الجمعة 12 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من يملك زمام الأمور؟

التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل كان دليلا قاطعا على الوضع الهش الخطير الذى يغلف منطقة الشرق الاوسط بأكملها، كما أنه سلط الضوء على العلاقة المعقدة والمتضاربة بين الرئيس الأمريكى ورئيس الوزراء الإسرائيلى، وهما خصمان حليفان أعلنا الحرب معا ضد إيران لكنهما اختلفا بعد ذلك بمجرد أن اتضح أن النصر السريع وتغيير النظام أمر مستبعد.



لقد وصل كل من ترامب ونتنياهو إلى القمة بفضل براعتهما فى رصد نقاط الضعف، كلاهما يتربع على قمة هرم سياسى متصدع، ويواجهان مأزقا قانونيا خطيرا حالما يفقدان قبضتهما على السلطة، وعندما وجد الزعيمان حلا مشتركا لمأزقهما الداخلى باللجوء إلى الحرب، لا يزال نتنياهو مصمما على المضى قدما وسحب القوة العسكرية الأمريكية معه، بينما يتردد ترامب، وطالما بقى هذا الصراع الثنائى دون حل، سيظل الشرق الأوسط يدفع الثمن، حسبما ذكرت صحيفة «الجارديان» البريطانية.

إن تباينات المصالح الأمريكية والإسرائيلية فى هذا الصراع تتزايد، ترامب يواجه حزبه انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل، ولدى «الديمقراطيين» فرصة حقيقية للفوز بمقعد واحد على الأقل فى مجلس الكونجرس مما يضعف من سلطته، ويريد إنهاء حرب لا تحظى بشعبية ويعيد فتح مضيق هرمز لإنقاذ الاقتصاد العالمى. 

بينما يواجه نتنياهو ضغطا انتخابيا يدفعه فى الاتجاه المعاكس، فإن لم يتمكن من قلب الطاولة، فإن ائتلافه الحاكم معرض للخسارة فى الانتخابات، التى يجب إجراؤها قبل نهاية أكتوبر. وبالوضع الراهن، ورغم كل الحروب التى خاضها خلال السنوات الثلاث الماضية، لا يستطيع نتنياهو الادعاء بأنه قد وفىَّ بأى من وعوده بتحييد خصوم إسرائيل الرئيسيين: إيران، وحزب الله، وحماس.

ولضمان دعم اليمين المتطرف الإسرائيلى، يتعين على نتنياهو أن يظهر استعداده لتحدى ترامب بين الحين والآخر لكن لا يمكن لأى زعيم إسرائيلى أن يخاطر بقطع العلاقات مع واشنطن، ضامنها الأمنى الرئيسى، وهذا يضعه أمام خيار صعب.

وأكدت «الفورين أفيرز» أن إقناع ترامب بالانضمام إلى الهجوم على إيران كان أكبر انتصار فى مسيرة نتنياهو، لكن هذا الانتصار يتلاشى، ويبقى رهان نتنياهو الأفضل لبقائه السياسى هو فشل محادثات السلام، وعودة الولايات المتحدة إلى الحرب على إيران.

وبينما يصرّ دونالد ترامب على أنه صاحب القرار فى الشرق الأوسط، ويلجأ عادة إلى الإذلال العلنى ردا على أى عصيان، لكن مع نتنياهو، لم ينجح هذا الأسلوب إلا لأقل من أسبوع، وعلى الرغم من مزاعمه المتكررة بأن السلام بات وشيكا، إلا أن ترامب يجد صعوبة بالغة فى تقبل أى اتفاق يضاهى الاتفاق النووى الذى أبرمه باراك أوباما عام 2015، خاصة إذا تضمن أى شىء محرج سياسيًا، مثل تسليم أصول إيرانية مجمدة على شكل شحنات نقدية تنقل جوا إلى طهران.

إن دعم إسرائيل فى هذه المرحلة من الصراع يلزم الولايات المتحدة مجددا بسياسة استمرت لعقود، تسعى إلى تحقيق توازن إقليمى يسمح بهيمنة إسرائيلية شبه كاملة، وقد كانت هذه السياسة مكلفة للغاية بالنسبة للمصالح الأمريكية، وزعزعت استقرار المنطقة، ومكنت الإسرائيليين من أن يصبحوا أكثر عدوانية وتهورا.

لقد وجد ترامب نفسه مجرد محرض سياسى وعسكرى على التصعيد، بل ووسيط يائس فى صراع يتخذ سمات حرب لا نهاية لها، ويحاول تجنب الحقيقة المرة المتمثلة فى أنه لا يوجد مخرج سهل من صراع ما كان ينبغى له الدخول فيه أصلا، فجميع الخيارات سيئة، ولا يلوم ترامب إلا نفسه. فالحرب ليست عملية استهداف، والطرف الذى يملك أكبر عدد من القنابل لا يفوز بالضرورة. الإرادة أهم من الأسلحة، والقدرة على تحمل العقاب أهم فى نهاية المطاف من القدرة على إنزاله.

من جهته، يقول توماس جونو، المحلل السابق لشئون الشرق الأوسط فى وزارة الدفاع الوطنى الكندية والأستاذ الحالى للشئون العامة والدولية فى جامعة أوتاوا: إن هناك فجوة بين ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل من حربهما مع إيران، فترامب، فى جوهره، يريد إنهاء الحرب، بينما يعتقد نتنياهو أن المهمة لم تنجز بعد.

لقد أحدثت حرب إيران صدمة عالمية، إذ زعزعت الاقتصاد العالمى، وأربكت التحالفات الأمريكية، وأحدثت اضطرابات هائلة فى حرية الملاحة، ودفعت نظام عدم انتشار الأسلحة النووية إلى نقطة حرجة، لكن من أهم تداعيات هذا الصراع، وأكثرها زعزعة للاستقرار، كشفه عن ضعف الولايات المتحدة الاستراتيجى بشكل واضح.

فى سياق متصل، كشفت دراسة حديثة أجراها معهد الاقتصاد والسلام، فى تقريره «مؤشر السلام العالمى 2026»  أن الاقتصاد العالمى يخسر نحو 2.2 تريليون دولار من الناتج المحلى الإجمالى السنوى بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية، وأن هذا المبلغ سيزداد كلما طال أمد الصراع.    

وقدم المعهد سيناريوهات محتملة للصراع أولها هو وقف إطلاق نار ممتد أو جمود فى الوضع، وهو سيناريو محتمل يعاد فيه فتح مضيق هرمز جزئيا، لكن البحرية الإيرانية ستواصل مضايقاتها وستبقى علاوات مخاطر الشحن مرتفعة.

السيناريو الآخر هو استئناف الصراع دون التوصل إلى اتفاق، واستئناف إيران هجماتها على البنية التحتية للطاقة فى الخليج، وبقاء المضيق مغلقا وهذا يعتبر سيناريو ضعيفا غير منطقى.

أما السيناريو الثالث فانتهاء الحرب «الآن»، وهذا الاحتمال «مستبعد».