رشاد كامل
لم يضحك كامل الشناوى فهاجمه العقاد بقسوة!
كان الكاتب الكبير «عباس محمود العقاد» هو نجم جريدة روزاليوسف، والقراء يتهافتون على قراءة مقالاته بكل شغف وإعجاب، وكانت مقالاته النارية ضد حكومة «توفيق نسيم باشا» وزعماء الوفد حديث الشارع السياسى والحزبى أيضًا.
كان العقاد يجلس فى نفس الغرفة التى تجلس فيها السيدة روزاليوسف صاحب الصوت الجهورى، حيث وصفته بقولها - والعقاد على ما ترى من ضخامته وجهامته وعنف غضبه - إنسان طيب القلب ليس هناك أسهل من كسبه، وأنه ليكفى أن توافقه على رأيه لكى يهدأ ويسكن ويصبح الموج الهادر بحيرة هادئة!
وتحكى روزاليوسف بعض المواقف الضاحكة التى حدثت وكان بطلها كامل الشناوى مع العقاد قائلة: كان صديق الأستاذ كامل الشناوى مصدر الفكاهات التى يرددها بين ضحك كبار الوفديين الحاضرين وهو محور هذا المرح بغير منازع!
وله كل يوم قصة أو تشنيعة أو نادرة تنشر الضحكات على الشفاه وتمحو كل متاعب النهار.
وكان من عادة العقاد أن يكتب مقاله اليومى فى البيت ويتركه فى الجريدة صباحًا ويترك للأستاذ كامل الشناوى مهمة مراجعته ثم يعود ليلًا ليلقى عليه بنفسه نظرة أخيرة.
ولست أنسى يوم ثار «العقاد» على «كامل الشناوى» ثورة هائلة وكان كامل بريئًا لأول مرة!
فقد أحضر العقاد الرسام «رفقى» ليعطيه فكرة صورة كاريكاتيرية، والمفهوم أن الصورة الكاريكاتيرية على الأرجح نكتة، يجب أن تكون قليلة الكلام.
ولكن العقاد أخذ يشرح له فكرة طويلة تشبه أن تكون مقالًا: المصرى أفندى يقول لجون بول كذا وكذا وكذا، وجون بول يقول لموسولينى مثلًا كذا وكذا.. وشخصيات كثيرة تتجادل وكلام طويل لا يمكن أن يكون نكتة.
وكان العقاد يبذل جهودًا جبارة لإفهام الرسام - رفقى - هذه النكتة، والرسام عبثًا يحاول أن يفهم كيف يمكن أن يرسم هذه الصورة، حين دخل عليهما كامل الشناوى.
ونظر العقاد إلى كامل الشناوى مهللًا وأراد أن يشرح له النكتة بوصفه خبيرًا فيها، وفرغ العقاد من شرح نكتته ليرى كامل الشناوى واقفًا ساكنًا لا تبدو على وجهه نبرة ضحك أو ابتسام أو حتى فهم لهذه النكتة ولم يحتمل العقاد هذا الحكم فصاح غاضبًا.
أنت مش راضى تضحك ليه؟ عاوز تقول إن نكتى بايخة؟ أنت عايز تحتكر النكت؟ أنا بقالى عشرين سنة بقول نكت!!
وعبثًا حاول كامل أن يهدئه أو أن يقنعه بأن نكتته ليست بايخة إلى هذا الحد.
وعلى هذا النحو مضت بنا الأيام فى الجريدة اليومية نضحك فى مواجهة المعركة وتنسينا لذة الكفاح كل مصاعب الطريق إلى هذا الحد كان الجو الذى عشت فيه تلك الأيام عنيفًا والمعركة متصلة العنف بالغة المرارة!
وللذكريات بقية!






