وصيفة» التى صعدت إلى السطح لتحضر سلة القمح فسقطت، وتوفيت على درجات السلم الداخلى الذى يطل عليه السطح!

أما «فوزية» فهى التى رفضت الزواج من شباب القرية لأنها تريد استاذًا يعيش فى أضواء البندر، ويرتدى الملابس الحديثة لتذهب معه إلى هناك، وبالفعل تتزوج «فوزية» وهى فى الستين من رجل سبعينى، موظف على المعاش لكنه من دسامة الطعام الذى غمرته به «فوزية» وجيرانها، لم يكمل معها رحلة الزواج، فتوفى بعد أسبوع من الزفاف.

المفارقة ملمح أساسى من ملامح قصص سهير شكرى التى استطاعت أيضا توظيف حكايا الجدات، عن الكائنات المسحورة، والتى تأثرن فيها بحكايات ألف ليلة وليلة، فنجد البطلة فى قصة «هواجسى والجار» تمر بوعكة صحية لكنها دائمًا تتجنب جارها الطبيب، ولما اضطرت لاستدعائه ساعدها وحمل إليها الدواء، وأحست بنبله وشهامته، وساءلت نفسها لماذا كانت ترفضه عندما طلبها للزواج؟.. لكن الهواجس والمخاوف التى استقرت فى نفس البطلة تستدعى فى لحظات مرضها، وما أصيبت به من حُمى: مشهد عمتها المشنوقة فى حجرتها، بعد أن قتلت قطًا أسود ذا عينين خضراوين بعصاها لأنه يسرق دجاجاتها، وتعيد إنتاج المشهد وهى على فراش المرض فتقول: «أعطانى من الدواء ما رفع عنى الألم، رحت فى نوم هادئ مريح، لكنى عندما استيقظت وجدته متشبثًا بيدى، وقد غلبه النوم بجوارى، شعرت أننى قد ألفته تمامًا، وفى حاجة ماسة لوجوده معى، فلم كان نفورى منه؟، ربت على يدى المتقلصة، رفع جفنيه بصعوبة كأنه لايود أن يفيق من ذلك الحلم، لمحت عينيه كانت خضراوين كعيون ذلك القط المخيف.

تكتب سهير شكرى بقوة الرمز، ورهافة اكتشاف لحظات السرد والتقاطها بمهارة، وهى تصور أحيانا فى قصصها جوانب مجهولة من شخصيات أبطالها، لا يكاد الواحد منهم يدرك فى نفسه تلك الخفايا، ففى قصة «امرأة فى الدولاب» تكتشف البطلة ممرًا فى خزانتها يفضى إلى حجرة أخرى بها مكتبة قديمة، وأريكة عتيقة تجلس عليها امرأة وبيدها كتاب «أشجان الرحيل»، وهذه السيدة ترتدى قميصًا من الصوف الأزرق وجوربا من صوف أحمر، ونظارة طبية سميكة، وتعاتبها المرأة على دخولها بلا استئذان فتعتذر لها، وتؤنب نفسها على اقتحامها عالمها، وفى الصباح تستيقظ بطلة القصة، فخلعت قميصها الأزرق، ونحت جوربها الأحمر، وخلعت نظارتها المقعرة، وبصت فى المرآة فلاحظت خطوط الزمن غائرة على وجهها، وهنا نرى البطلة وهى تكتشف ذواتا أخرى فى نفسها فتخرجهن إلى خشبة المسرح الذى عشقته كاتبتنا، واشتركت فى بعض المسرحيات فى كفر الشيخ، كما مثلت فى فيلم بعنوان «امرأة تطل من النافذة» عن قصة حياتها، وكانت الممثلة الوحيدة فيه، وفاز بالمركز الأول فى مهرجان «يوسف شاهين» للأفلام القصيرة، ومن أبدع قصص مجموعتها قصة «صاحب الملابس السوداء»، حيث حضر الرمز بقوة الخيال، ورهافة الكلمات، فبطلة القصة ترى رجلًا وحيدًا مثلها يمشى على الشاطئ، بينما هى تراه وهى تطل من النافذة، تتمنى لقياه، والحديث معه، لكنها تخشى النزول من بيتها فى البرد، وتحت المطر، تراه دائما صامدًا فى الريح، وفى العاصفة.. وذات مرة أنقذ حياتها، فأشار إلى سيارة مسرعة أن تتوقف فعبرت فى سلام بطائر حاولت إنقاذه وقد كادت السيارة أن تدهسه لبطء حركته، وربما كان جريحًا أما الرجل ذو الملابس السوداء فيتبدى لها مُجددًا وهذه المرة على طرف سريرها، تراه جالسًا مهيبا فلم تنزعج من زيارته، بل لم تصبها الريبة منه، وهى التى ترتاب فى الرجال، وإنما عرضت عليه أن يشرب معها مشروبًا دافئًا!، بشرها الرجل بأن أشجارها ستورق وتثمر، فظلت تزرع وتتغيا الثمار، لكن الرجل جاء هذه المرة عابسًا، وطلب إليها أن تترك كل ما فى يدها، وأن تذهب معه، فاستمهلته حتى تحصد ثمار ما زرعت لكنه قال لها بحزم أن لا وقت هناك، وأن مواعيده دقيقة لا يخلفها أبدًا، وأنها ستذهب معه إلى مكان أوسع وأكثر رحابة.

وهنا تضعنا الكاتبة أمام رحلة الإنسان فى الحياة، الرحلة التى قد يتعرض فيها لأزمات ومحن وحتوف، فيقوم وينهض ويسلم من المخاطر لكن عندما تحين ساعته يصبح الرجل ذو الملابس السوداء هو الذى يلعب دور البطولة فيبدى سطوته، وقدرته، ويثبت على مواعيده التى لا يخلفها أبدًا، وهنا نكتشف قدرة الإنسان وعظمته فهو يحتمل حياته، ويحمل حتوفه على كتفيه، وعندما يحين أجله يمضى بثبات فى إثر الرجل ذى الملابس السوداء، والذى أدار معه حوارًا طويلًا أثناء الحياة.

تتبدل المشاهد فى هذه القصة فتتبدى مناظر البحر الهائج الثائر، وأصوات احتكاك عجلات السيارة بالأرض، ومنظر الشاطئ، وذاك الرجل يمضى غير عابئ بالعواصف ولا بالرعود، ولا بالأمطار يذكرنا بلوحات ومشاهد تتغير فيما يُعرف باسم «السينيراما»، وفى تتابعها وتغيرها نلمس حيوية النص السردى تمامًا كما لو كانت تلك المشاهد تحدث على خشبة مسرح.

وتختتم الكاتبة مجموعتها القصصية التى صدرت حديثًا عن النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، وعن دار المفكر العربى، بمجموعة من قصص «الومضة»، والتى تتبدى فيها قدراتها على رسم لوحات ناطقة بالحياة، مثيرة للدهشة فتقول فى قصتها: «مولود»: “ذبحت الدجاجة.. نزعت ريشها.. غسلتها، رفعتها من ساقيها، ورأسها مُدلى لأسفل، ضربت بيدها على ظهر الدجاجة، سمعت صرخة الحياة فارتعدت”.

هذه المجموعة القصصية لا تحكى فقط عن هواجس امرأة لكنها تحكى عن مخاوف وهواجس الإنسان المعاصر الذى فرضت عليه ظروف العصرة الوحدة، والجلوس إلى شاشات الإنترنت، والعيش على مساحات من الضوء الأزرق، متفرجًا على حروب ومآسٍ، لا يستطيع أن يوقفها، باحثًا عن لحظة سلام وعن مساحة من الدفء.