Friday.. وحلم محتمل المنال
هند سلامة
لن نتحدث عن "فرايداي" بصفته عملا مسرحيا عاديا بين نظيره من الأعمال المقدمة على الساحة بالقطاع الخاص؛ بينما سوف نتناول هذا العمل الفني الاستثنائي بصفته مشروعا مسرحيا وحلما كان عسير المنال أصبح في المتناول؛ ومن المحتمل أن يستقر في يسر بعد العسر الطويل الذي لازم القطاع الخاص في سنوات عجاف حتى يئس صناعه من احتمالية عودته واستمرار هذه العودة؛ بين محاولات كثيرة باءت بالفشل وأخرى تتحسس الخطوات محاولة الوقوف والثبات على أرض صلبة لكن الأرض ما زالت رطبة تتعثر بها الأقدام!
برغم تراجع السوق المسرحية بمجال القطاع الخاص إلا من بعض التجارب الشحيحة التي لا تصنع حركة ولا تنعش سوقا؛ إلا أن المخرج أحمد البوهي قرر أن يحلم ويحقق الحلم في ظروف اقتصادية طاردة خانقة للإبداع؛ كان لهذا الحلم أبعاد متنوعة ليس فقط مجرد تقديم عمل مسرحي موسيقي بالشكل الفني الذي خرج عليه "فرايداي" والذي سوف نتناوله بالتفصيل لاحقا؛ بينما جاءت الخصوصية والاستثناء من فكرة تشكيل فرقة "البوهي المسرحية"؛ فرقة لها قوام فني وعدد ضخم من الأفراد أعضاء الفريق وهو ما كنا افتقدناه بالقطاع الخاص منذ زمن بعيد؛ بعد حل العديد من فرقه سواء القديمة أو الحديثة؛ منها الذي اندثر بموت وفناء أصحابها ومنها الذي تلاشى تدريجيا حتى تبخرت ونسفت فكرة تأسيس فرقة بقوامها ومعناها المتعارف عليه.. الفرقة التي تضمن الاستقرار للفنان وتشعره بالانتماء لفن المسرح وأنه جزء من حياته الشخصية واليومية؛ وبأنه مهنته الأصلية وليس مجرد مجال يهواه وينتمي إليه كلما اتسع له الوقت أو توفرت فرصة؛ قد تحيي هذه الخطوة الأمل في إمكانية استعادة هذا النمط في صناعة حركة مسرحية بالقطاع الخاص كما كان في عهد سابق حيث حركة مسرحية قوية شديدة التنوع والثراء.. مثل فرق نجيب الريحاني؛ يوسف وهبي؛ علي الكسار؛ الفنانين المتحدين؛ مسرح الفن جلال الشرقاوي؛ وثلاثي أضواء المسرح وغيرهم الكثير.. فرق تعاقبت عبر الأزمنة المتتالية في عهد مضى صنعت حراكا فنيا ضخما؛ ثم تراجع هذا الحراك واستبدل بالركود؛ ولم يبق سوى الفنان محمد صبحي الكيان الوحيد الذي تمكن من الاستمرار على مدار سنوات عدة؛ ثم محاولة البوهي الحديثة التي تحتمل البقاء إذا لم يواجه أصحابها عثرات تمنعهم من تكرار التجربة؛ وبالتالي تفقد الفرقة عنصرها الأساسي الاستمرار بالتراكم.
«فرايداى».. تدور أحداثه في لندن 1947 بعد وقوع الحرب العالمية الثانية يعيد العرض طرح القيم الكبرى بعد الحرب من خلال الخطايا السبع الممثلة في الملاك السبع لهذا الكازينو المدير؛ وكبير الطباخين؛ مدير الإنتاج؛ مصمم الاستعراضات؛ بطل الفرقة؛ البارمان؛ كبير الجارسونات تتمثل هذه الخطايا في الطمع؛ الشهوة؛ الكبرياء؛ الحسد؛ الشراهة؛ الكسل؛ الغضب؛ حلم ألفريد مؤسس «فرايداي» والصديق المقرب لهؤلاء الملاك بأن يصبح هذا الكازينو ملتقى للفن والابداع والسلام بعد الحرب؛ ويضم فنانين من شتى بقاع الأرض رأى في أحد الكباريهات بمصر "ورد" الفتاة التي سحرته وقرر نقلها إلى "فرايداي"؛ بعد أن يرحل تذهب إليه باحثة عنه لكنها تكتشف حقيقة اختفائه المؤلمة ثم تبدأ رحلتها بمواجهة الرفض والمقاومة للوصول إلى حقيقة من قتل «الفريد».
مغامرة فنية بكل المقاييس يقدم فيها المخرج والمنتج أحمد البوهي جزءًا من تجربته بالاطلاع والمشاهدة والدراسة للمسرح الموسيقي الغنائي بـ «برودواى» قدم عملا مغنى من الألف إلى الياء؛ ليس مجرد عرض مسرحي تتقاطع فيه الموسيقى والغناء مع السرد الحواري بينما الحوار نفسه كتب منغما متداخلا في نعومة وانسياب مع المقاطع الغنائية الطويلة؛ وبالتالي نحن أمام عمل يحمل مزيجا من الخصوصية والجرأة؛ الخصوصية في النوع الذي أقدم عليه صناعه؛ والجرأة برغم ما قد يواجهونه من عزوف واستغراب من الجماهير؛ فهو أقرب لفن الأوبرا إن لم يكن يشبهها بشدة في أسلوب بنائها الدرامي وكتابة الحوار المنغم "رستاتيف" واسترساله مع الحكي بالغناء؛ فهذا العمل يحمل قانونه الخاص في فن الفرجة نظرا لصعوبة التلقي ومتابعة الأحداث المتلاحقة في قالب موسيقي غنائي؛ وبالتالي واجه الجمهور صعوبة في استساغة واستيعاب العرض وربما الانسجام معه من المرة الأولى؛ أحيانا تتوه الأحداث خاصة في انتقال البطلة بين الأزمنة ورحلة بحثها عن الحقيقة؛ فهذا النوع المعقد من الأعمال الفنية يحتاج إلى تنويه من صناع العمل بضرورة إطلاع الجمهور على كتيب العرض قبل المشاهدة كما هو معتاد بفنون الأوبرا والباليه؛ والذي يتماس بشكل دقيق ومباشر معهما وإن كانت دراما الأوبرا والباليه تبدو أوضح وأبسط مما تناوله "فرايداي" من معالجة فنية حملت نوايا حسنة لتقديم تجربة موسيقية ضخمة متقنة الصنع بينما شابها بعض الهنات في الانتقال بين المشاهد والأزمنة وترتيب الأحداث.
وضعت هذه الدراما الغنائية بين أيدي مجموعة من المطربين يمتلكون حرفة عالية وأنواع أصوات متباينة أسهمت في إثراء العمل فنيا بأدائهم الصوتي سواء الفردي أو الثنائي بطلتي العرض ليديا لوتشيانو وأميرة رضا وعمرو كمال بدير في دور ألفريد؛ ثم البناء الموسيقي المعقد الذي اتضح فيه بذل الجهد الوفير بصناعة عمل غنائي ينسجم مع الدراما تأليف أحمد البوهي وشاركه في كتابة وسرد الأحداث محمد السوري؛ ليأتي التأليف الموسيقي وكتابة الأشعار معبران بدقة عن هذه الدراما.. ألف الملحن إيهاب عبد الواحد عمل موسيقي شديد الفخامة والروعة جمع بين نقيضين التعقيد والسلاسة في الانتقال والقفز من حدث إلى حدث وربط الحوار المغنى بالمقاطع الغنائية الطويلة بحرفة ترزي يجيد حياكة أشد الأقمشة صعوبة وتعقيدا ليخرجها في رونق وبهاء ووحدة فنية مكتملة الأركان صعد بنا في شغف ومتعة درجات السلم الموسيقي بتأن وروية.. هكذا خرج العمل موسيقيا على يد الملحن إيهاب عبد الواحد وتوزيع خالد الكمار ووجدي الفوي؛ ثم كتابة الأشعار التي كانت الأقوى وأعمق أثرا في النصف الأول من العرض وأكثر متعة من النصف الثاني بدت روح الكتابة الشعرية غير متسقة في الذوق والصياغة الشعرية نظرا لاختلاف المدارس ووجهات النظر بين الكاتبين طارق علي ومؤمن المحمدي كان من الأولى أن يستقر المخرج على كاتب بعينه حتى لا تتوه روح الكتابة ويتغير مذاق الشعر المغنى بين الفصلين؛ كلاهما يحمل مذاقه الخاص ومدرسته وأسلوبه في الكتابة الذي بدا واضحا بين فصلي العرض؛ فالكتابة الشعرية من شأنها أن تضعك في حالة ذهنية وشعورية محددة مع الحدث بينما تذبذبت هذه الحالة بين الفصلين حسب إحساس كل منهما بالدراما وعمق قراءتهما للنص لإخراج المعنى العام للجمهور؛ لكن بالرغم من الشراكة التي جمعت الفنان عاطف عوض ورجوى حامد وسالي أحمد في تصميم الاستعراض إلا أنه لم يبد هذا التأرجح بينهم في روح التصميم على العكس جاءت الاستعراضات أكثر اتساقا ووحدة مع روح العمل من البداية إلى النهاية فهناك حالة اتفاق ومواءمة بين المصممين ظهرت في نسيج العمل بالكامل.
لم يقتصر دور مهندس الديكور حازم شبل في "فرايداي" على مجرد رجل يجيد تصميمه بينما استغل عصارة تجربته بالاطلاع والمشاهدة بمسارح الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لينقل جزءا منها إلى مصر على خشبة مسرح "الموفينبيك"؛ لم تتوقف مهارته ودقته عند مرونة حركة كتل الديكور الثقيلة بالصعود والهبوط والدخول والخروج من المسرح والانتقال بين الأماكن والأزمنة؛ بينما أسهمت خبرته الكبيرة في تهيئة خشبة هذا المسرح لاستقبال العرض والعدد الضخم من الممثلين والراقصين وكذلك حجم الديكورات الثقيلة؛ تم تركيب أسانسيرات بخشبة المسرح بإعادة تغيير "ميكانيزم" الخشبة؛ حيث تخلل العمل مشاهد عدة يصعد ويهبط فيها الممثلون داخل هذا الكازينو في لوحات متفرقة التي تضمنت أهم مقاطعه الغنائية والاستعراضية؛ وكذلك تهيئة الخشبة لاستحداث إنزال المطر بكثافة في المشهد الأخير وهو ما لم يكن متحققا بالمسارح في مصر من قبل إلا في إحدى المرات بمسرح الهناجر؛ يخشى المخرجون عادة الإقبال على استخدام هذا التكنيك الذي يحتاج إلى إجراءات تأمين مشددة خوفا من اختلاط المياه بالكهرباء وحدوث حريق؛ لذلك تم عزل خشبة المسرح لاستقبال هذا المشهد مع نهاية العرض؛ بذل شبل والمخرج جهدا مضاعفا في إعداد وتهيئة كواليس المسرح وخشبته من الداخل فهناك عالم آخر أسفل الخشبة تهيأ لاستقبال كل ما ظهر على سطحها أمام الحضور كما حرص المخرج على إضافة غرفة مغسلة وماكينات لتفصيل ملابس العرض التي جاءت مبهرة مما يجعلنا أمام تجربة مسرحية ضخمة أعد لها أصحابها إعدادا دقيقا وضعوا فيها عصارة خبرة السنين لتقديم عمل فني إن لم يستقبله الجمهور لحداثة نوعه في البداية قد يفتح الباب أمام تجارب أخرى تجعل المسرح الغنائي بهذا البناء الفني المعقد ضمن ذائقتنا في المستقبل القريب؛ المسألة تحتاج فقط إلى مزيد من الدعاية وتدريب الجمهور على فن الفرجة على المسرح الغنائي بسياقه الحديث.






