القاهرة وباريس.. شراكة استراتيجية فى مواجهة أزمات الشرق الأوسط
ابتهال مخلوف
تتمتع مصر وفرنسا بعلاقة فريدة تمتد عبر التاريخ على المستويات السياسية والعلمية والثقافية والاقتصادية، حيث يجمع بين الدولتين رصيد هائل من العراقة التاريخية يضرب بجذوره للحملة الفرنسية على مصر وبعثات الوالى محمد على باشا لفرنسا التى عادت وهى تمزج بين عراقة الحضارة والتقاليد المصرية وسحر الثقافة الفرنسية.
وحاليًا تشهد العلاقات المصرية - الفرنسية ذروة تألقها، إذ تحولت إلى «شراكة استراتيجية» شاملة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، كثمرة للتنسيق بين زعماء البلدين والتقدير الكبير لدور مصر الإقليمى والدولى فى عالم يموج بالاضطرابات والصراعات، خاصة فى منطقة الشرق الأوسط، وتشمل هذه الشراكة الاستراتيجية توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة فى مجالات الاقتصاد والصحة والطاقة والإسكان.
ويأتى الاتصال الهاتفى الأخير بين السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى ونظيره الفرنسى إيمانويل ماكرون كمؤشر قوى على متانة وخصوصية العلاقات بين البلدين؛ حيث تناول الاتصال سبل تعزيز العلاقات الثنائية المتميزة بين مصر وفرنسا، واعتزاز مصر بالشراكة الاستراتيجية الشاملة القائمة بين البلدين وبالزخم المتنامى الذى تشهده العلاقات.
ومن جانبه، أعرب الرئيس الفرنسى عن تقديره للجهود التى يقوم بها الرئيس لتحقيق التنمية الشاملة فى مصر، مثمناً حرصه على تعزيز العلاقات المصرية - الفرنسية فى كل المجالات ذات الاهتمام المشترك.
وفى الاتصال أعرب الرئيس الفرنسى، عن تقديره للجهود التى تبذلها مصر والرئيس شخصياً لاستعادة الأمن والاستقرار فى المنطقة، مستعرضاً من جانبه الجهود التى تقوم بها فرنسا لتحقيق السلام المستدام وتجنب انزلاق منطقة الشرق الأوسط إلى الفوضى، مشددا على ضرورة فتح مضيق هرمز ورفع أى قيود على عملية المرور به.
وتحظى زيارات الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لمصر باهتمام رسمى وشعبى خاصة جولاته فى منطقة الحسين وخان الخليلى والإسكندرية وتعبيره عن إعجابه الشديد بالطعام المصرى، وهو ما ينعكس على اهتمام وسائل الإعلام الفرنسية الدولية بهذه الزيارة وجولاته فى الأماكن التاريخية والسياحية فى مصر.
وتلقت العلاقة المصرية - الفرنسية دفعة قوية منذ زيارة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون للقاهرة فى أبريل 2025، وتم فيها توقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية لضمان التعاون والتنسيق الدولى بين البلدين ما يعكس تقديرا لمكانة مصر كدولة محورية فى الشرق الأوسط والعالم.
وتنطلق العلاقات بين فرنسا ومصر من محاور راسخة أهمها:
المستوى الدولى
تتقارب المواقف والرؤية الاستراتيجية المشتركة بين زعيمى البلدين إزاء العديد من القضايا والملفات الإقليمية والدولية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وفق مبدأ حل الدولتين، وإيران ولبنان بالإضافة إلى دعم الحلول السياسية فى ليبيا والحفاظ على وحدة سوريا، حيث تدعم القاهرة وباريس التوصل لاتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران يحول دون عودة التصعيد ويقود إلى استعادة الأمن والاستقرار فى المنطقة ودول الخليج استنادًا إلى مبادئ القانون الدولى واحترام سيادة الدول ومقدرات شعوبها.
وفى الشأن الليبى تتفق مصر وفرنسا على أهمية الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها، ودعم المسار السياسى تحت إشراف الأمم المتحدة، وقد لعب البلدان دورًا فى الدفع نحو وقف إطلاق النار، ومنع تصاعد الصراع المسلح، خاصة فى ظل خطورة انتشار الجماعات المسلحة.
كما يدعم الطرفان القضية الفلسطينية وحل الدولتين باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام، مع تأكيد إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
المحور العسكرى
تعد فرنسا مورداً رئيسياً للسلاح لمصر، بما فى ذلك طائرات «رافال» والفرقاطات البحرية، مما يعزز القدرات الدفاعية المصرية.
المحور الحضارى
تمتد جذور العلاقة بين مصر وفرنسا إلى نهاية القرن الثامن عشر مع الحملة الفرنسية التى دشنت لصلة استثنائية متبادلة حضاريًا وثقافيًا وعلميًا مع علماء الحملة، وتطورت العلاقة فى عهد محمد على باشا الذى أرسل لباريس البعثات التعليمية.
ومن أبرز إسهامات علماء الحملة الفرنسية، كتاب وصف مصر الذى يعد اعترافًا من الفرنسيين بأهمية حضارة مصر وتاريخها، وكذلك اكتشاف حجر رشيد عام 1799، وبه استطاع العالم ترجمة رموز اللغة الهيروغليفية ومعرفة أسرار الحضارة الفرعونية.
ولم تنقطع أواصر هذه العلاقة عبر الزمن، إذ تعكس شوارع كثير من المدن المصرية خاصة القاهرة الخديوية ومدينة الإسماعيلية ، التى تأثرت بالتخطيط المعمارى الفرنسى والطابع الأوروبى.
ولعب المهندسون الفرنسيون دورًا رئيسيا فى إعداد الدراسات الهندسية الخاصة بمشروع حفر قناة السويس، وتمتع حفل افتتاحها رسميا عام 1869 بحضور عدد كبير من ملوك ورؤساء العالم على رأسهم الإمبراطورة أوجينى.
استمرارا لتوطيد وتقوية العلاقات الثنائية بين البلدين خاصة فى مجال التعليم، افتتح السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس الفرنسى إيمانويل المقر الجديد لجامعة سنجور بمدينة برج العرب غرب الإسكندرية.
و تأسست جامعة سنجور «الجامعة الدولية الفرنسية للتنمية الإفريقية» فى الإسكندرية عام 1990 ، وتعد إحدى المؤسسات الرئيسية التابعة للمنظمة الدولية للفرانكوفونية والتى سميت تيمنا بالرئيس والشاعر السنغالى ليوبولد سنجور، وتركز على تقديم برامج ماجستير متخصصة فى مجالات التنمية، الصحة، البيئة، الثقافة، الإدارة، والتعليم لتأهيل الكوادر الإفريقية.






