السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

ليلة سقوط دولة «العشيرة الإرهابية»

نجحت ثورة 30 يونيو فى إسقاط مشروع «أخونة» الدولة المصرية، وإحباط مخطط «حكم العشيرة» الإرهابى، الذى حاول اختطاف هوية الوطن ومؤسساته، بعد أن حاولت الجماعة بشتى الطرق تحويل مؤسسات الدولة إلى «غنيمة» تنظيمية، عبر «الأخونة» الممنهجة بعزل الكفاءات الوطنية وإحلال عناصرها فى الوزارات السيادية، والإعلام، والقضاء، والتعليم، محولةً عملية صنع القرار إلى حلقة مغلقة تُدار بالكامل من داخل مكتب الإرشاد.



وأكد اللواء فؤاد علام وكيل جهاز أمن الدولة الأسبق، أن جماعة الإخوان الإرهابية حاولت بكل طاقتها إبان حكمها وبعد أحداث 25 يناير، اختراق مفاصل الدولة المصرية، وتحديدًا الأجهزة الأمنية، عبر محاولات مستمرة لتجنيد عناصر يدينون بالولاء المطلق للجماعة وفكرها المتطرف على حساب الولاء للوطن، لكن هذه المساعى الخبيثة تحطمت تمامًا أمام صخرة الوعى والجاهزية الأمنية المصرية التى أفشلت مخطط الجماعة.

وأشار إلى أن العقيدة الأمنية الراسخة والإصرار على لفظ الاختراق كانا عاملين أساسيين فى أن الدولة المصرية، ممثلة فى أجهزتها السيادية، كان لديها إصرار قاطع وعزيمة لا تلين على لفظ أى عناصر تحوم حولها شبهات الانتماء أو التعاطف مع هذا التنظيم الإرهابى. 

واعتبر «علام»، أن اليقظة الدائمة للعناصر الأمنية الوطنية كانت بمثابة حائط الصد الأول الذى منع تغلغل عناصر الإخوان داخل قطاعات وإدارات وزارة الداخلية؛ حيث عملت تلك العناصر الوطنية المخلصة بكفاءة عالية على تحجيم تحركات الجماعة، ورصد أى محاولة للتسلل، والتخلص الفورى والحاسم من أى عناصر يثبت انتماؤها أو تبعيتها لهم، مما حافظ على نظافة الثوب الأمنى وحمى الجبهة الداخلية من الاختراق، موضحا أن عقيدة الولاء للوطن وحده، والتى تربى عليها رجال الشرطة المصرية، جعلت من المستحيل على أى تنظيم سرى أن يجد له موطئ قدم داخل المنظومة الأمنية.

واعتبر أن الرفض الشعبى الجارف لجماعة الإخوان وممارساتهم كان هو الوقود الحقيقى والمحرك الأساسى الذى ساند الأجهزة الأمنية فى معركتها، وأن هذا التلاحم بين الشعب ومؤسساته الأمنية ساهم بشكل مباشر فى إحباط كل مخططات الإخوان التآمرية، ودفع بالتنظيم إلى التراجع مرارًا عن خططه التخريبية التى كان يستهدف بها هز استقرار الأجهزة الأمنية وإضعاف قدرتها على حماية المواطنين.

واختتم حديثه بقوله:» تلاحم الوعى الشعبى مع الاحترافية الأمنية والتمسك بالثوابت الوطنية، هو المعادلة الذهبية التى أنقذت مصر من نفق مظلم، وجعلت من مؤسسة الأمن حصنًا منيعًا يصعب على قوى الظلام والارهاب اختراقه أو النيل منه».

 وأوضح العقيد حاتم صابر خبير مقاومة الإرهاب الدولى وحرب المعلومات، أن الجماعة الإرهابية، حاولت خلال عامى 2012–2013 إحلال عناصرها كبديل عن مؤسسات الدولة الوطنية تحت شعار «دولة العشيرة»، وقد ركزت جهودها فى ذلك من خلال عدة محاور على رأسها تفكيك وزارة الداخلية وإعادة هيكلتها بما يضمن ولاءها التنظيمى.

ووصف تلك المحاولة بالاختراق الناعم عبر كليات الشرطة ومعاهد الأمناء، حيث سعت إلى ضخ عناصر إخوانية تحمل الفكر الإرهابى داخل الشرايين الأمنية للدولة، لضمان السيطرة المستقبلية على مفاصل الوزارة، وتم ذلك عبر تسهيل القبول لكليات الشرطة والضغط لتخفيض وتجاوز الشروط الأمنية الصارمة وتحريات الأمن الوطنى، مما سمح بقبول أعداد من أبناء وأقارب قيادات الجماعة والمنتمين للتيار الإسلامى السياسى داخل كلية الشرطة.

 وتابع:» الجماعة ركزت أيضا على دفع عناصرها للالتحاق بمعاهد أمناء الشرطة مستغلة الكثافة العددية والقرب المباشر للأمناء من الشارع والعمل التنفيذى اليومى مما يسهل خلق خلايا نائمة وموجهة داخل جهاز الشرطة»، مشيرًا إلى أن الجماعة الإرهابية عملت على التصفية المعنوية للجهاز الأمنى بالحديث المستمر عن ضرورة إعادة الهيكلة ورفع شعار «تطهير الشرطة»، وكان هدفها من ذلك إبعاد القيادات ذات الكفاءة والخبرة فى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة واستبدالهم بعناصر مهادنة أو ذات هوى إخوانى.

 وشدد على أن الجماعة الإرهابية، حاولت ضرب الانضباط العسكرى وقيم القيادة والسيطرة داخل وزارة الداخلية من خلال تقديمها دعمًا سياسيًا وقانونيًا لظاهرة «الضباط الملتحين» بهدف تفتيت وحدة الصف الشرطى وإحداث انقسام داخلى بين الضباط الملتزمين باللوائح العسكرية للدولة وبين من يطالبون بفرض مظاهر دينية ذات دلالات سياسية داخل جهاز نظامى، وتحويل منصة القضاء والإعلام إلى ساحة صراع لفرض الهوية الفكرية للجماعة على مؤسسات إنفاذ القانون.

واعتبر أن محاولة الجماعة الإرهابية تكوين مليشيات موازية كانت جزءا من ترسيخ حكم العشيرة عبر حماية المقرات التابعة لها بالردع العسكرى من خلال عناصر الجماعة، خاصة عندما أدركت أن اختراق جهاز الشرطة يتطلب وقتًا طويلًا ولجأت بالتوازى مع ذلك إلى بناء «أجهزة أمنية بديلة» أو مليشيات عسكرية لحماية مقراتها وحصار المنشآت الحيوية، كما حدث فى حصار المحكمة الدستورية ومدينة الإنتاج الإعلامى.

واستطرد: «تجلت خطورة تلك المليشيات فى حملها للأسلحة البيضاء والخرطوش وتولى مهمة تأمين مقار حزب الحرية والعدالة ومكتب الإرشاد مما شكل اعتداءً صارخًا على احتكار الدولة للقوة الردعية، وأيضا فى اعتداءات قصر الاتحادية فى ديسمبر 2012، عندما قامت بدور «الشرطة البديلة» فقبضت على المتظاهرين وعذبتهم واستجوبتهم خارج إطار القانون». 

واختتم حديثه بقوله:» إدراك الشعب المصرى أن تفكيك جهاز الشرطة لصالح «العشيرة» كان يعنى انهيار الأمن القومى وسقوط الدولة فى فوضى الحروب الأهلية، وكان أحد الأسباب التى دفعته إلى القيام بثورة 30 يونيو، ليضع بذلك حدًا لهذا المخطط وهو ما جعل المؤسسات الأمنية والعسكرية تنحاز لإرادة الشعب وهو ما أدى إلى بقاء الهوية الوطنية للأجهزة الأمنية وتطهيرها من محاولات الاختراق الإخوانية ذات الأيديولوجية الإرهابية».

وأوضح حسام الحداد الباحث المتخصص فى شئون الجماعات المتطرفة، أن الإرهابية تعتمد فى جوهر فكرها على مفهوم «تمكين العشيرة» فى محاولة منها للسيطرة الدائمة على مفاصل الدولة، حيث اعتبرت الدولة أثناء حكمها ملكًا لها وأن «استردادها» لصالح المشروع التنظيمى وعناصره حتمية وجودية لبقائها فى السلطة.

وتابع:» هذا التصور دفعهم إلى وضع ولاء الأفراد للتنظيم فوق الكفاءة المهنية، حيث تم التعامل مع مؤسسات الدولة كـ «غنيمة» للعشيرة الإخوانية التنظيمية وبالتالى يجب تأمينها عبر تعيين الموالين لها فى كل المناصب القيادية، وهو ما خالف الوعود الانتخابية التى قدموها بإنشاء «حكومة ائتلافية» وطنية، وتحول الحكم إلى إدارة قائمة على الثقة التنظيمية فى عشيرة الجماعة الضيقة».

وأشار إلى أن الجماعة الإرهابية ركزت جهودها على «أخونة» الوزارات السيادية والهيئات الخدمية والإعلامية بشكل ممنهج حيث تم استخدام آلية «التطهير» الوظيفى تحت شعارات إصلاحية، من خلال إقصاء الكفاءات المخالفة للتوجه الإخوانى واستبدالهم بعناصر من داخل التنظيم أو من الموالين له، وشملت هذه العملية مفاصل حساسة مثل وزارة الداخلية، والقضاء، وقطاع التعليم، والإعلام الرسمى، وذلك لضمان الولاء التام للقرار التنظيمى الذى كان يُتخذ داخل مكتب الإرشاد بعيدًا عن أروقة الحكومة الرسمية، مما خلق حالة من الازدواجية فى السلطة بين الدولة الموازية ممثلة فى التنظيم الإخوانى الإرهابى والدولة الرسمية.

 وشدد على أن «حكم العشيرة» تجسد فى تحويل دائرة صنع القرار إلى حلقة مغلقة تقتصر على أهل الثقة من قيادات التنظيم، مما أدى إلى تهميش القوى السياسية والوطنية التى دعمتهم فى مراحل معينة كما تم تجاهل الأعراف الإدارية والدستورية فى التعيينات، مما خلق فجوة عميقة بين الشارع والدولة. 

وأردف:» هذه المركزية التنظيمية لم تكتفِ بالسيطرة على المناصب، بل حاولت إعادة صياغة الهوية الثقافية والاجتماعية للدولة المصرية لتتوافق مع أيديولوجية الجماعة، مما أدى فى النهاية إلى تصادم مجتمعى واسع النطاق، حيث شعرت قطاعات عريضة من الشعب المصرى بأن الدولة قد اختُطفت لصالح جماعة بعينها، مما سرع من انهيار حكم العشيرة فى ثورة 30 يونيو».