الثلاثاء 23 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

بوصلة باريس تتجه إلى القاهرة

فرنسا تراهن على مصر لقيادة عملية ترميم التحالفات فى إفريقيا

تنطلق العلاقات الوطيدة بين مصر وفرنسا من جذور تاريخية تمتد لأكثر من قرنين، ما تعكس أهمية مصر كشريك تاريخى واستراتيجى فى قلب العالم، وفى السنوات الأخيرة، يتضافر التقارب والتفاهم الشديد بين قادة البلدين لجعل العلاقات «المصرية _ الفرنسية» فى أقوى حالاتها فى كل المجالات من سياسة ورؤية استراتيجية مشتركة واقتصاد وثقافة وتعاون عسكرى. 



فمن ناحية العلاقات الدولية، تتسم العلاقة بين البلدين بانسجام تام فيما يتعلق بالمصالح المتبادلة والرؤية الاستراتيجية المشتركة بشأن الملفات الدولية والإقليمية، وذلك فى محاور مختلفة لكنها متداخلة أهمها: محور الشرق الأوسط، ومحور التعاون المتوسطى، وقارة إفريقيا خاصة منطقة الساحل الإفريقى.

وتلعب الزيارات المتبادلة بين السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، دورًا محوريًا فى دفع العلاقات الثنائية نحو آفاق أوسع، خاصة مع توقيع عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم فى مجالات متعددة، ما يعزز من مكانة مصر كشريك استراتيجى مهم لفرنسا فى منطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية.

وتبلور الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لمدينة الاسكندرية، حجم هذا التطور الكبير فى العلاقات المصرية الفرنسية، بالارتكاز على دبلوماسية القوى الناعمة التى تزخر مصر بمقوماتها منذ قديم الأزل، والتى تبرهن على مدى تمتع الشارع المصرى بالأمان فى ظل منطقة تموج بالاضطرابات والحروب، خاصة بعد ظهور الرئيس الفرنسى فى شوارع الإسكندرية وحفاوة المصريين به وتناوله الأكلات الشهيرة فى المحافظة، وقبلها فى زيارته السابقة لمصر وجولته فى منطقة الحسين وخان الخليلى. 

وتحظى زيارات الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لمصر وجولاته فى المناطق التاريخية والمعالم الأثرية، باهتمام واسع على مواقع التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام فى العالم، ما يساهم فى تنشيط حركة السياحة لمصر وبوجه خاص السياحة الأوروبية التى تستهدف المناطق الأثرية والمتاحف.

وتظهر الحوارات المكثفة والزيارات الثنائية المتكررة بين زعيمى الدولتين فى السنوات الأخيرة، أن العلاقات الثنائية بينهما ترتقى حاليًا لمستوى الشراكة الاستراتيجية سواء على مستوى التعاون بين البلدين او الملفات الإقليمية والدولية. ومؤخرًا، شهدت العلاقات الثنائية بين فرنسا ومصر تطورًا لافتًا وبعد تولى الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون مقاليد السلطة فى 2017 أصبحت هذه العلاقات أكثر عمقًا.

وبحديث الأرقام، بلغت الزيارات الرسمية بين البلدين خلال العقد الماضى أكثر من 20 زيارة على مستوى رؤساء ووزراء وكبار المسئولين، وعكست جميعُها تقاربًا فى وجهات النظر إزاء القضايا الثنائية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والأزمة الليبية، وكذلك رغبة البلدين فى تقوية شراكتهما التى تمتد عبر قرنين من الزمان فى المجالات الاقتصادية، والعسكرية، والثقافية.

وتدعم فرنسا مصر داخل المؤسسات الأوروبية، بملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، بالإضافة إلى دعم جهود التنمية الاقتصادية التى تنفذها الدولة المصرية.

وتأتى زيارة الرئيس الفرنسى لمصر خلال مرحلة هامة بالنسبة لفرنسا، حيث تسعى إلى ترسيخ نفسها تحت قيادة الرئيس إيمانويل ماكرون كوسيط أوروبى رائد فى المواقف المتضاربة العديدة فى المنطقة، كما تنظر فرنسا لمصر كشريك إقليمى محورى ووسيط هام فى السعى لتحقيق استقرار منطقة الشرق الأوسط خاصة فى غزة ولبنان. 

وأيضًا تبرز أهمية الزيارة، فى إطار مساعى الرئيس الفرنسى لتكوين تحالف عالمى يهدف إلى إنشاء قاعدة قوة أوروبية قادرة على الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية الحالية، إذ تأتى الزيارة فى لحظة حساسة لموقف فرنسا فى إفريقيا، حيث تحاول باريس إعادة بناء نفوذها بعد الانتكاسات فى العديد من دول غرب إفريقيا، حيث نأت الحكومات التى يقودها الجيش بنفسها عن القوى الاستعمارية السابقة وتحولت إلى قوى جديدة.

واهتمت وسائل الإعلام الفرنسية بالزيارة حيث ذكر موقع «Le Dilaouge»، أن اختيار جامعة سنجور مكانًا للقمة بين الزعيمين ليس بالأمر الهين، حيث تعد الجامعة إحدى المؤسسات الرائدة فى الفرانكفونية فى إفريقيا، وترمز إلى التأثير الثقافى الفرنسى والطموح المصرى لتعزيز دورها الفكرى والدبلوماسى فى القارة الإفريقية.

وذكر موقع «فرانس 24» أن انطلاق جولة الرئيس الفرنسى فى إفريقيا من مصر، يكشف عن دور القاهرة فى القارة الإفريقية، مضيفًا أن فرنسا أكثر اهتماما بالدور الإقليمى لمصر، التى أصبحت محاورا أساسيا فى المفاوضات المرتبطة بغزة، كما ترى باريس فى تقاربها مع القاهرة وسيلة دبلوماسية للحفاظ على الوجود الأوروبى النشط فى منطقة يتغير فيها ميزان القوى بسرعة، حيث ركزت المحادثات بين الزعيمين على التوازنات الاستراتيجية فى الشرق الأوسط، فى ظل التوترات الإقليمية وتجنب امتداد الأزمات المستمرة حيث لا تزال الطرق البحرية وسلاسل التوريد وأمن الطاقة ضعيفة بسبب استمرار عدم الاستقرار فى المنطقة.