د.إبراهيم درويش
الأرض والأمن القومى.. من حكم الشعارات إلى دولة المشروعات
لم تكن ثورة المصريين على جماعة الإخوان وجماعات الإسلام السياسى فى 30 يونيو 2013 مجرد صراع سياسى على السلطة، ولا خلافًا أيديولوجيًا معزولًا عن هموم الناس اليومية، بل كانت فى جوهرها ثورة وجود وبقاء.
ثورة على مشروع حكم هدَّد ركائز الحياة نفسها: الخبز، والماء، والأرض.
فالدولة التى تفشل فى حماية رقعتها الزراعية، وتعجز عن تأمين غذاء شعبها، وتترك مواردها الحيوية رهينة للارتجال والشعارات، هى دولة تسير – مهما رفعت من لافتات دينية أو سياسية – نحو الانهيار الحتمي.
لقد أدرك المصريون، بوعى جمعى ناضج، أن الأمن الغذائى ليس ملفًا خدميًا، بل هو أحد أعمدة الأمن القومى الشامل، وأن من يفرّط فى الفدان اليوم، سيفرّط فى القرار الوطنى غدًا. ومن هنا، كان ملف الأرض والزراعة أحد أخطر الملفات التى كشفت عجز وفشل حكم الإخوان، وأحد الأسباب الموضوعية المباشرة التى دفعت المصريين إلى الثورة عليهم، ثم الالتفاف حول مشروع الدولة الوطنية الحديثة فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
أولًا: الزراعة فى معادلة الأمن القومى المصرى
فى دولة تجاوز عدد سكانها 110 ملايين نسمة بحلول 2026،ويزداد عددهم سنويًا بأكثر من مليونى نسمة، لا تمثل الزراعة نشاطًا اقتصاديًا تقليديًا، بل تشكّل ركيزة أمن قومى من الدرجة الأولى، للأسباب التالية:
فالزراعة هى المصدر الرئيسى للغذاء لنحو 110 ملايين مواطن (غير الضيوف)، ويعتمد عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة أكثر من 55% من السكان.
كما تمثل خط الدفاع الأول أمام تقلبات الأسواق العالمية وأزمات سلاسل الإمداد، كما ظهر بوضوح خلال جائحة كورونا، والحرب الروسية - الأوكرانية، وما يدور حاليًا من صراعات دولية وإقليمية انعكست على أسعار الغذاء والطاقة عالميًا.
وفى ظل وصول نصيب الفرد من المياه فى مصر إلى أقل من 560 مترًا مكعبًا سنويًا (أقل من خط الفقر المائى العالمى البالغ 1000 متر مكعب)، تصبح إدارة الأرض والمياه مسألة سيادة وطنية لا تحتمل العبث، وهو ما تبذل الدولة المصرية فيه الآن قصارى جهدها.
ثانيًا: الإخوان والزراعة… الغياب الكامل للرؤية
لقد انكشفت الشعارات الرنانة، وغابت الكوادر البشرية المؤهلة لقيادة دولة بحجم مصر، ويتضح ذلك فى الآتى:
-1 لا استراتيجية… لا أرقام… لا خطة... ففى خلال عام حكم الإخوان (2012–2013)، لم تُقدَّم استراتيجية قومية واضحة للتوسع الأفقي، ولا خطة زمنية محددة لزيادة الرقعة الزراعية، ولا برنامج متكامل لإدارة الموارد المائية.
لم تُطرح مستهدفات رقمية، ولا جداول تنفيذ، ولا مصادر تمويل، وكأن إدارة دولة بحجم مصر يمكن أن تُدار بالخطاب السياسى وحده لا بالتخطيط العلمي.
-2 استمرار نزيف الأرض الزراعية
بعد أحداث 2011، ومع غياب هيبة الدولة، شهدت مصر واحدة من أخطر موجات التعدى على الأرض الزراعية على الإطلاق.
تجاوز عدد حالات التعدى 1.5 مليون حالة، وقُدِّرت المساحات المتآكلة بما يتراوح بين 300 و400 ألف فدان من أجود أراضى الدلتا والوادي.
وخلال عام حكم الإخوان وحده، فقدت مصر نحو 30 ألف فدان دون تدخل رادع، بينما كانت الأرض تُجرف وتُبنى عليها العشوائيات، والسلطة غارقة فى صراعات سياسية.
ثالثًا: الأمن الغذائى فى مهب الشعارات
فى عهد الإخوان اتسعت الفجوة الغذائية، خاصة فى محصول القمح، وتجاوز الاعتماد على الاستيراد 55–60% من إجمالى الاستهلاك.ولم تُنشأ صومعة استراتيجية واحدة، وظل التخزين بدائيًا يهدر 10–15% من المحصول سنويًا، ولم يتجاوز حجم التخزين الآمن 1.2 مليون طن.
وكانت فاتورة استيراد الغذاء تلتهم مليارات الدولارات من النقد الأجنبي، فى وقت تعانى فيه الدولة أزمة عملة خانقة، ما جعل القرار الغذائى مرتهنًا للخارج.
رابعًا: لماذا ثار المصريون؟ (السبب الزراعى المنسي)
ثار المصريون لأنهم أدركوا أن:
من لا يملك رؤية للأرض، لا يملك رؤية للدولة.ومن يعجز عن حماية الفدان، لن يحمى الوطن.ومن يحكم بالشعارات، سيترك الناس للجوع مهما ارتدى من عباءة الدين.
لم تكن الزراعة ملفًا هامشيًا فى أسباب الثورة، بل كانت أحد جذورها العميقة غير المعلنة.
خامسًا: لحظة التحول… من الجماعة إلى الدولة
مع تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى المسئولية، تغيّر المنهج جذريًا:..من إدارة مرتجلة إلى إدارة مؤسسية علمية،ومن رد الفعل إلى التخطيط الاستباقى طويل الأجل، ومن الكلام إلى المشروعات القومية العملاقة.
لم يكن الهدف فقط وقف نزيف الأرض، بل تعويض الفاقد ومضاعفة الرقعة الزراعية.
سادسًا: أرقام لا شعارات
نحو 4 ملايين فدان جديدة خلال عشر سنوات، نجحت الدولة المصرية فى إضافة نحو 4 ملايين فدان عبر مشروعات قومية غير مسبوقة مثل :مشروع الريف المصري: 1.5 مليون فدان وإحياء مشروع توشكى: نحو 1.1 مليون فدان..ومشروع الدلتا الجديدة: نحو 2.2 مليون فدان..وتنمية شمال ووسط سيناء: نحو 450 ألف فدان..شرق العوينات والفرافرة: نحو 250 ألف فدان بالإضافة إلى درب الأربعين، وغرب المنيا، وبنى سويف.. وغيرها.
وهو رقم لم يتحقق فى أى فترة زمنية مماثلة فى تاريخ مصر الحديث.
سابعًا: إدارة المياه.. من الأزمة إلى الحل
انتقلت الدولة من الشكوى من الفقر المائى إلى إدارة كل قطرة مياه عبر مشروعات عملاقة، أبرزها:محطة المحسمة: 1 مليون م³/يوم ومحطة بحر البقر: 5.6 مليون م³/يوم. ومحطة الحمام (الدلتا الجديدة): 7.5 مليون م³/يوم بالإضافة إلى نقل مياه النيل، وتبطين الترع، وتطوير نظم الري، والتوسع فى تحلية مياه البحر.
ثامنًا: مشروع الدلتا الجديدة… ذروة التحول.
يمثل مشروع الدلتا الجديدة، الذى افتتحه الرئيس فى مايو 2026، ذروة التحول فى الفكر الزراعى المصري:مساحة 2.2 مليون فدان، واستثمارات تقترب من 800 مليار جنيه،وموارد مائية متكاملة تبلغ 5.3 مليار م³ سنويًا،ومشروع متكامل (زراعى – صناعى – غذائي).ويعادل نحو 25% من مساحة دلتا النيل القديمة، وقد قُدِّر حجم العمل به بما يعادل 6 أضعاف السد العالي.
تاسعًا: الجدوى الاقتصادية… الأمن قبل الربح
لا تُقاس هذه المشروعات بمنطق الربح المالى فقط، بل بمنطق: تعزيز الأمن الغذائي،واستقلال القرار السياسي،وخفض فاتورة الاستيراد،
وتوطين الصناعات الزراعية،وخلق ملايين فرص العمل، وتكوين مجتمعات عمرانية جديدة،وإعادة توزيع السكان خارج الوادى الضيق.
عاشرًا: القمح كنموذج… من الاستيراد إلى الاكتفاء النسبى
زادت المساحة المنزرعة إلى 3.7 مليون فدان موسم 2025/2026، ورُفع متوسط الإنتاجية،ووُفرت التقاوى المحسنة،وارتفع المخزون الاستراتيجى إلى 5.5 مليون طن،
من خلال إنشاء أكثر من 80 صومعة حديثة تقلل الفاقد إلى أقل من 5%.
حادى عشر: دعم الفلاح… من الإهمال إلى الشراكة
شهد عهد الرئيس السيسى تسعيرًا عادلًا للمحاصيل الاستراتيجية، وتفعيل قانون الزراعة التعاقدية، وإطلاق كارت الفلاح،ودعم الميكنة الزراعية، والتوسع فى الزراعة الذكية،وتوفير القروض الميسرة، وإطلاق مشروع حياة كريمة.
ثانى عشر: الزراعة والتصدير.. مصر تعود للأسواق
تجاوزت الصادرات الزراعية 8.5 مليون طن سنويًا، بقيمة تقارب 10 مليارات دولار،مع فتح أسواق جديدة فى أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية،وتطوير منظومة الحجر الزراعى والجودة والتتبع.
ثالث عشر: الحاجة إلى قانون زراعة جديد
ورغم هذا الحجم غير المسبوق من الإنجاز، فإن استدامته تتطلب إطارًا تشريعيًا عصريًا يواكب توجه الدولة الحديثة.لقد بات من الضرورى إصدار قانون زراعة جديد يتناسب مع: التوسع فى الزراعة التكاملية (نباتى - حيوانى - سمكي).وإدماج التكنولوجيا الزراعية الحديثة والزراعة الذكية.
وتشجيع الاستثمار الزراعى المحلى والأجنبي. وحماية الأرض الزراعية بأساليب ردع فعالة.وتنظيم العلاقة بين الدولة والمزارع والمستثمر على أسس عادلة وشفافة.
فقانون الزراعة لم يعد مجرد أداة تنظيم، بل أصبح أحد مفاتيح الأمن القومى فى ظل التغيرات المناخية والضغوط السكانية والاقتصادية.
ختامًا: الأرض لا تُدار بالهتاف
ما أُنجز وما زال يتم فى القطاع الزراعى المصرى لم يتحقق حتى فى أيام محمد علي،ولن نستطيع فى مقال واحد حصر كل ما تقوم به الدولة المصرية فى عهد الرئيس السيسى والجمهورية الجديدة.
لذلك، وجب على المصريين أن يفتخروا بهذه الإنجازات التى تتحقق بفضل الله أولًا، ثم برؤية وإرادة قيادتهم، وعزيمة وصبر أبناء الشعب المصرى العظيم.لم يثر المصريون فى 30 يونيو 2013 لأنهم يكرهون جماعة بعينها، بل لأنهم يحبون هذا الوطن ويخافون عليه.فاختاروا الدولة لا الجماعة،والعلم لا الشعارات، والأرض المنتجة لا الخطاب العاطفي.واليوم، ونحن نرى ملايين الأفدنة تُضاف، ومحطات المعالجة شامخة، والمشروعات الزراعية تُدشن فى كل بقعة من مصر، ندرك أن الثورة لم تكن اندفاعًا.. بل كانت قرار بقاء،وحفاظ على الهوية.






