السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

تاريخ مصر بعقول مبدعيها

مثقفو مصر.. قالوا «لا» لتأميم العقول وحكم المرشد

مرت الحركة الثقافية فى مصر بتاريخ طويل من النضال والمواقف الاستثنائية  اثبت خلالها المثقفون من كتاب وشعراء وفنانين إنهم ليسوا بمعزل عن الشعب فى أبراج عاجية  بل أنهم نبض صارخ لآلامه وأحلامه، لكن عندما نذكر «اعتصام المثقفين» فى الوجدان المصرى الحديث، فإن الأذهان تنصرف فوراً إلى اعتصامين رئيسيين شكّلا علامتين فارقتين فى علاقة المثقف بالسلطة والمجتمع.. 



اعتصام المثقفين فى عام 1972 واعتصام يونيو 2013.

  اعتصام اللجنة الوطنية للمثقفين والفنانين (1972).

إذا عدنا بالزمن إلى الوراء، نجد جذور هذا الحراك الثقافى الجماعى فى عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وتحديداً فى أجواء ما قبل حرب أكتوبر 1973، كان الوضع العام فى مصر يعيش حالة «اللا سلم واللا حرب»، وكان هناك تململ واسع بين الطلاب والمثقفين بسبب تأخر قرار الحسم العسكرى لاسترداد سيناء.

البداية كانت فى يناير عام 1972 حيث خرجت مظاهرات طلابية قوامها طلبة كل الجامعات وعلى رأسها، جامعة القاهرة وجامعة عين شمس وعلى أثرها تم اعتقال عدد كبير منهم ، بلغ عدد المقبوض عليهم 1500 طالب فى جامعة القاهرة، وفقًا للدكتورغالى شكرى فى كتابه «الثورة المضادة فى مصر» واستمرت المظاهرات طوال اليوم، وفى المساء حدث اعتصام آخر حول قاعدة التمثال وسط ميدان التحرير.. وهو الاعتصام المعروف تاريخيا باسم «الكعكة الحجرية» نسبة إلى القصيدة التى كتبها الشاعر أمل دنقل بنفس الاسم، وانضم الشاعرأحمد فؤاد نجم والفنان الشيخ إمام إلى هذا الاعتصام، وغنى الاثنان «جيفارا مات» و«رجعوا التلامذة ياعم حمزة»

بيان المائة كاتب

 وتضامناً مع الحراك الطلابى الضخم فى الجامعات المصرية، أعلن عدد كبير من المثقفين والفنانين اعتصاماً فى مقر نقابة الصحفيين وفى أتيليه القاهرة فى قلب هذا الحراك والاعتصام، صاغ المثقفون بيانا فى فبراير 1972 وقع عليه فى البداية حوالى 100 من أبرز قامات مصر الفكرية والأدبية مثل الأديب العالمى الراحل نجيب محفوظ، ويوسف السباعى، لويس عوض، ألفريد فرج، يوسف إدريس وسمى ببيان «المائة» والذى صاغه الكاتب الكبير توفيق الحكيم واستهله «إن الموقعين على هذا البيان، من كتاب مصر وأدبائها وفنانيها ومثقفيها، بدافع من إيمانهم العميق بمسئوليتهم الوطنية فى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ أمتنا، يجدون لزاماً عليهم أن يعلنوا صوتهم واضحاً ومؤيداً للهبة الوطنية لشبابنا من طلبة الجامعات المصرية.

إن الحركة التى يقوم بها طلابنا اليوم ليست مجرد حماس عابر، بل هى تعبير صادق ومسئول عن قلق شعب بأسره تجاه حالة ‹اللا سلم واللا حرب› التى طال أمدها، وتجاه الوعود المتكررة بالحسم والتحرير والتى لم تتحقق، مما أدى إلى حالة من الضبابية السياسية التى باتت تهدد سلامة الجبهة الداخلية وصمودها، وحددت المطالب داخل البيان فى الآتى: 

الإنهاء الفورى لحالة «اللا سلم واللا حرب»، وإعلان خطة وطنية شاملة ومحددة لإعداد الدولة لخوض معركة التحرير الفاصلة، إطلاق الحريات العامة، وفى مقدمتها رفع الرقابة المفروضة على الصحافة وأجهزة الإعلام والمصنفات الفنية، لتمكين المفكرين والكتاب من أداء دورهم فى تعبئة الوعى القومي.، الإفراج الفورى عن جميع الطلاب المعتقلين بسبب تعبيرهم السلمى عن وطنيتهم، والكف عن استخدام الأساليب الأمنية فى التعامل مع المطالب السياسية المشروعة للشعب، فتح قنوات الحوار الديمقراطى بين السلطة وجميع القوى الوطنية والشعبية لصياغة مستقبل المواجهة.

كان من دواعى ذلك البيان الذى ظهر فى فبراير من العام نفسه صدور قائمتين بأسماء بعض من الصحفيين فصلوا من عملهم على خلفية نشرهم وتوقيعهم على البيان.

وبحسب كتاب «الثورة المضادة فى مصر» للكاتب غالى شكرى، فإن الخطاب واجه غضبا كبيرا من الرئيس السابق أنور السادات، حيث قام الاتحاد الاشتراكى بعد صدور البيان بأقل من شهر، بفصل 64 كاتبا ممن وقعوا على الكتاب، وأكد الكاتب أن أغلبهم لم يكونوا أعضاء بالاتحاد من الأساس.

ومن ضمن الوقائع الطريفة الخاصة بالبيان أيضا ما سرده الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ، كما يذكر الناقد الكبير رجاء النقاش فى كتابه «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» بخصوص البيان حيث قال «ربما أصعب المتاعب التى واجهتها فى علاقتى مع السلطة هو ما حدث فى بدايات عصر السادات وأقصد هنا تداعيات البيان الشهير الذى كتبه توفيق الحكيم ووقع عليه عدد كبير من الأدباء.. ويتابع «الأشد إيلاما فى نفسى، فهو ذلك الهجوم الجارح الذى شنه على كتاب كنت أعتبرهم من الأصدقاء وفى مقدمتهم حسن إمام عمر وصالح جودت».. ولفت قائلا: «الطريف أن صالح جودت قبل أن يشن علينا هجومه ببضعة أيام اتصل بتوفيق الحكيم غاضبا، لأن الحكيم لم يطلب منه التوقيع على البيان الذى أثار هذه الأزمة وأنه على حد ما أبلغ به «الحكيم» كان على أتم الاستعداد للتوقيع عليه، ثم انقلب علينا بعد ذلك فسبحان مغير الأحوال».

«مخطط أخونة الثقافة» يونيو 2013

يُعتبر اعتصام وزارة الثقافة فى يونيو 2013 الفصل الأبرز والأكثر إثارة فى تاريخ الحراك الثقافى والسياسى بمصر الحديثة، فلم يكن مجرد احتجاج مهنى فئوى، بل تحول إلى «خط مواجهة أمامي» ومعمل سياسى وفنى قاد وجدان الشارع المصرى مباشرة نحو أحداث 30 يونيو 2013.

شرارة الاحتجاج اندلعت بتولى وزير الثقافة الأسبق علاء عبدالعزيز منصبه فى حكومة جماعة الإخوان الارهابية آنذاك، حيث اتخذ سلسلة قرارات متسارعة أثارت ذعر الأوساط الثقافية من إقالات جماعية لرموز وقامات ثقافية بارزة تدير أهم قطاعات الثقافة فى مصر، وعلى رأسهم الدكتورة إيناس عبد الدايم رئيسة دار الأوبرا المصرية، والدكتور أحمد مجاهد رئيس الهيئة العامة للكتاب، والدكتور صلاح المليجى رئيس قطاع الفنون التشكيلية.

اعتبر المثقفون هذه الإقالات خطة ممنهجة لتجريف الثقافة التنويرية، واستبدالها بكوادر تابعة للتيار الحاكم بهدف تغيير الهوية الثقافية لمصر، وهو ما وصفوه بـ «مخطط أخونة الثقافة».

اقتحام مبنى الوزارة

فى صباح يوم الأربعاء 5 يونيو 2013، احتشد عشرات الفنانين والكتاب والمخرجين أمام مقر وزارة الثقافة فى شارع شجرة الدر بحى الزمالك العريق بالقاهرة استغل المثقفون فرصة خروج الوزير لحضور اجتماع، ونجحوا فى دخول المبنى، ثم صعدوا إلى مكتب الوزير بالدور العلوى وأعلنوا الاعتصام المفتوح بداخل المكتب وحتى إسقاط الوزير والنظام.

وضمت جبهة الاعتصام آنذاك قامات من مختلف الأجيال والمجالات، منهم: الروائى صنع الله إبراهيم، المخرج خالد يوسف، الفنان جلال الشرقاوى، الكاتب بهاء طاهر، الشاعر سيد حجاب، الفنانة ليلى علوى، الفنان حسين فهمى، السيناريست مدحت العدل، والروائى صبرى موسى، إلى جانب شباب الفنانين والمثقفين.

الشارع «مسرح مكشوف»

سرعان ما امتد الاعتصام من داخل مكتب الوزير إلى الشارع المحيط بالوزارة، ليتحول الشارع إلى منبر إبداعى يومى فريد من نوعه هز وسائل الإعلام العالمية، افترشت فرنسات باليه دار الأوبرا المصرية الأسفلت، وقدموا عرض باليه «زوربا» فى الشارع أمام المارة والمتضامنين تنديداً بالهجمة على الفن، وتحولت منصة الاعتصام إلى حفل ممتد تأكيداً على ضرب مثقفى مصر بمخططات الإخوان عرض الحائط واستمرارهم فى الإبداع رغم أنف الجميع، حيث شارك الموسيقار هانى شنودة بفرقته، وعزف عازف الموسيقى الشهير نصير شمة، وقدمت فرق الموشحات والإنشاد والفنون الشعبية عروضاً يومية.

وشهد الاعتصام قراءات شعرية وندوات: كان الشاعران سيد حجاب وجمال بخيت يلقيان القصائد الحماسية، بينما تُعقد ندوات فكرية فى الهواء الطلق بمشاركة آلاف المواطنين الذين كانوا يأتون يومياً للتضامن.

محاولات الفض والاشتباكات

لم يمر الاعتصام بهدوء، بل حاصر المقر مجموعات من المنتمين لتيار الإسلام السياسى والمتعاطفين مع الوزير، وحاولوا اقتحام المبنى لفض الاعتصام بالقوة.

شكّل الشباب من الفنانين والمواطنين والمنطقة المحيطة لجاناً شعبية ودروعاً بشرية لحماية المعتصمين بالداخل، وشهد شارع شجرة الدر مناوشات واشتباكات بالأيدى، صمد فيها المثقفون رافضين إخلاء المبنى.

تحول مقر الاعتصام بالزمالك إلى مركز لوجستى وسياسى مهم حيث أعلن المثقفون دعمهم الكامل لحركة «تمرد»، وتحول مقر الاعتصام إلى نقطة رئيسية لجمع التوقيعات من المواطنين للمطالبة بسحب الثقة من الرئيس الأسبق محمد مرسى وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة كان المعتصمون يصدرون بيانات سياسية يومية تذيعها القنوات الفضائية، مما أعطى الحراك الشعبى غطاءً نخبوياً وشرعية مدنية قوية.

المسيرة الكبرى 30 يونيو

استمر الاعتصام صامداً بنجاح لأكثر من ثلاثة أسابيع 25 يوماً متواصلة حتى تحركت المسيرة الكبرى: فى يوم 30 يونيو 2013، لم يكتفِ المثقفون بالبقاء داخل الوزارة، بل انطلقت من مقر الاعتصام بالزمالك واحدة من أضخم المسيرات البشرية قاصدة ميدان التحرير، تقدمتها قامات الفن والفكر وهى تحمل الأعلام المصرية ليلتحموا بالملايين.

وكانت النتيجة على النحو الذى أراده مبدعو مصر فعقب بيان 3 يوليو 2013 والإطاحة بالنظام، أنهى المثقفون اعتصامهم بعد تحقيق هدفهم، حيث أقيل الوزير، وعادت القيادات الثقافية إلى مناصبها، وتولت الدكتورة إيناس عبدالدايم لاحقاً منصب وزيرة الثقافة كأول امرأة فى تاريخ مصر تشغل هذا المنصب، امتداداً لشرعية هذا الاعتصام.

وأثبت اعتصام يونيو 2013 أن «القوة الناعمة» فى مصر ليست مجرد رفاهية، بل هى سلاح سياسى حاسم، حيث نجح المثقفون فى نقل معركة الصراع السياسى من خلاف على صناديق الاقتراع إلى معركة مصيرية لحماية الهوية وأسلوب الحياة المصرى.

والتى أعلن فيها المثقفون رفضهم لتأميم العقول ولحكم المرشد.

وهما على مدار التاريخ المعاصر حدثان فارقان كان لهما دور كبير فى صياغة الحياة السياسية المصرية مستقبلا.