قيادات سياسية وحزبية : الثورة كانت معركة ضد «الأخونة» والإقصاء السياسى
محمود محرم ومحمد السيد وزينب ميزار
لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو 2013، مجرد احتجاج على أزمات معيشية أو تدهور الخدمات الأساسية، بل كانت انتفاضة شعبية واسعة للدفاع عن الدولة الوطنية المصرية فى مواجهة مشروع «ظلامى» سعى إلى احتكار السلطة، وإقصاء الشركاء الوطنيين من المجال العام مع تصاعد محاولات أخونة مؤسسات الدولة، وفرض منطق الجماعة على حساب الوطن وجاء الإعلان الدستورى الصادر فى نوفمبر 2012 ليشكل نقطة فاصلة فى وعى المصريين، بعدما اعتبرته قطاعات واسعة محاولة لتأسيس حكم سلطوى يمنح السلطة صلاحيات مطلقة ويقوض مبدأ التوازن بين المؤسسات.
قال عدد من القيادات السياسية والحزبية المشاركة فى ثورة 30 يونيو، فى تصريحات خاصة لجريدة «روزاليوسف»، إن خروج الملايين إلى الشوارع كان دفاعًا عن هوية الدولة ومستقبلها، فى واحدة من أكبر الحركات الجماهيرية فى التاريخ المصرى الحديث، حيث أشار النائب الدكتور عصام خليل، رئيس حزب المصريين الأحرار، إلى أن 30 يونيو كانت ثورة شعبية لاستعادة وإنقاذ الدولة المصرية ولم يخرج المصريون إلى الشوارع احتجاجًا على أزمات معيشية فقط، رغم ما شهدته البلاد آنذاك من أزمات خانقة فى الكهرباء والوقود والخبز، وإنما خرجوا دفاعًا عن الدولة المصرية ذاتها، وكان الرفض الشعبى موجهًا بالأساس إلى مشروع سياسى وتنظيمى سعى إلى احتكار السلطة وإقصاء جميع الشركاء الوطنيين، ومحاولة إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية جماعة إرهابية لا تؤمن بالتعددية ولا بفكرة الدولة الوطنية الحديثة.
وأوضح «خليل»، أن جماعة الإخوان تعاملت مع مصر باعتبارها غنيمة تنظيمية وليست وطنًا يتسع لجميع أبنائه، وسعت إلى إحكام السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها، بينما كانت القرارات الكبرى تدار بمنطق الولاء للجماعة لا بمنطق المصلحة الوطنية، لذلك شعر المصريون مبكرًا بأن هويتهم الوطنية ومستقبل دولتهم أصبحا فى خطر حقيقى وجاء الإعلان الدستورى ليكشف بوضوح هذا التوجه الإقصائى، بعدما منح صلاحيات استثنائية وأثار مخاوف واسعة من تكريس حكم لا يخضع للرقابة أو التوازن المؤسسى.
وشدد رئيس حزب المصريين الأحرار، على أن محاولات إبعاد القوى السياسية الأخرى عن المشهد، والتعامل مع المعارضة باعتبارها خصمًا يجب إقصاؤه لا شريكًا فى الوطن ساهمت فى زيادة حالة الاحتقان الشعبى، وفى الوقت ذاته، تكشفت أمام الرأى العام ممارسات وأخطاء جسيمة فى إدارة الدولة، بداية من الفشل فى التعامل مع الملفات الاقتصادية والخدمية، وصولًا إلى وقائع أثارت تساؤلات خطيرة حول آليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الحكم وقد أدرك المواطن المصرى أن الجماعة لا تمتلك مشروع دولة بقدر ما تمتلك مشروع تمكين وسيطرة للجماعة لصالح أجندات، الأمر الذى سرع من اتساع دائرة الرفض الشعبى.
فيما أكد محمد عبدالعزيز، أحد مؤسسى حركة تمرد، عضو مجلس النواب السابق، أن الشعب المصرى رفض الإخوان وثار ضدهم لأن الإخوان خونة ببساطة شديدة والخلاف معهم لم يكن سياسيًا، بل كان رفضًا لأسباب وطنية تتعلق بانتماءات الجماعة لمصالح التنظيم ودول أخرى، بغض النظر عن المصلحة الوطنية، ولذلك كان الهدف الرئيسى لثورة 30 يونيو العظيمة، كان الحفاظ على الدولة الوطنية من السقوط فى الأخونة والتفكك، كما كان يخطط الإخوان بالتعاون مع أطراف معادية لمصر، بالإضافة إلى انفراد الإخوان بالحكم وإصدار الإعلان الدستورى الديكتاتورى الذى أعطى لمحمد مرسى صلاحيات تجعله حاكمًا بأمر الله لا يراجعه أحد، فى شكل مختل لفكرة الدولة الحديثة ودولة المؤسسات.
ونوه «عبدالعزيز»، بأن ما نراه اليوم من توحد خطاب الإخوان مع الخطاب الإسرائيلى فيما يتعلق بأزمات المنطقة، يؤكد أن وعى الشعب المصرى فى ثورة 30 يونيو قد كشف هذا التنظيم الإرهابى مبكرًا، وخير دليل على التعاون «الإخوانى ـ الإسرائيلى» هو تنظيم الجماعة لمظاهرة ضد الدولة المصرية أمام مقر سفارتها فى تل أبيب، فهل تكون نصرة غزة بمهاجمة مصر؟ وفى الداخل الإسرائيلى؟!.
ولفت عضو مجلس النواب السابق، إلى أن ذلك الحدث جاء ردًا على إفشال الدولة المصرية لسيناريو تهجير أهل غزة إلى مصر، ورفضًا لتصفية القضية الفلسطينية وحماية للأمن القومى المصرى، وهو الأمر الذى يتعارض بكل تأكيد مع مصلحة إسرائيل، موضحًا أن ما كان من الإخوان إلا تخفيف الضغط عن إسرائيل عبر مهاجمة مصر، وهو ما يؤكد التعاون الوثيق بين الجماعة والكيان الصهيونى، فالإخوان عملاء لإسرائيل وليسوا فصيلًا سياسيًا يمكن الخلاف معه سياسيًا.
وقال المهندس حسين منصور، نائب رئيس حزب الوفد، رئيس اتحاد المهنيين الوفدى: «إن المصريين خرجوا فى ثورة 30 يونيو رفضًا لاستئثار جماعة بعينها بمؤسسات الدولة ومحاولاتها فرض مناخ عام قائم على التعصب ورفض الآخر وإضعاف قيم التسامح والتنوع التى شكلت عبر قرون طويلة جوهر الشخصية المصرية»، مشيرًا إلى أن المصريين أدركوا مبكرًا خطورة السير نحو دولة يغيب عنها التوافق الوطنى وتحكمها سياسات الإقصاء والتمييز والانفراد بالقرار.
وتابع نائب رئيس حزب الوفد: «إن جوهر ما حدث فى 30 يونيو كان دفاعًا عن حق كل المصريين فى امتلاك وطنهم والمشاركة فى صناعة مستقبله»، لافتًا إلى أن هذا المعنى يرتبط تاريخيًا بالنضال الوطنى الممتد منذ ثورة 1919 التى خاضها المصريون من أجل الاستقلال الوطنى والسيادة على مقدرات بلادهم ورفض الوصاية بأشكالها المختلفة.
وأضاف «منصور»: «أن الجماهير التى احتشدت بالملايين لم تتحرك استجابة لضجيج إعلامى أو لتوجيهات سياسية، وإنما انطلقت من وعى جمعى متراكم تشكل عبر خبرات طويلة وأحداث متلاحقة، مكنت المصريين من إدراك طبيعة اللحظة التاريخية وحجم التهديد الذى كان يواجه الدولة الوطنية، وأثبت الشعب المصرى مرة أخرى قدرته على التمييز بين الخلاف السياسى الطبيعى وبين المخاطر التى تستهدف هوية الدولة ووحدتها واستقرارها.
من جانبه، يرى ناجى الشهابى، رئيس حزب الجيل الديمقراطى، أن ثورة 30 يونيو ستظل واحدة من أعظم المحطات الوطنية فى التاريخ المصرى الحديث، وحزب الجيل كان من أوائل من وقعوا على استمارة تمرد، وكان من الداعين لنزول الشعب إلى الميادين والشوارع الرئيسية فى العاصمة والمحافظات، موضحًا أن المصريين خرجوا إلى الميادين والشوارع بعدما شعروا بأن الدولة المصرية تتعرض لمحاولة إعادة تشكيل مؤسساتها وهويتها وفق رؤية فصيل واحد، على حساب مبدأ الشراكة الوطنية الذى يمثل أساس الاستقرار السياسى والاجتماعى فى أى دولة ديمقراطية.
واستطرد «الشهابى»: «إن القوى الوطنية والأحزاب السياسية المختلفة بدأت منذ الشهور الأولى لحكم جماعة الإخوان الإرهابية، تدق ناقوس الخطر بسبب حالة الاستقطاب السياسى المتصاعدة، ومحاولات إقصاء القوى الوطنية التى شاركت فى الحياة السياسية المصرية، فضلًا عن الاتجاه نحو السيطرة على مؤسسات الدولة وإحلال مبدأ الولاء التنظيمى محل مبدأ الكفاءة والخبرة.
واستكمل رئيس حزب الجيل تصريحاته، قائلًا: «إن ما عرف حينها بسياسة «الأخونة» أثار مخاوف واسعة داخل المجتمع المصرى، ليس فقط لدى الأحزاب السياسية، وإنما أيضًا لدى قطاعات كبيرة من المواطنين، الذين رأوا أن الدولة يجب أن تكون ملكًا لجميع أبنائها لا لفصيل أو جماعة بعينها»، منوهًا إلى أن الإعلان الدستورى الصادر فى نوفمبر 2012، كان نقطة فاصلة فى تشكيل الرأى العام الرافض لاستمرار هذا المسار، لأنه منح «رئيس الجمهورية آنذاك» سلطات استثنائية واسعة، وأثار مخاوف حقيقية من الاتجاه نحو تأسيس نظام حكم لا يقوم على التوازن بين السلطات أو الرقابة المتبادلة بينها، وهو ما دفع العديد من القوى الوطنية إلى توحيد جهودها للدفاع عن الدولة المدنية ومؤسساتها الدستورية.
ووفق تصريحاته، أشار «الشهابى»، إلى أن موقفه لم يقتصر على دعم الحراك الشعبى، بل تقدم باستقالته من عضوية مجلس الشورى يوم 26 يونيو 2013، قبل أيام قليلة من خروج الملايين إلى الشوارع، وذلك تعبيرًا عن رفضه استمرار السياسات التى أدت إلى حالة الانقسام والاستقطاب التى عاشتها البلاد آنذاك»، مؤكدًا أن استقالته كانت موقفًا سياسيًا ووطنيًا واضحًا، استهدف التأكيد على أن الشرعية السياسية لا تقتصر على الفوز فى الانتخابات، وإنما ترتبط أيضًا بالحفاظ على التوافق الوطنى واحترام التعددية السياسية، وعدم إقصاء أى طرف من أطراف المجتمع.
كما أوضح الربان عمر مختار صميدة، رئيس حزب المؤتمر، أن ثورة 30 يونيو جاءت كتعبير صريح عن إرادة شعبية جارفة رفضت محاولات اختطاف الدولة المصرية وتغيير هويتها الوطنية، بعدما شعر المصريون بأن البلاد تسير فى اتجاه يهدد مؤسساتها ويقصى قطاعات واسعة من المجتمع والقوى السياسية من المجال العام، لافتًا إلى أن أحد أبرز الأسباب التى دفعت المصريين للنزول إلى الشوارع بالملايين كان غياب مفهوم الديمقراطية الحقيقية، بعدما تحولت السلطة فى ذلك الوقت إلى أداة للهيمنة السياسية ومحاولة فرض مشروع أحادى لا يعترف بالتعددية ولا يقبل بوجود شركاء حقيقيين فى إدارة الدولة أو صناعة القرار.
وشدد «صميدة»، على أن الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها لعبت دورًا بارزًا فى كشف حقيقة ما كان يدار داخل المشهد السياسى آنذاك، من خلال التنسيق المشترك وتشكيل جبهات وتحالفات سياسية واسعة، كان هدفها مواجهة محاولات صناعة حكم سلطوى قائم على الإقصاء والاستحواذ وتغليب مصلحة الجماعة على حساب الوطن، وكان الإعلان الدستورى الصادر فى نوفمبر 2012 لحظة فارقة فى وعى المصريين، لأنه كشف بوضوح اتجاهًا نحو تأسيس حكم ديكتاتورى يمنح السلطة صلاحيات مطلقة ويضعها فوق مؤسسات الدولة والقانون، وهو ما تسبب فى اتساع دائرة الغضب الشعبى والسياسى.
وتابع رئيس حزب المؤتمر: «إن ما كشفته تلك المرحلة من محاولات لإقصاء الآخر، وتهميش شركاء الميدان، وتقديم خطاب سياسى قائم على الانقسام بين فئات المجتمع، ساهم بشكل مباشر فى خروج الشعب المصرى يوم 30 يونيو، بعدما أصبح واضحًا أن الدولة الوطنية تواجه خطرًا حقيقيًا يستهدف بنيتها ومؤسساتها وهويتها الجامعة».
وأكد المهندس موسى مصطفى موسى، رئيس حزب الغد، أن خروج الملايين فى 30 يونيو جاء نتيجة حالة واسعة من الغضب الشعبى والسياسى بسبب محاولات الهيمنة على مؤسسات الدولة وإقصاء الشركاء السياسيين من المشهد العام، مؤكدًا أن حزبه كان من بين القوى السياسية التى رأت أن المسار الديمقراطى يواجه تحديات حقيقية خلال تلك المرحلة، وأن عددًا من القرارات والممارسات السياسية أثارت مخاوف الأحزاب المدنية بشأن مستقبل التعددية السياسية فى البلاد.
وأضاف رئيس حزب الغد: «إن الإعلان الدستورى الصادر فى نوفمبر 2012، نقطة تحول مهمة فى موقف العديد من القوى السياسية، حيث اعتبرته قطاعات واسعة دليلًا على اتجاه نحو تركيز السلطة، وهو ما دفع الأحزاب والقوى المدنية لتصعيد مواقفها السياسية والدعوة لمراجعة المسار القائم آنذاك، موضحًا أن حزبه شارك فى التنسيق مع عدد من الأحزاب والحركات السياسية والقوى المدنية التى دعمت الحراك الشعبى، بهدف الاستجابة لمطالب المواطنين الذين طالبوا بإجراء تغيير سياسى يحافظ على مؤسسات الدولة ويعيد التوازن للحياة السياسية.
وحول تقييمه للمرحلة الحالية بعد مرور سنوات على الأحداث، يقول «موسى»: «إن التجربة أكدت أهمية التوافق الوطنى والحوار السياسى، وعدم إقصاء أى طرف من المشاركة فى الحياة العامة، واستقرار الدول يرتبط بقدرتها على استيعاب التنوع السياسى والفكرى داخل المجتمع، كما أن السبب الرئيسى لخروج المصريين كان رفض احتكار السلطة، والتمسك بفكرة الدولة الوطنية الجامعة».






