بين عدالة النصوص وصراعات الواقع
ماذا يريد المتنازعون من قانون الأسرة الجديد؟
محمد السيد
داخل أروقة محاكم الأسرة، لا تبدو القضايا مجرد ملفات قانونية تحسم بالأوراق والأحكام، لكنها معارك ممتدة تتداخل فيها الحقوق مع المشاعر، وتتقاطع فيها روايات متناقضة لكل طرف يرى نفسه الأجدر بالإنصاف.
فالأب يصف نفسه بالمظلوم والمبعد عن أطفاله، والأم ترى أنها تتحمل العبء الأكبر بين نفقات لا تكفى وأحكام لا تنفذ بالسرعة المطلوبة، وبين هذا وذاك يبقى الطفل هو الحلقة الأضعف فى نزاع لا يختاره، بينما تظل التساؤلات مفتوحة حول مدى قدرة القانون الجديد على إعادة التوازن، وضمان العدالة، دون أن يتحول إلى ساحة صراع جديد بين الأطراف.
جريدة «روزاليوسف»، ترصد حالة الجدل الممتد داخل محاكم الأسرة، من خلال شهادات متباينة لأطراف النزاع، وخبراء قانون واجتماع ونفس، حول ما إذا كان القانون الجديد قادرًا على إعادة التوازن بين الحقوق المتشابكة داخل الأسرة بعد الطلاق أم لا؟
أزمة تنفيذ الأحكام
أمانى القبانى، أم لطفلة، تروى تجربتها مع قانون الأسرة، وتقول: «إنها تخوض منذ سنوات رحلة طويلة داخل محكمة الأسرة للحصول على نفقة تكفى احتياجات طفلتها، فالأزمة لا تتوقف عند صدور الحكم، بل تبدأ بعده، مع لجوء طليقها للتلاعب اللعب بالأوراق وإخفاء حقيقة دخله لإطالة إجراءات التقاضى وتقليل قيمة النفقة والمتجمدات»، مضيفة: «أن تأخر التنفيذ وضعها تحت ضغوط مادية ونفسية مستمرة، خاصة مع زيادة مصاريف الدراسة والعلاج»، وترى أن القانون الجديد يجب أن يضمن آليات أسرع وأكثر حسمًا لتنفيذ الأحكام.
الطفل بين الرؤية والاستضافة
«أنا مش طالب حاجة كبيرة.. عايز أعيش دور الأب طبيعى مش زائر».. بهذه الكلمات بدأ حديثه أحمد سليمان، ضحية أخرى للقانون، موضحًا التزامة بدفع النفقة كاملة منذ انفصاله عن زوجته قبل سنوات، لكنه يشعر أن علاقته بأطفاله تتآكل تدريجيًا.
ويتابع «سليمان»: «ابنى الصغير بقى يتكسف منى أنا بقيت ضيف»، فنظام الرؤية الحالى الذى يقتصر غالبًا على ساعات محدودة أسبوعيًا، لا يسمح ببناء علاقة حقيقية مع الأطفال، مطالبًا بأن يتضمن تعديل القانون حق الاستضافة والمبيت، أو تطبيق شكل من أشكال الرعاية المشتركة، ليتمكن الأب من ممارسة دوره بشكل طبيعى، ويحافظ على العلاقة مع أبنائه.
النفقة وإجراءات التقاضى
شيماء عبدالسلام، من المنصورة، فهى أم لـ3 أطفال، فتقول: «إن الخلافات الأسرية بعد الطلاق تحولت إلى سلسلة طويلة من القضايا داخل المحكمة، وسط صعوبة إثبات الدخل الحقيقى لطليقها لعمله بالخارج، مما أضعف قيمة النفقة وإجراءات التقاضى، بل إن دعوى الرؤية تحولت لوسيلة ضغط واستنزاف نفسى مع انقطاع الأب عن الحضور منذ شهور، ورغم ذلك تستمر الإجراءات دون حلول حاسمة».
وتشير «عبدالسلام»، إلى أن الأطفال كانوا يخرجون من جلسات الرؤية فى حالة نفسية سيئة، دون مراعاة لاحتياجاتهم النفسية أو طبيعة الخلافات بين الأبوين، ليظل الأطفال الطرف الأكثر تضررًا من النزاعات يخرجون من الجلسات بحالة نفسية سيئة تفتقد للأمان، فالطفل يحتاج أبًا حاميًا ومربيًا وأمًا حنونة وراعية.
سد ثغرات التلاعب
صفاء على حسن، المحامية بالنقض، توضح أن أبرز الثغرات القانونية التى تواجهها يوميًا تتعلق ببطء تنفيذ قرارات التمكين من مسكن الزوجية وأحكام النفقة، والمشكلة الحقيقية ليست فى النص القانونى، لكن فى الفجوة الواسعة بين فلسفة النص وآليات تطبيقه على أرض الواقع.
وتؤكد «حسن»، أن قرارات التمكين تستغرق أسابيع من التحريات والإجراءات والإعلانات والتنسيق مع جهات التنفيذ، بينما تظل الزوجة وأطفالها بلا مأوى، فى ظل لجوء بعض الأزواج إلى إشكالات شكلية لتعطيل التنفيذ، مثل الادعاء بترك العين محل النزاع أو وجود زوجة أخرى.
كما ترى «المحامية بالنقض»، أن أبرز الثغرات، تتمثل فى إعلان الصيغة التنفيذية فى أحكام النفقة، إذ يعتمد الزوج على عدم نهائية الحكم لتعطيل دعوى الحبس، مستغلًا إجراءات الإعلان ومواعيد الاستئناف لإطالة أمد التقاضى واستنزاف الزوجة ماديًا ونفسيًا، فضلًا عن إنذار الطاعة بصيغته الحالية، والذى يفتح باب الكيدية بسبب صرامة المواعيد القانونية إذا تم الإعلان إداريًا، يؤدى لضياع حق الزوجة دون علمها الفعلى، وصولًا إلى معاناة قضايا الزواج العرفى، التى يظل فيها الحق ثابتًا شرعًا وغائبًا قانونًا.
شددت أيضًا على أن صعوبة تنفيذ أحكام النفقة، ترجع إلى التحريات وإثبات الدخل الحقيقى للزوج، خاصة إذا كان غير موظف أو يقدم مفردات مرتب لا تعكس دخله الفعلى، مطالبة بتعديلات تشريعية تشمل النفاذ المعجل، وتقليص مدد الطعن، وتوحيد نظر قضايا الأسرة أمام قاض واحد، وإعادة ترتيب الحضانة والاستضافة، وتوثيق الطلاق الشفهى، بما يضمن سرعة التنفيذ وحماية مصلحة الأطفال.
تدمير نفسية الصغير
الدكتور أحمد فخرى، أستاذ علم النفس الإكلينيكى بجامعة عين شمس، يحذر من تصاعد النزاعات العدائية بين المطلقين داخل ساحات محاكم الأسرة، لأن الأطفال هم الضحية الأولى لهذه الصراعات التى تتجاوز الطلاق إلى معارك انتقامية بين الوالدين، موضحًا أن دراسات نفسية متعددة رصدت آثارًا عميقة على الأطفال ضحايا هذا النزاع، خاصة فى المراحل العمرية المبكرة، إذ يعجز الطفل عن التعبير اللغوى عن مشاعره، فيظهر معاناته عبر أعراض سلوكية وجسدية، مثل الكوابيس، واضطرابات النوم، والقلق الحاد، وأوجاع الجهاز الهضمى، والصداع، وتسارع ضربات القلب، والتبول اللاإرادى، وتظهر اضطرابات سلوكية كالسلوك العدوانى، أو السرقة المرضية نتيجة فقدان الشعور بالأمان، والتأخر الدراسى دون وجود قصور معرفى، وظهور التأتأة واضطرابات اللغة والكلام.
أستاذ علم النفس، يشير إلى أن بعض الأطفال يطورون شعورًا بالذنب، معتقدين أن وجودهم كان سببًا فى انفصال الأبوين، ما يؤدى إلى القلق والاكتئاب والوسواس القهرى، بينما ينزوى آخرون اجتماعيًا أو يلجأون إلى سلوكيات إدمانية كالإفراط فى ألعاب الفيديو واستخدام الشاشات هروبًا من الألم النفسى، لافتًا إلى ضرورة تجنب إقحام الأبناء فى الصراعات، وتوعية الوالدين بأن الخلاف فى أسلوب الحياة لا يبرر العداء، مؤكدًا أهمية توفير بيئة اجتماعية داعمة ومتزنة تحمى البناء النفسى والمعرفى للطفل، وتمنع شحن عواطفه ضد أحد الوالدين، بما يسهم فى بناء مجتمع أكثر استقرارًا وأمانًا للأجيال الناشئة.
انهيار قيم الأسرة
الدكتورة هدى زكريا، أستاذ علم الاجتماع، توضح أن تصاعد النزاعات الزوجية داخل المحاكم يظهر تحولات اجتماعية عميقة طرأت على بنية الأسرة المصرية، حيث تراجع دور الأسرة الممتدة التى كانت تمثل مظلة احتواء وحل للخلافات، لتحل محلها أسرة نووية محدودة تفتقد لآليات الدعم والاحتواء الاجتماعى، مشيرة إلى أن دوافع الزواج لدى الأجيال السابقة كانت ترتبط بالحفاظ على العلاقة الزوجية واستمراريتها، بينما أصبحت الدوافع لدى بعض الشباب تقتصر على إتمام الزواج دون امتلاك مقومات الحفاظ عليه.
أستاذ علم الاجتماع، تضيف: «إن تراجع المرجعيات القيمية المشتركة داخل المجتمع، واختلاف مفاهيم الصواب والخطأ بين الأزواج، يوسع فجوة الخلافات اليومية، كما أن تدخل الأصدقاء فى النزاعات الزوجية أصبحت عاملًا سلبيًا يزيد من حدة الصراع، فى ظل غياب النصيحة المتزنة، فضلًا عن تأثر بعض الشباب بصور عاطفية غير واقعية عن الزواج، دون مراعاة التوافق الاجتماعى والثقافى بين الطرفين.
«زكريا»، تشدد كذلك على ضرورة تطوير دور محاكم الأسرة ليشمل فرقًا من الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين لمساندة القاضى، والعمل على تقريب وجهات النظر قبل تفاقم النزاع، موضحة أن النزاع اليومى داخل المنزل، قد يكون أشد ضررًا على الأطفال من الطلاق الهادئ المنظم، لما يتركه من آثار نفسية واجتماعية ممتدة.
الاستضافة حق للطفل
المستشار محمود البدوى، رئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث وحقوق الإنسان، يرى أن المجتمع فى حاجة لقانون أسرة يحقق العدالة والمساواة بين طرفى العلاقة الزوجية، ويضع المصلحة الفضلى للطفل فى صدارة أولوياته، التزامًا بما نص عليه الدستور المصرى المعدل عام 2014، واتفاقية حقوق الطفل التى صدقت عليها مصر عام 1990.
«البدوى»، يوضح أن التشريع الجديد يجب أن يوازن بين حقوق الزوج والزوجة دون تغول طرف على آخر، مع مراعاة الاحتياجات النفسية والاجتماعية للأطفال، خاصة فى ملف الرؤية والاستضافة، مؤكدًا أن هذا الحق لا يرتبط فقط بمصلحة الأب، بل يحقق الاستقرار النفسى للطفل عبر تواصله الطبيعى مع والديه وأسرتيهما، بعيدًا عن الاكتفاء بوسائل تواصل إلكترونية.
وحول الطرح القائل بربط حق الرؤية أو الاستضافة بمدى التزام الأب بسداد النفقة،يرفض «البدوي» هذا القول، لإتاحة القانون آليات فعالة لتحصيل النفقة، من بينها دعوى الحبس، والتنفيذ عبر جهة العمل، وآليات بنك ناصر الاجتماعى، ما يغنى عن المساس بحق الطفل فى التواصل مع والده، كما أبدى تحفظه على بعض المقترحات المتعلقة بالتوسع فى فسخ عقد الزواج.
ويعتبر رئيس الجمعية المصرية، أن التشريعات القائمة، وعلى رأسها قانون رقم 1 لسنة 2000، منحت الزوجة حقوقًا كافية مثل الخلع والتطليق للضرر، داعيًا لإدراج جلسات إرشاد نفسى وتوعوى قبل الزواج، أسوة ببعض التجارب القائمة، مع طرح مشروع القانون لحوار مجتمعى متزن يضمن إصدار تشريع عادل يحقق استقرار الأسرة وصالح الأطفال.






