بين التصعيد والتفاوض
ماذا تريد إسرائيل من ضرب الضاحية الجنوبية؟
نورالدين أبوشقرة
فى وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية على الساحة اللبنانية، مع تكثيف الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت وتوسيع نطاق العمليات العسكرية قرب النبطية، يتزامن المشهد مع تصاعد الحديث عن فرص متزايدة للتوصل إلى تفاهمات سياسية وأمنية بين لبنان وإسرائيل.
هذا التداخل بين التصعيد الميدانى والحراك الدبلوماسى يطرح تساؤلات عديدة حول الأهداف الحقيقية للأطراف المنخرطة فى المواجهة، وما إذا كانت الضربات العسكرية الحالية تشكل جزءًا من معركة تفاوضية أوسع ترتبط بالمسارين اللبنانى الإسرائيلى والإيرانى الأمريكى فى آن واحد.
وفى خضم هذه التطورات، حذر رئيس مجلس الوزراء اللبنانى نواف سلام من تداعيات التصعيد الراهن، ولا سيما ما قد ينتج عنه من موجات نزوح إضافية، فى ظل وصول بيروت وصيدا ومناطق أخرى إلى حدودها القصوى من حيث القدرة الاستيعابية، مقابل قدرة محدودة فى الشمال والبقاع.
بدوره، استعرض وزير الدفاع اللبنانى آخر التطورات الميدانية، متحدثاً عن اعتداءات إسرائيلية طالت مناطق متعددة، إضافة إلى استهدافات طالت قوات اليونيفيل وعناصر أمنية وعسكرية.
وبحسب الأرقام التى عرضها، بلغ عدد الشهداء من العسكريين 29 من الجيش اللبنانى، و3 من قوى الأمن الداخلى، وشهيدًا من الأمن العام، و13 من أمن الدولة، إضافة إلى شهيد من شرطة مجلس النواب.
كما أشار إلى تنفيذ 70 غارة إسرائيلية خلال يوم واحد، مقابل إطلاق 33 صاروخًا، فيما بلغت خروقات وقف إطلاق النار بين 17 نيسان و7 حزيران 2026 نحو 3491 غارة جوية، إلى جانب عمليات تفجير وجرف وتوغلات برية.
ووفق المعطيات ذاتها، بلغ إجمالى عدد الشهداء 3529 شخصًا، فيما وصل عدد الجرحى إلى 10733.
من جانبها، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة ضحايا الحرب الإسرائيلية على لبنان، مؤكدة استشهاد 3526 لبنانيًا وإصابة 10 آلاف و733 آخرين جراء العدوان الإسرائيلى منذ 2 مارس الماضى.
ويرى الخبير فى الشأن الإسرائيلى محمود يزبك أن التطورات الميدانية لا يمكن فصلها عن المسارات السياسية الجارية فى المنطقة، سواء المرتبطة بالمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة أو بالمفاوضات الإيرانية الأمريكية.
ويشير يزبك إلى أن أطرافًا مؤثرة داخل الائتلاف اليمينى الإسرائيلى، وفى مقدمتها وزير المالية ووزير الأمن القومى، لا ترغب فى الوصول إلى اتفاق يتعلق بلبنان، كما لا تؤيد نجاح المفاوضات بين واشنطن وطهران.
ومن هذا المنطلق، يؤكد أن استهداف الضاحية الجنوبية يأتى فى إطار محاولات الضغط على الدولة اللبنانية خلال مرحلة التفاوض، وإحراجها بعد التفاهمات التى هدفت إلى تحييد بيروت والضاحية عن دائرة الاستهداف.
وفى المقابل، يعتبر أن لإيران وحزب الله مصلحة فى إبقاء الورقة اللبنانية ضمن إطار التفاوض الإيرانى الأمريكى، وليس ضمن مسار لبنانى إسرائيلى مستقل.
ويختتم يزبك حديثه بالإشارة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو يسعى من خلال استهداف الضاحية الجنوبية إلى تحقيق أكثر من هدف فى الوقت نفسه. فمن جهة يحاول التأثير على مسار المفاوضات عبر استدراج رد إيرانى مباشر، ومن جهة أخرى يواجه ضغوطًا داخلية متزايدة من قوى اليمين الإسرائيلى ومن الرأى العام الذى يطالب باستكمال العمليات العسكرية فى لبنان.
من جانبه، يقول أستاذ العلوم السياسية أسامة شعث إن الجيش الإسرائيلى يحاول تنفيذ ضرباته ضمن هذا الإطار، مستهدفًا مواقع محددة فى الضاحية من دون تجاوز ما وصفه بـ«خطوط ترامب الحمراء»، مع الاستمرار فى ممارسة الضغط على الإيرانيين من جهة وعلى الدولة اللبنانية من جهة أخرى.
ويضيف شعث أن الحديث الإيرانى عن التفاوض بشأن جبهة لبنان يتناقض مع مبدأ السيادة اللبنانية، معتبراً أن استخدام الأراضى اللبنانية فى الصراعات الإقليمية أو الإساءة إلى موقع رئاسة الجمهورية يمس بالسيادة الوطنية، وقد يفتح الباب أمام خطوات دبلوماسية لبنانية خلال المرحلة المقبلة.
ويتابع أن الإدارة الأمريكية كانت قد منعت سابقًا توسيع العمليات الإسرائيلية فى الضاحية الجنوبية، مؤكداً أن هذا التدخل دفع إسرائيل إلى العودة لنمط العمليات الدقيقة والمحدودة التى تستهدف مواقع محددة، من دون الانزلاق إلى قصف واسع النطاق قد ينعكس سلبًا على المفاوضات الإيرانية الأمريكية.
ويؤكد أستاذ العلوم السياسية أن توسيع الضربات الإسرائيلية فى الجنوب اللبنانى يهدف إلى دفع حزب الله نحو الرد فى العمق الإسرائيلى، الأمر الذى يمنح إسرائيل مبررًا لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية واستهداف الضاحية الجنوبية مجددًا، فى إطار معادلة تجمع بين الضغوط الميدانية وحسابات التفاوض الإقليمى.










