«برشامة».. عندما يُصبح الإبداع «خطيئة»
سهير عبدالحميد
كان الفن دائمًا مرآة عاكسة للصراعات بين قوى التنوير والتيارات المتشددة، التى جعلت من نفسها وصية على الإبداع، وروجت لخرافة أن الإبداع يمس ثوابت الدين، وخلال الفترة الماضية، أعاد فيلم «برشامة» الجدل من جديد بعد هجوم حزب النور عليه، حيث وصف الحزب أحداث الفيلم، بأنها تمس العقيدة الدينية، رغم حصول الفيلم على موافقة رقابية.
الفيلم بدأ عرضه فى سباق عيد الفطر الماضى، وحقق إيرادات كبيرة، مسجلًا رقمًا قياسيًا، حيث دخل موسوعة الأفلام الأعلى إيرادات فى تاريخ السينما المصرية، والتى تعدت الـ100 مليون جنيه.
وعقب طرح الفيلم، على المنصات وبعض القنوات وشاهدته قطاعات عريضة من الجمهور بجانب جمهور السينما، قام رئيس الهيئة البرلمانية لحزب النور بمهاجمة الفيلم، واتهمه بأنه يسخر من العقيدة وثوابتها، فضلًا عن استخدام آيات القران الكريم والغزوات الإسلامية والأئمة فى إطار من السخرية، عبر حوار أبطال الفيلم، حيث لم يكتف الحزب بتصريحات رئيس الهيئة البرلمانية له. بل وصل الأمر لتقديم بيان عاجل لمجلس النواب.
موقف حزب النور، آثار انتفاضة فنية، حيث قام اتحاد النقابات الفنية الثلاث، بإعلان دعمه، لصناع الفيلم والمبدعين بشكل عام، رافضًا فكرة الوصاية الدينية وتقييم الأعمال الفنية من منظور دينى.
هذا الجدل أعاد للأذهان التاريخ الطويل بين التيارات الدينية وصراعها مع الفن، بعد أن ظن الجميع أن هذا الأمر قد انتهى، وهذا يجعلنا نطرح سؤالًا مهمًا حول الخطوط الفاصلة بين حرية الإبداع والإساءة للثوابت ومسئولية المبدع تجاه ما يقدم.
فى البداية يتحدث الناقد خالد محمود عن هذه القضية قائلا: «المبدعون لديهم حرية مطلقة فى التعبير عن آرائهم، لكن هذه الحرية تكون مرهونة أيضًا بمسئولية، ولا أعتقد أن أى إبداع يمكن أن يتخطى الثوابت، خاصة الدينية، وبخلاف ذلك فإن أى اجتهادات يمكن التعامل معها وفقا لرؤية اجتماعية»، مضيفا: «لو نظرنا لفيلم برشامة سنجد أنه يحمل بين مشاهده قضايا اجتماعية مهمة برؤية كوميدية ساخرة، فمثلا تناول فساد بعض المسئولين فى قضية الغش، وتوريث أبنائهم بشكل بعيد عن العدالة، وهذا متمثل فى شخصية العمدة وابنه اللذين يجسدهما كل من باسم سمرة ومصطفى غريب».
وأشار إلى أن مسألة هجوم السلفيين على أعمال فنية سبق وتكرر كثيرًا مع أعمال لنجوم كبار، ووصل الأمر للمحكمة، فمن ينسى أفلام عادل إمام ووحيد حامد، مثل «الإرهابى وطيور الظلام»، هذه الأفلام كانت تشرح المجتمع، لافتا إلى أنه تفاجأ بهذا الهجوم وتجدد الأمر بعد أن كنا تخطينا هذا الصراع وأصبح هناك نضج فكرى فى المجتمع، فلا يمكن أن تهاجموا فنانين ومبدعين لتقديمهم عملا فنيا، خاصة أن هناك رقابة منحت الفيلم تصريحًا ولم يتجاوز فى حق القرآن والسنة.
وأردف: «شاشة السينما المصرية تعودت على مثل هذا الهجوم، الذى لن يتذكره الناس، وسيظل العمل الفنى فى الذاكرة».
يرى الناقد أحمد سعد الدين، أن هناك ثوابت وشخصيات لا يمكن المساس بها مثل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والقرآن الكريم والسنة النبوية، وكان الأزهر الشريف قد أصدر منذ 100 عام، فتوى بمنع ظهور الأنبياء والعشرة المبشرين بالجنة فى الأعمال الفنية، وبالنسبة لـ«برشامة»، فهو لم يسئ للإمام «أبوحنيفة النعمان» أو الإمام «ابن حنبل»، مع أنهم بشر يخطئون ويصيبون.
وتابع: «الفيلم عرض بعض الآراء بعيدًا عن المساس بالثوابت، وعندما يتم تقييمه يكون ذلك من خلال محكمة فنية وليس دينية، خاصة أنه لم يخطئ فى صحيح الدين»، مستطردا: «أتذكر فيلم «الرسالة» للمخرج مصطفى العقاد، الذى يعد من أهم الأفلام التى تحدثت عن الدين الإسلامى، تم منعه من العرض فى عدد من الدول العربية منها السعودية ومصر وهو إنتاج 1975، ولم يعرض تليفزيونيا إلا بعد بداية الألفية».
وتعجب «سعد الدين»، من الهجوم على الفيلم واتهامه بالمساس بثوابت الدين، فى حين أن الرقابة صرحت به للعرض فى السينما وهى بالتأكيد لن تسمح بعرض شيء يمس أى ثوابت، مشيرًا الى أن التيار السلفى يأخذ دائمًا بالشكل والسينما نوع من الخيال، فلا يمكن أن تفرض على معتقدات أنت مؤمن بها، خاصة أنها ليست من صحيح الدين.
من جانبها، أكدت الناقدة ماجدة موريس، أن المبدع عليه أن يناقش أى شيء فى المجتمع، لكن دون أن يجرح أو يخدش حياء أحد، بخلاف ذلك كل شيء تتم مناقشته، فالمجتمع مليء بأفكار واتجاهات ورؤى مختلفة، وبالتالى على المبدع أن يكون لديه قدر من الحساسية تجاه كل فئات المجتمع، ولا ينحاز لفئة على حساب أخرى، وفيلم برشامة قدم هذا الأمر.
وأوضحت «موريس»، أن الهجوم على فيلم «برشامة» جاء بسبب طرحه على المنصات وبعض القنوات التليفزيونية، وهذا وسع نطاق مشاهدته أمام قطاعات مختلفة من الجمهور، لافتة إلى أن بعض الذين هاجموا الفيلم، كان بسبب تناوله قضية الغش.
وأكدت أنها صدقت ما تناوله الفيلم حول هذه الأزمة، مضيفة: »منذ فترة لم نناقش مشاكل الثانوية المنزلية، وإلى أى مدى هناك أشخاص يستكملون تعليمهم من المنزل لتحسين مستوى حياتهم، حتى لو تم مناقشة هذا الأمر بشكل ساخر».
ويتفق مع الآراء السابقة الناقد طارق الشناوى، حيث أكد أن الجدل الذى أُثير حول فيلم «برشامة» بدعوى انتهاك ثوابت الدين لم يظهر أثناء عرضه فى دور السينما، بل تصاعد لاحقًا بعد عرضه على المنصات الرقمية، رغم أنه حقق نجاحا جماهيريا وإيرادات مرتفعة دون أن يثير أى اعتراضات فى ذلك الوقت.
وأوضح الشناوى، أن موجة الانتقادات الحالية ترتبط بشكل أساسى بانتشار مقاطع مجتزأة من الفيلم على مواقع التواصل الاجتماعى، حيث تم عرضها خارج سياقها الدرامى، مما ساهم فى تشكيل صورة غير دقيقة عن العمل وفتح المجال لتأويلات واسعة.
وأضاف، أن بعض الجهات استندت إلى هذه المقاطع لتبنى مواقف انتقادية حادة تجاه الفيلم، مثل حزب النور، معتبرًا أن هذا الاستخدام المجتزأ للمشاهد ساهم فى تضخيم الجدل وإضفاء طابع أوسع عليه، وصل إلى حد الدعوة لفرض قيود على العمل، وهو ما وصفه بمحاولات لـ«الوصاية» على الإبداع الفنى.
وشدد الشناوى، على أن هذه الظاهرة ليست جديدة، مشيرًا إلى أفلام أخرى تناولت موضوعات اجتماعية ودينية بشكل فكاهى دون أن تثير أزمات عند عرضها، مؤكدًا أن فيلم «برشامة» ينتمى إلى الكوميديا التى تهدف إلى النقد وليس للإساءة للدين.










