انفراجة جديدة فى ملف «التصالح»
د. هيثم يونس
يشهد ملف التصالح على مخالفات البناء خلال الفترة الحالية مرحلة جديدة تحمل العديد من المؤشرات الإيجابية، في ظل توجه واضح من الدولة نحو تخفيف الأعباء عن المواطنين، وتبسيط الإجراءات، وفتح المجال أمام تسوية نهائية ومرنة لأوضاع العقارات المخالفة، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على التخطيط العمراني للدولة، ومراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر المصرية.
يأتي هذا التحرك في إطار رؤية أشمل تستهدف إنهاء أحد أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا خلال السنوات الماضية، من خلال توفير حلول عملية تتيح للمواطنين تقنين أوضاعهم بصورة قانونية وآمنة، مع منح المزيد من الوقت والتيسيرات التي تساعد على استكمال الإجراءات دون ضغوط مالية أو إدارية كبيرة.
وخلال الفترة الماضية، حققت منظومة التصالح تطورًا ملحوظًا يعكس حجم التحديث الذي شهدته آليات العمل داخل المحليات والمراكز التكنولوجية، حيث تم الانتهاء من نحو %87 من إجمالي طلبات التصالح المقدمة، بإجمالي 1.751 مليون طلب من أصل 2.007 مليون طلب، وهو ما يعكس تسارع معدلات الإنجاز وتحسن كفاءة التعامل مع الملفات المقدمة من المواطنين.
ويؤكد هذا الرقم الكبير أن ملف التصالح لم يعد مجرد إجراء إداري محدود، بل تحول إلى مشروع متكامل يهدف إلى تحقيق الاستقرار المجتمعي، وتقنين أوضاع ملايين الوحدات السكنية والعقارات، بما يحفظ حقوق المواطنين، ويعيد دمج تلك العقارات داخل المنظومة الرسمية للدولة، ويدعم جهود التنمية العمرانية والتنظيم الحضاري.
وتتجه التعديلات الجديدة المقترحة على قانون التصالح إلى مد فترة العمل بالقانون لمدة عام إضافي، بما يمنح المواطنين فرصة أكبر لاستكمال المستندات المطلوبة وإنهاء إجراءات التقنين، خاصة في المحافظات والمناطق التي شهدت إقبالًا متزايدًا خلال الأشهر الأخيرة.
ويمثل هذا التمديد رسالة طمأنة مهمة للمواطنين، تؤكد أن الهدف الأساسي للدولة لا يتمثل في فرض أعباء جديدة، وإنما توفير الوقت الكافي لتسوية الأوضاع بصورة قانونية تحقق الاستقرار للأسرة المصرية، وتحافظ في الوقت نفسه على حق الدولة في تنظيم العمران ومنع التعديات والعشوائية.
كما تحمل التعديلات المرتقبة بُعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا واضحًا، من خلال منح تخفيضات تصل إلى 50% من قيمة التصالح للفئات الأولى بالرعاية، وفي مقدمتها حاملو كارت “تكافل وكرامة” والعمالة غير المنتظمة، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا يراعي الظروف الاقتصادية الحالية، ويخفف الضغوط المالية عن الفئات الأكثر احتياجًا.
وينظر إلى هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من فلسفة أوسع تتبناها الدولة في التعامل مع الملفات الجماهيرية، تقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية وربط إجراءات التقنين بالحماية الاجتماعية، بما يضمن عدم تحميل المواطنين أعباء تفوق قدرتهم الاقتصادية.
وفي إطار التيسيرات الجديدة، تتجه التعديلات كذلك إلى السماح بالتصالح على الجراجات بارتفاعات محددة، إلى جانب وضع ضوابط واضحة للتعامل مع بعض المناطق المتاخمة للآثار، بما يحقق توازنًا دقيقًا بين الحفاظ على الطابع الحضاري والتراثي من جهة، وتسهيل الإجراءات للمواطنين من جهة أخرى.
ومن بين أبرز التيسيرات المنتظرة أيضًا، تبسيط اشتراطات استكمال الأدوار للحاصلين على نموذج (8)، مع الاكتفاء في بعض الحالات بتقرير سلامة إنشائية مبسط، الأمر الذي يسهم بصورة مباشرة في تقليل الوقت والتكاليف المطلوبة لإنهاء الإجراءات.
ويرى متخصصون في التخطيط العمراني أن هذه الخطوات من شأنها تسريع معدلات التقنين، وتشجيع المواطنين على استكمال ملفاتهم، خاصة أن كثيرًا من التعقيدات السابقة كانت ترتبط بطول الإجراءات الفنية وارتفاع تكلفتها.
وعلى صعيد التحول الرقمي، تمضي منظومة التصالح نحو ميكنة كاملة للخدمات، بما يتماشى مع خطة الدولة للتحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، حيث أصبحت وسائل السداد الإلكتروني جزءًا أساسيًا من المنظومة الجديدة، من خلال إتاحة الدفع عبر “فوري” و”إنستاباي” والبنوك المختلفة والمراكز التكنولوجية، وهو ما يسهم في تقليل التكدس وتوفير الوقت والجهد على المواطنين.
كما تساعد المنظومة الرقمية الجديدة في تحقيق قدر أكبر من الشفافية والسرعة في متابعة الطلبات، وتقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية التقليدية، بما ينعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمة المقدمة للمواطنين، ويرفع من كفاءة الأداء داخل الجهات المعنية.
وتبرز التخفيضات الكبيرة التي شهدتها أسعار التصالح في بعض المحافظات، والتي وصلت إلى 70%، باعتبارها واحدة من أهم المؤشرات الإيجابية التي تشجع المواطنين على استكمال إجراءات التقنين، حيث تعكس هذه التخفيضات إدراكًا واضحًا للظروف الاقتصادية الحالية، ورغبة في الوصول إلى حلول واقعية تدعم الاستقرار وتحقق مصلحة جميع الأطراف.
كما تسهم هذه الخطوات في تنشيط حركة تقنين الأوضاع العقارية بصورة أكبر، بما يساعد على دمج عدد ضخم من العقارات داخل الاقتصاد الرسمي، ويدعم خطط التنمية العمرانية والاستثمارية في مختلف المحافظات.
ويؤكد خبراء أن نجاح ملف التصالح لا يرتبط فقط بتحصيل الرسوم أو إنهاء المخالفات، وإنما يمتد إلى تحقيق أهداف تنموية أوسع، تشمل ضبط النمو العمراني، وتحسين جودة التخطيط، والحفاظ على الرقعة الزراعية، إلى جانب توفير قاعدة بيانات دقيقة للعقارات تساعد في دعم خطط التنمية المستقبلية.
كما يمثل التصالح خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقرار الاجتماعي، خاصة أن تقنين الأوضاع يمنح المواطنين شعورًا بالأمان القانوني، ويفتح المجال أمام الاستفادة الكاملة من الخدمات والمرافق والتعاملات الرسمية المرتبطة بالعقارات.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمود غيث، رئيس الجمعية المصرية للتخطيط العمراني، أن التعديلات الجديدة على قانون التصالح تمثل خطوة مهمة نحو إعادة دمج العمران غير الرسمي داخل المنظومة التخطيطية للدولة، خاصة في ظل تراكمات عمرانية امتدت لسنوات طويلة نتيجة البناء العشوائي والتوسع غير المخطط.
وأوضح غيث أن فلسفة التصالح لا يجب أن تُفهم باعتبارها مجرد إجراء مالي أو قانوني، وإنما كأداة لإعادة تنظيم المجال العمراني وتحسين كفاءة الخدمات والبنية التحتية، مع الحفاظ على أسس التخطيط العمراني السليم وهوية المدن المصرية.
وأشار إلى أن التيسيرات الجديدة، مثل مد فترات التصالح وتخفيض الرسوم، تساعد على تشجيع المواطنين على تقنين أوضاعهم، وتحد من استمرار البناء المخالف مستقبلًا، بشرط وجود رقابة فعالة وتحديث مستمر للمخططات الاستراتيجية والتفصيلية.
وأضاف أن السماح بالتصالح في بعض الحالات الخاصة، مثل الجراجات أو المناطق المتاخمة للآثار، يتطلب تطبيق ضوابط دقيقة للغاية حتى لا يؤثر ذلك على الهوية العمرانية والطابع الحضاري، مؤكدًا أن الحفاظ على القيمة البصرية والتراثية للمدن يجب أن يظل أولوية أساسية.
كما شدد غيث على أهمية ميكنة منظومة التصالح، مؤكدًا أنها تمثل نقلة نوعية في إدارة العمران، حيث تتيح بناء قاعدة بيانات دقيقة عن المباني والأنشطة والكثافات السكانية، بما يساعد متخذي القرار في تحسين إدارة التنمية الحضرية مستقبلًا.
وأشار إلى أن أبرز التحديات الحالية تتمثل في تفاوت قدرات المحليات، والحاجة إلى تطوير الكوادر الفنية والإدارية، بالإضافة إلى ضرورة تحقيق التكامل بين الجهات المختلفة لضمان التطبيق الفعلي للقانون على أرض الواقع.
وفيما يتعلق بالبعد الاجتماعي، أكد غيث أن منح تخفيضات لحاملي كارت “تكافل وكرامة” يعكس توجه الدولة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والعمرانية، ودعم الاستقرار السكني للفئات الأولى بالرعاية، بما يسهم في تحقيق تنمية أكثر توازنًا واستدامة.
وأكد أن نجاح منظومة التصالح لا يقتصر فقط على تقنين الأوضاع، بل يمتد ليصبح خطوة حقيقية نحو بناء عمران منظم ومستدام يعكس رؤية الدولة المصرية لمستقبل أكثر توازنًا وعدالة عمرانية.
من جانبها، أكدت الدكتورة يمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، أن التعديلات الجديدة على قانون التصالح في مخالفات البناء تمثل خطوة بالغة الأهمية نحو إنهاء واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى أن هذه التعديلات لا تقتصر فقط على تسوية أوضاع العقارات المخالفة، بل تمتد آثارها لتشمل تحفيز الاقتصاد وتنشيط حركة السوق العقارية بصورة أكبر.
وأوضحت الحماقي أن تسهيل إجراءات التصالح وتقنين أوضاع العقارات العشوائية يسهم في إدخال عدد كبير من الوحدات السكنية والعقارات غير الرسمية إلى المنظومة القانونية، وهو ما يحقق للدولة إيرادات إضافية، إلى جانب تعزيز الاستفادة الاقتصادية من تلك الأصول العقارية التي ظلت لسنوات خارج الإطار الرسمي.
وأضافت أن تقنين الأوضاع يفتح الباب أمام ملاك العقارات للاستفادة الكاملة من ممتلكاتهم، سواء من خلال البيع أو الإيجار أو الاستثمار، بعد إزالة العقبات القانونية التي كانت تعرقل التصرف فيها.
وأشارت إلى أن زيادة معدلات التصرفات العقارية من شأنها تحريك قطاعات اقتصادية متعددة مرتبطة بالسوق العقارية، مثل مواد البناء والتشطيبات والخدمات الهندسية والتمويل العقاري، بما ينعكس إيجابًا على معدلات النشاط الاقتصادي وفرص العمل.
ولفتت إلى أن التعديلات الجديدة راعت بصورة واضحة البعد الاقتصادي والاجتماعي، خاصة للفئات الأولى بالرعاية، موضحة أن هناك شريحة كبيرة من المواطنين تمتلك أراضي أو عقارات لكنها لا تمتلك القدرة المالية الكافية لإدارتها أو تقنين أوضاعها بسهولة.
وأكدت أن ما تتضمنه التعديلات من تيسيرات وتخفيضات يساعد هذه الفئات على الانضمام إلى المنظومة الرسمية دون تحمل أعباء تفوق قدرتها الاقتصادية.
وشددت أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس على أن دمج هذه العقارات ضمن الاقتصاد الرسمي يسهم في تحسين دخول أصحابها، ويمنحهم فرصًا أوسع للاستفادة من قيمة أصولهم، سواء عبر الاستثمار أو الحصول على خدمات وتمويلات رسمية كانت غير متاحة في السابق بسبب غياب التقنين.
وأكدت الحماقي أن نجاح هذه التعديلات سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بوعي المواطنين بأهمية التصالح وتقنين الأوضاع، إلى جانب رفع القدرة على إدارة الموارد والأصول العقارية بشكل اقتصادي سليم، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة ممكنة للأفراد والدولة في الوقت نفسه.
واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن استمرار التيسيرات وتبسيط الإجراءات يعزز الثقة بين المواطن والدولة، ويدعم جهود تحقيق التنمية العمرانية والاقتصادية بصورة أكثر استدامة وتنظيمًا خلال المرحلة المقبلة.
وفي ظل هذه التعديلات والتيسيرات الجديدة، يبدو أن ملف التصالح يدخل بالفعل مرحلة أكثر مرونة وواقعية، تقوم على تحقيق التوازن بين تطبيق القانون ومراعاة البعد الإنساني والاجتماعي، بما يفتح الباب أمام تسوية نهائية لهذا الملف بصورة تحقق الاستقرار للمواطنين، وتحافظ في الوقت نفسه على النسق الحضاري والعمراني للدولة المصرية.






