الإذاعة المصرية.. صوت الوطن الذى عبر الحدود
د.مريم الشريف
تحتفل الإذاعة المصرية بعيد ميلادها الـ92 هذا العام، وكانت مصر من أوائل الدول التى شهدت البث الإذاعى بعد الـBBC البريطانية والـNBC الأمريكية.
بدأت الإذاعة من خلال محطات أهلية صغيرة، إلى أن تقدّم توفيق دوس باشا، وزير المواصلات، بطلب إلى مجلس الوزراء يقترح فيه إطلاق إذاعة مصرية رسمية، ثم انطلقت الإذاعة المصرية فى 31 مايو 1934، وكانت أول عبارة بها «هنا القاهرة» بصوت المذيع أحمد سالم.
وكان للإذاعة المصرية دور كبير فى توعية وتثقيف المستمعين وزيادة التذوق الفنى لديهم من خلال إذاعة الأغانى لكبار المطربين، والمسرحيات، والأحاديث الأدبية لكبار الأدباء والمثقفين، إلى جانب الجزء الإخبارى.
تطوير البث
وقال عبدالرحمن البسيونى، رئيس الإذاعة المصرية: إن الإذاعة المصرية على مدار تاريخها خلال 92 عامًا كانت الوسيلة الأقرب للمتلقى، وتفخر بأنها لم تقدم عبر تاريخها شيئًا تخجل منه، ولم تدخل إلى البيوت المصرية التى استقبلتها بكل ترحاب أى شىء يمكن أن يخدش حياء الأسرة.
وأضاف: إن كل ما قدمته الإذاعة عبر تاريخها من مواد إعلامية وتمثيلية وإخبارية وتعليمية وتثقيفية كان مهمًا فى بناء الشخصية المصرية والعربية، لأن إرسال الإذاعة المصرية لم يقتصر على مصر فقط، وإنما انطلق إلى جميع الدول العربية.
وأضاف البسيونى: إن الإذاعة المصرية كانت القوة الناعمة الحقيقية للدولة المصرية على مدار تاريخها منذ انطلاقها فى 31 مايو 1934، إذ اجتذبت كل الموهوبين فى مختلف المجالات، وقدمت منذ اليوم الأول كبار الكُتّاب والفنانين والقراء والمبتهلين، وكانت الأحاديث اليومية لكبار الكُتّاب محط تجمع كل المستمعين والمتابعين، مثل أحاديث الأديب توفيق الحكيم وعباس العقاد. ولفت إلى أن الإذاعة اجتذبت عبر تاريخها قادة الفكر والرأى فى كل مكان، وبالتالى فإن الإذاعة المصرية هى التى صنعت هوية وثقافة هذا الشعب.
وتابع: «نعمل خلال الفترة الحالية على تطوير البث الإذاعى من خلال تطوير البث الرقمى، لوجود منصة رقمية ممثلة فى منصة الهيئة الوطنية للإعلام وعليها البث الإذاعى، والتوسع عبر شبكة الإنترنت، وتقديم محتوى جيد للمتابعين، وتطوير هذا المحتوى ليتناسب مع الأجيال الحديثة».
وأشار إلى أن المتابع فى كل مكان يثق فى الإذاعة ودورها، ولذلك يتم تقديم أفكار جديدة باستمرار، مثل إذاعة الدراما، كما نعمل هذا العام على إطلاق إذاعة البرنامج الثقافى «الإذاعة الثقافية» بمسمى جديد وشكل جديد، ندخل فيها فى شراكة مع كل المؤسسات الثقافية المصرية، ونعمل على تطويرها، لأن الاهتمام بالثقافة أحد اهتمامات الدولة لبناء أجيال واعية ومثقفة.
وأكد أن على الإعلاميين دورًا مهمًا يتمثل فى تطوير أنفسهم من أجل مواكبة التطور الذى يحدث يوميًا فى عالم الإعلام، كما قدم التهنئة بمناسبة عيد الإعلاميين أيضًا، مضيفًا: «كل عام وأنتم بخير، وعليكم دور كبير من أجل المحافظة على هذه الإذاعة وتطويرها».
رفع المستوى الثقافى
وقالت الإذاعية القديرة أمينة صبرى: إن الإذاعة المصرية أثرت تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا وغير مباشر فى مجالات متنوعة لدى الشعب المصرى والعربى، من خلال رفع المستوى الثقافى والفكرى، والارتقاء بالذائقة الفنية عبر الاستماع إلى قصائد المطربة الكبيرة أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، ومسرح الفنان يوسف وهبى، وحديث الأربعاء مع كبار الكُتّاب والأدباء مثل طه حسين وعباس محمود العقاد وبنت الشاطئ عائشة عبدالرحمن وغيرهم، ثم بداية تذوق الفنون الراقية مثل التمثيلية الإذاعية وألوان الموسيقى المختلفة والمتنوعة، فضلًا عن الاستماع إلى اللغة العربية المقروءة بسهولة.
وأضافت صبرى أن الإذاعة، حينما بدأت تخصيص جزء كبير من إرسالها للمنطقة العربية عبر الموجات القصيرة، أحدثت نوعًا من وحدة الفكر والثقافة، وكانت إذاعة قومية، ثم أطلقت مجلة للإذاعة توزع فى الدول العربية أيضًا وتشمل مواعيد البرامج، وبعدها طلبوا من الإذاعة إرسال شرائط لمطربين ومطربات ومسرحيات جورج أبيض وفاطمة رشدى التى تعرفوا عليها من خلال الإذاعة المصرية.
وأشارت إلى أن ذلك شكّل وعيًا جمعيًا إلى جانب الوعى السياسى، رغم أن الإذاعة المصرية أنشأتها شركة ماركونى الإنجليزية، إلا أن المصريين الذين عملوا بها كانوا مخلصين ووطنيين، وكانوا يقدمون برامج سياسية ضد الاستعمار، لدرجة أنهم ذهبوا إلى الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية يشكون بريطانيا مطالبين باستقلال مصر، وأُذيعت هذه الجلسة عبر الأثير المصرى.
وتابعت: «حتى فى ظل الاحتلال، كانت الإذاعة تدعم الحقوق العربية ضد الاستعمار وتتبنى القضايا الوطنية، وهو ما منحها مصداقية كبيرة، فهى وطنية منذ نشأتها، وهذا يُحسب للقائمين عليها. كما أنه بعد الثورة المصرية وإنشاء صوت العرب، التى أنشأها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عام 1953، وقفت مع الحقوق العربية، فهى إذاعة قومية اكتسحت المنطقة العربية وشكلت خطرًا حقيقيًا على الاستعمار»، مؤكدة أن الإذاعة المصرية صفحة من تاريخ مصر المضىء.
فكرة إنشاء الإذاعة
وأكد الإذاعى القدير محمد مرعى أن مصر لم تتأخر كثيرًا فى إنشاء الإذاعة، فمثلًا هيئة الإذاعة البريطانية حينما انطلقت فى إنجلترا كانت من أوائل الإذاعات فى العالم، وكانت أول بث جماهيرى منتظم بخريطة برامج واضحة، وما قبلها كان مجرد محاولات للهواة. وبدأت كشركة ثم تحولت إلى هيئة، وهو ما يشبه ما حدث فى مصر، حيث كانت هناك إذاعات أهلية.
وأضاف أنه فى عام 1926 صدر مرسوم ملكى فى مصر لتنظيم ومراقبة استخدام أجهزة اللا سلكى، وهو ما يعنى أن هذه الأجهزة كانت موجودة قبل انطلاق الإذاعة الرسمية عام 1934، وتمثلت فى إذاعات أهلية يمتلكها هواة، وكان إرسالها محدودًا للغاية، وأهدافها أحيانًا تخرج عن المألوف وتزعج المواطنين.
وأوضح مرعى أن الفضل فى فكرة إنشاء الإذاعة المصرية يعود إلى توفيق دوس باشا، وزير المواصلات فى حكومة إسماعيل صدقى باشا عام 1932، نظرًا لسوء أوضاع الإذاعات الأهلية والمشكلات التى أحدثتها فى القاهرة والإسكندرية. فتقدم بمذكرة إلى مجلس الوزراء اقترح فيها إنشاء إذاعة حكومية لا سلكية تغطى مصر، وأن يُعهد بإنشائها إلى شركة ماركونى على أن تشرف على الإذاعة المصرية لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد، وهى شركة أنشأت إذاعات فى دول كثيرة.
ولفت إلى أنه فى الجلسة التالية وافق مجلس الوزراء على إطلاق الإذاعة، وكانت تلك البذرة الأولى لانطلاقها، حتى جاء عام 1934، حيث صدر قرار الحكومة المصرية بإلغاء الإذاعات الأهلية، ثم انطلقت الإذاعة الرسمية يوم 31 مايو 1934 عندما قال أحمد سالم، أول مذيع مصرى: «هنا القاهرة».
وأشار إلى أن الإذاعة المصرية كانت الفارس الإلكترونى الوحيد لمصر، فقد سبقت التليفزيون، ونشرت الثقافة والعلم والأدب والفن ليس للجمهور المصرى فقط، وإنما للأمة العربية كلها، إلى جانب الدور النضالى الكبير الذى قامت به فى ثورة 23 يوليو 1952، إذ كانت لسان الثورة ومبادئها، كما ساندت الثورات العربية المختلفة، بالإضافة إلى إطلاق إذاعة صوت العرب التى كانت مشروع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والذراع الإعلامية الداعمة للثورات العربية ضد الاستعمار.






