الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

سلام مؤقت أم هدنة فوق برميل بارود؟

لم يحتج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى قاعة فخمة أو مراسم دبلوماسية معقدة ليعلن ما وصفه بـ«الاختراق التاريخى» فى الأزمة مع إيران، بل اكتفى برسالة عبر منصات التواصل الاجتماعى ليبشر العالم باتفاق مبدئى قد يفتح الباب أمام تسوية طال انتظارها.



 وبينما تنفست الأسواق الصعداء مع الحديث عن إعادة فتح مضيق هرمز وعودة تدفق النفط، برز سؤال أكثر عمقًا: هل يمثل الاتفاق بداية سلام حقيقى أم مجرد استراحة مؤقتة بعد حرب أشعلت المنطقة وأربكت الاقتصاد العالمى؟

لا شك أن التوصل إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران يمثل تطورًا إيجابيًا إذا ما نجحت المفاوضات خلال الستين يومًا المقبلة فى تحويلها إلى اتفاق شامل يعيد إيران إلى دائرة التفاعل الدبلوماسى الدولى. غير أن كثيرين ينظرون إلى الخطوة بحذر، معتبرين أنها قد تكون محاولة من ترامب لاحتواء تداعيات أزمة أسهم هو ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى إشعالها.

فالحرب التى اندلعت بين الطرفين لم تقتصر آثارها على إيران وإسرائيل فحسب، بل امتدت إلى دول الخليج والمنطقة بأسرها، وأحدثت اضطرابات حادة فى الاقتصاد العالمى، وأثارت تساؤلات واسعة حول مكانة الولايات المتحدة ومصداقيتها الدولية.

ويرى مراقبون أن رقمنة الدبلوماسية تمثل تحولًا هيكليًا يتجاوز مجرد تحديث الأدوات، إذ تمنح السرعة أولوية على حساب الرمزية السياسية، وتجعل الالتزامات الدولية أكثر هشاشة وأقل ارتباطًا بالأعراف الراسخة التى حكمت العلاقات بين الدول لعقود طويلة.

فى هذا السياق، رأت صحيفة «الجارديان» البريطانية، أن الاتفاق قد يسهم فى إعادة تدفق النفط واستقرار أسواق الطاقة، لكنه لا يقترب من معالجة جذور الأزمات المزمنة فى الشرق الأوسط، فالوثيقة الحالية لا تتجاوز كونها إطارًا مؤقتًا يلتزم الطرفان بموجبه بمواصلة التفاوض، مقابل رفع القيود البحرية عن إيران وضمان حرية الملاحة فى مضيق هرمز الذى يمر عبره نحو خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعى المسال.

ورغم هشاشة الاتفاق، فإن الترحيب الدولى الواسع به يعكس رغبة إقليمية ودولية فى منحه فرصة للتحول إلى تسوية دائمة، انطلاقًا من قناعة بأن الدبلوماسية، حتى وإن جاءت بدوافع سياسية أو انتخابية، تظل أقل كلفة من استمرار الحرب.

لكن اختبار النجاح الحقيقى لن يكون فى إعادة فتح مضيق هرمز أو استئناف حركة التجارة البحرية، بل فى قدرة المفاوضات المقبلة على إنتاج اتفاق نووى قابل للتحقق، يبدد مخاطر المواجهة العسكرية ويضع حدًا للتوترات التى فجرتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية.

فإذا أخفقت هذه الجهود، فقد ينظر إلى الحرب باعتبارها لم تكن مقدمة للسلام، بل دليلا جديدًا على حجم النفوذ الإيرانى فى الاقتصاد العالمى، وعلى الفجوة المتزايدة بين القوة العسكرية الأمريكية وقدرتها على تحقيق أهداف استراتيجية مستدامة.

أما فى إسرائيل، فقد استقبلت الأوساط السياسية الاتفاق بمزيج من الغضب والإحباط. فالكثير من الأصوات اعتبرت أن واشنطن فرضت على تل أبيب هدنة مبكرة قبل تحقيق الأهداف التى أعلنتها الحكومة الإسرائيلية مع بداية الحرب.

وزادت حدة الانتقادات بعدما تضمن الاتفاق ضغوطًا لوقف التصعيد ضد حزب الله فى لبنان، وهو ما اعتبره معارضون تراجعًا عن مسار كانت الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى استكماله. ورغم دفاع نتنياهو عن نتائج الحرب وإصراره على أنها حققت أهدافها، فإنه تجنب توجيه انتقادات مباشرة للرئيس الأمريكى أو للاتفاق الجديد.

فى المقابل، ذهب عدد من المعلقين الإسرائيليين إلى التشكيك فى قدرة نتنياهو على التأثير فى قرارات ترامب، معتبرين أن إسرائيل انتقلت من موقع الشريك المؤثر إلى موقع التابع الذى يضطر للتكيف مع القرارات الأمريكية.

ووصف يائير لابيد، زعيم حزب «يش عتيد»، الاتفاق بأنه أحد أكثر الإخفاقات صدمة فى تاريخ السياسة الخارجية والأمنية الإسرائيلية، بينما تمسك أعضاء فى الحكومة اليمينية المتطرفة بمواقف أكثر تشددًا، مؤكدين أن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التى سيطرت عليها فى لبنان وسوريا وغزة، وأن وجودها هناك سيستمر إلى أجل غير مسمى.

ومع ذلك، يرى آخرون أن قدرة إسرائيل على تحدى الإرادة الأمريكية أصبحت محدودة أكثر من أى وقت مضى، خاصة فى ظل تصاعد عزلتها الدولية وتزايد اعتمادها على الدعم السياسى والعسكرى القادم من واشنطن.

وهكذا، يبقى الاتفاق الأمريكى الإيرانى معلقًا بين احتمالين؛ إما أن يكون بداية مسار دبلوماسى يخفف من أزمات المنطقة، أو مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار المقبل دون أن تعالج أسبابه الحقيقية.