د.أحمد السيد فى حوار لـ«روزاليوسف»: الجينوم.. سلاح المستقبل لمواجهة الأوبئة والفيروسات
محمود جودة
الكثير من التفاصيل عن علم «الجينوم» وتطوراته ومستقبله، فى عدد من الجوانب، أهمها ارتباطه بالأمراض المختلفة وعلى رأسها السرطان، فضلًا عن دوره فى مواجهة الأوبئة والفيروسات والجوائح، إضافة إلى صناعة الأدوية وتوفير الاستهلاك المحلى وتقليل الاستيراد من مستحضرات حيوية متطورة، تساهم فى خلق إنسان سليم صحيًا، قادر على العمل والإنتاج.. أكد الدكتور أحمد السيد، أحد أهم الخبراء فى مجال الجينات، ومدير برنامج الجينومكس والجيناتكس بمستشفى 57357، الذى يرتكز على أبحاث الجينوم فى العلاج خلال آخر 10 سنوات، فى حواره لجريدة روزاليوسف، أن الجينوم يمثل أحد أكثر التطبيقات إنسانية وأهمية فى التشخيص المبكر للأمراض الوراثية، خاصة لدى حديثى الولادة، فهناك مئات الأمراض الوراثية التى قد لا تظهر أعراضها فور الولادة، لكنها تؤدى لاحقًا إلى إعاقات عقلية أو حركية شديدة، أو فشل أعضاء حيوية، وربما وفاة مبكرة.. وإلى تفاصيل الحوار..
■ بداية.. حدثنا عن علم الجينوم وأهميته بالنسبة للمواطن؟
- الجينوم هو علم دراسة المادة الوراثية الكاملة DNA، أو النسخة الربانية التى تحتوى على كل ما يخص الإنسان، أى الخريطة التى تحتوى على كل المعلومات المسئولة عن صفات الإنسان ووظائف جسده واستعداده للإصابة بالأمراض ومدى استجابته للأدوية، إذ إن هذه الخريطة هى التى تفسر لماذا يمرض شخص بمرض معين بينما لا يُصاب به آخر، ولماذا يستفيد مريض من دواء معين بينما يعانى آخر من أعراض جانبية خطيرة، هذا الأمر غيّر مفهوم الطب عالميًا، فلم يعد العلاج يعتمد فقط على الأعراض الظاهرة، بل على الجذور البيولوجية للمرض، وهنا ظهر مفهوم الطب الدقيق أو الطب الشخصى، الذى يهدف إلى علاج الإنسان لا المرض فقط.
■ علم الجينوم والتشخيص المبكر.. ما دوره فى إنقاذ الحياة قبل أن تبدأ المعاناة؟
- يتمثل أحد أكثر التطبيقات إنسانية وأهمية لعلم الجينوم فى التشخيص المبكر للأمراض الوراثية، خاصة لدى حديثى الولادة، فهناك مئات الأمراض الوراثية التى قد لا تظهر أعراضها فور الولادة، لكنها تؤدى لاحقًا إلى إعاقات عقلية أو حركية شديدة، أو فشل أعضاء حيوية، وربما وفاة مبكرة، حيث يقدم علم الجينوم هنا تشخيصًا مبكرًا لأمراض التمثيل الغذائى الوراثية، ويكشف أسباب التأخر العقلى غير المبرر، وغيرها.
■ ماذا عن الجينوم بالنسبة لدول العالم خاصة مصر؟
- أصبح علم الجينوم فى كثير من دول العالم جزءًا أساسيًا من الرعاية الصحية الأولية، لأنه لا ينقذ الطفل فحسب، بل يحمى الأسرة من معاناة نفسية ومادية طويلة، ويوفر على الدولة تكاليف علاجية ضخمة مستقبلًا، وفى مصر تنتشر بعض الأمراض الوراثية نتيجة زواج الأقارب، لذا يمثل التوسع المنظم فى التشخيص الجينومى المبكر فرصة حقيقية لحماية الأجيال القادمة، وتحقيق مفهوم الوقاية بدلًا من إدارة الإعاقة بعد حدوثها.
■ هل يتوقف أثر علم الجينوم عند مرحلة الطفولة أو الأمراض الوراثية فقط؟
- لا يتوقف دور علم الجينوم عند الطفولة، بل يمتد إلى مراحل العمر المختلفة، فمن خلال التحليل الجينى يمكن التنبؤ بخطر الإصابة بأمراض مثل السرطان، وأمراض القلب والشرايين، والمناعة، والسكرى وغيرها، وهذا كله يسمح بتغيير نمط الحياة، والمراقبة الطبية المبكرة، والتدخل فى الوقت المناسب، وهنا يتحول النظام الصحى من نموذج استنزافى قائم على العلاج المكلف إلى نموذج وقائى ذكى يحسن جودة الحياة، ويقلل النفقات طويلة الأمد.
■ بالنسبة للأوبئة والبكتيريا.. كيف يقف الجينوم فى خط الدفاع الأول؟
- أثبتت جائحة كوفيد-19، كأبرز مثال حديث، أن الدول التى تمتلك بنية جينومية قوية هى الأكثر قدرة على المواجهة، فبفضل علم الجينوم تم تحديد الفيروس فى أيام معدودة، وتتبع تحوراته وانتشارها الجغرافى، وتطوير لقاحات خلال شهور بدلًا من سنوات، ما دعم قرارات الصحة العامة ببيانات علمية دقيقة.
ولا يقل خطر مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية عن خطر الجوائح، وهى أزمة عالمية لا يمكن مواجهتها إلا عبر فهم التركيب الجينى للبكتيريا وآليات مقاومتها، بما يسمح بتطوير مضادات حيوية فعالة، ووضع سياسات استخدام رشيدة، وفى دولة بحجم مصر، يمثل امتلاك قدرات جينومية وطنية عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن الصحى القومى.
■ الجينوم وصناعة الدواء.. كيف يمكن إحداث تحول جذرى فى هذا المجال بحيث تتحول مصر من مستورد إلى مصدر للدواء بعد الاكتفاء الذاتى للاستهلاك المحلي؟
- صناعة الدواء فى العالم تشهد تحولًا جذريًا، فلم يعد المستقبل للأدوية التقليدية فقط، بل للمبتكرة المبنية على الفهم الجينى، لأن اختلاف التركيب الجينى بين الشعوب يعنى أن الدواء قد لا يعمل بالكفاءة نفسها فى كل المجتمعات، ومن هنا فإن بناء خريطة جينومية للمصريين يفتح الباب أمام تطوير أدوية تناسب المواطن المصرى، وتحسين نتائج العلاج وتقليل الأعراض الجانبية، ودعم التجارب السريرية المحلية،وتقليل الاعتماد على الدواء المستورد، وتعزيز التكنولوجيا الحيوية والابتكار الوطنى.
■ ماذا عن الفرص والتحديات أمام مصر فى هذا المجال؟
- لا شك أن الطريق يتطلب استثمارات وجهدًا منظمًا، ولعل أن من أبرز التحديات: الحاجة إلى بنية تحتية رقمية متقدمة، وتدريب متخصصين فى المعلوماتية الحيوية، وتشريعات تحمى الخصوصية والبيانات الوراثية، وربط البحث العلمى بالصناعة وصنع القرار، لكن فى المقابل، تمتلك مصر تنوعًا جينيًا فريدًا، وكوادر علمية عالية الكفاءة، ودعمًا سياسيًا متزايدًا لملف الصحة والدواء، وبنية بحثية قابلة للتطوير.
■ أخيرًا.. لماذا يعتبر علم الجينوم قضية رأى عام؟
- الخطأ الأكبر هو النظر إلى علم الجينوم كمسألة تخص العلماء فقط، فهو فى الحقيقة يمس صحة الطفل منذ لحظة ميلاده، وحق المواطن فى علاج فعال وآمن، وكفاءة الإنفاق الصحى، وقدرة الدولة على مواجهة الأزمات، ومستقبل الصناعة والاقتصاد المعرفى، لذا يجب أن يدخل علم الجينوم دائرة النقاش العام، وأن يكون جزءًا من التخطيط الاستراتيجى الوطنى، لأنه لم يعد علم المستقبل، بل علم الحاضر.
وبالنسبة لمصر، فإن تبنيه ضمن رؤية وطنية متكاملة هو استثمار فى الإنسان، منذ أول نفس يأخذه الطفل حتى مراحل العمر المختلفة، واستثمار فى صحة المواطن، وجودة حياته، وأمن الدولة، واستقلال قرارها الدوائى، وهو الطريق نحو دولة صحية قوية، قادرة على حماية شعبها، وبناء مستقبل يليق به.






