حازم الكاديكى
ميسى أمام آخر سؤال فى مسيرته
ثمة لاعبون يصلون إلى كأس العالم بحثًا عن شىء ينقصهم وثمة لاعبون يصلون إليه لأن لديهم حسابات معلقة مع القدر، أما ليونيل ميسى فيدخل مونديال 2026 فى حالة مختلفة تمامًا كمن يعود إلى مكان يعرفه جيدًا لا ليطالب بشىء ولا ليستعيد شيئًا ضاع منه بل ليختبر للمرة الأخيرة ذلك الشعور النادر الذى لا يعرفه إلا القليل من البشر ،عندما يكتشف الإنسان أن الحلم الذى ظن أنه بلغ نهايته ما زال يخبئ خلفه طريقًا آخر لم يكن مرئيًا من قبل. قبل أربعة أعوام كانت الدوحة تبدو وكأنها السطر الأخير فى الرواية كل شىء كان يوحى بذلك، المشاهد التى امتلأت بالدموع، الأكتاف التى حملته عاليًا ،الوجوه التى نظرت إليه كما لو أنها تنظر إلى رجل عاد من رحلة طويلة عبر الصحارى والعواصف ثم وصل أخيرًا إلى البيت الذى ظل يبحث عنه طوال حياته لم تكن تلك مجرد بطولة انتهت بانتصار منتخب بل كانت لحظة تصالح بين لاعب وقصة لازمته سنوات طويلة، بدا وكأن العالم بأسره وافق على إغلاق الكتاب عند تلك الصفحة وتركها كما هى صفحة مكتملة لا تحتاج إلى إضافة أو تعديل لكن بعض الحكايات ترفض أن تتوقف عند النقطة التى يختارها لها الآخرون. ولهذا يبدو حضور ميسى فى كأس العالم 2026 حدثًا مختلفًا عن أى حضور سابق ليس لأنه أكبر سنًا وليس لأن الجميع يدرك أن الوقت لم يعد واسعًا كما كان بل لأن وجوده هنا يطرح سؤالًا أكثر إثارة من أى سؤال فنى أو تكتيكى ماذا يفعل رجل وصل إلى المكان الذى قضى عمره كله يحاول الوصول إليه ثم قرر أن يكمل السير بعد ذلك؟ الإجابة ليست سهلة لأن ميسى نفسه لم يكن يومًا شخصية سهلة القراءة طوال مسيرته كانت كرة القدم تتحدث نيابة عنه عندما كان العالم يبحث عن العناوين الصاخبة كان يكتفى بالنظر إلى الساحرة المستديرة عندما كانت المنصات تمتلئ بالجدل كان يختار الصمت حتى لحظات غضبه النادرة بدت وكأنها استثناءات خرجت من أعماق رجل أمضى سنوات طويلة وهو يترك لقدميه مهمة التعبير عنه. لهذا كانت رحلته مختلفة عن رحلة دييجو مارادونا منذ البداية، مارادونا كان عاصفة كاملة تسير على قدمين، كان حدثًا دائمًا حتى خارج الملعب، أما ميسى فكان أشبه بنهر طويل هادئ لا يثير الانتباه إلى ضجيجه لأنه لا يحتاج أصلًا إلى الضجيج ولهذا عاش سنوات طويلة تحت المقارنة التى لا تنتهى لم يكن مطالبًا بأن يكون ميسى فقط بل كان مطالبًا فى كل مرة بأن يجيب عن سؤال قديم يتكرر بأسماء مختلفة هل فعل ما فعله مارادونا وعندما رفع ميسى الكأس فى قطر اعتقد كثيرون أن السؤال مات أخيرًا ولكن مونديال 2026 أعاده للحياة بطريقة جديدة. هذه المرة لا يدور الحديث حول ما إذا كان قادرًا على الوصول إلى المكانة التى احتلها مارادونا فى الوجدان الأرجنتينى وعشاقه حول العالم بل حول ما إذا كان قادرًا على الذهاب إلى أبعد من ذلك إنها منطقة لم تكن مطروحة أصلًا فى النقاش قبل سنوات قليلة فجأة لم يعد السؤال متعلقًا بالمقارنة بل بإعادة ترتيب الصورة كلها. قد يبدو الأمر مغامرة غير منطقية لرجل سيبلغ التاسعة والثلاثين أثناء هذا المونديال، لكن المنطق لم يكن يومًا التفسير الوحيد لما يحدث فى كرة القدم هناك أمور لا تخضع بالكامل للحسابات المعتادة، هناك لاعبون تتراجع أقدامهم بينما تتسع رؤيتهم، لاعبون يخسرون جزءًا من سرعتهم لكنهم يعوضون ذلك بقدرتهم على رؤية ما لا يراه الآخرون ومع مرور الوقت أصبح ميسى ينتمى أكثر فأكثر إلى هذه الفئة النادرة. لم يعد يطارد المباراة كما كان يفعل فى شبابه الكروى، أصبح ينتظرها يراقبها يتركها تقترب منه ثم يتدخل فى اللحظة التى تبدو فيها الأمور وكأنها تسير فى اتجاه معين فيغير اتجاهها بالكامل، هناك نوع من النضج الكروى لا تمنحه التدريبات ولا تمنحه اللياقة البدنية بل تمنحه السنوات نفسها وهذا النوع من النضج أصبح اليوم أحد أهم الأسلحة التى يحملها قائد الأرجنتين. ولهذا لا ينظر المدير الفنى لمنتخب الأرجنتين ليونيل سكالونى إلى ميسى باعتباره لاعبًا يحتاج إلى الركض تسعين دقيقة حتى يصنع الفارق، ما يراه المدرب الأرجنتينى أكبر من ذلك بكثير إنه يدرك أن بعض الشخصيات تغير شكل المباراة حتى فى الفترات التى لا تلمس فيها الكرة. حضورها وحده يفرض على الخصوم حسابات مختلفة وجودها يمنح زملاؤها درجة إضافية من الثقة وكأنها تضيف إلى الفريق وزنًا معنويًا لا يمكن قياسه بأى أداة. ومن هنا تأتى أهمية ميسى بالنسبة للجيل الحالى من اللاعبين الأرجنتينيين، فبينما يدخل جوليان ألفاريز وإنزو فرنانديز وغيرهما سنوات النضج الكروى يقف إلى جوارهما لاعب عاش تقريبًا كل ما يمكن أن يعيشه لاعب كرة قدم،عرف الخيبات التى بدت نهائية ثم تحولت إلى بدايات جديدة عرف كيف يكون محبوبًا وكيف يكون موضع شك، عرف معنى الانتظار الطويل ومعنى الوصول المتأخر ولهذا فإن قيمته داخل المنتخب الأرجنتينى لم تعد محصورة فيما يقدمه بقدمه اليسرى بل فيما يزرعه فى عقول من حوله. الأمر اللافت أيضًا أن ميسى يدخل هذه البطولة متحررًا من ذلك الثقل الذى رافقه فى معظم محطات مسيرته الدولية لم يعد هناك ذلك الشعور المستمر بأن عليه إنقاذ إرثه أو الدفاع عن مكانته أو الرد على المشككين كل ذلك انتهى منذ ليلة الدوحة وما يبقى الآن هو لاعب يعرف تمامًا من يكون ويعرف تمامًا ماذا يعنى اسمه بالنسبة لعشاق اللعبة حول العالم.










