الخميس 2 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

الدنيا حر..

بقلم - مصطفى محمود



القيظ لافح.. والحَر يُصهر الأبدان.. وليس من سبيل إلى النوم أو اليقظة.. أو التفكير.. والغرفة تغلى كصومعة هندية.. وأنا كالزاهد رغم أنفه: أتأمل تأملًا فارغًا فى أى شىء يقع تحت بصرى.

أمامى مصيدة الفيران بابها مفتوح منذ عدة سنوات، وبها قطعة من الجبن تحولت إلى شىء كالأسمنت، ولم يفكر فأر واحد بالغًا ما بلغ به الغباء فى اقتحامها.. مع كثرة الفئران فى غرفتى كثرة تجعلها هى الساكن الأصلى.. وأنا الطفيلى.

وقد فكرت أن أدخل أنا هذه المصيدة وآكل الجبن.. ولعل الفئران توقعت منّى هذا على اعتبار أنى إنسان عاقل يفهم المنطق.. ولكنى لست عاقلًا فى الغالب ولا أفهم شيئًا فى المنطق.. فقد طلقت المنطق منذ زمن لأستريح.. ووجدت أن طريق السلامة أن أعيش كالدابة، بختم مربع على قفاى!

لدىّ صورة.. كلما أعتمت حولى الدنيا.. واستعصى علىَّ فهم أحوالها.. نشرتها أمامى أتأملها فى هدوء..

والصورة لى بين زملائى فى فرقة السنة الرابعة الابتدائية.

فى أول الصف فتى أحدب كان أكبرنا وأرقنا قلبًا.. كان يؤمّنا فى الصلاة ويتلو علينا القرآن.. ويرأس جماعتنا الدينية.. وقد شالت به الدنيا وحطت حتى أنزلته أخيرًا ضيفًا على سجن عابدين متهمًا بثلاثين سابقة نشل وسرقة واحتيال.. وله فى سجل المشبوهين عشر صور مختلفة فى عشرة أزياء متباينة.. ويسمونه فى البوليس «أبو أتب».

والثانى فى الصف فتى بائس.. كانت أصابع قدميه تطل دائمًا من حذائه وكان يربط سرواله بحبل.. وهو الآن تاجر يملك مربعًا من العمارات الفخمة وأسطولًا بريًا من عربات النقل.

والثالث فى الصف فتى أنيق كانت توصله كل يوم إلى المدرسة عربة «أونكل» وتأخذه عربة «تانت» وهو الآن عامل شباك تذاكر فى كباريه.

والرابع كان بهلوان الفرقة، وهو الآن مقرئ تصادفه فى المآتم المتوسطة يخرج علبة السعوط من قفطانه ويتنشق ثم ينشكح فى وضع فنى وقد ألصق كفه بصدغه وغاب فى انسجام الترتيل.

والخامس كان أول الفرقة ونابغتها، وهو الآن موظف منسى فى قلم الشطب يجاهد فى إطعام سبعة عيال.

والسادس كان عازف ناى ومغنيًا، وهو الآن منوّم مغناطيسى وفاتح مندل وقارئ كف وصاحب معجزات.

والسابع مريض أصفر كالح.. كنا نرثى له جميعًا.. وقد ظل يمرض ويعتل حتى وجد الزمن أن أبلغ عبرة أن يجعل منه طبيبًا كبيرًا للصحة المدرسية.

والثامن فتوة كان يحملنا كل اثنين على ذراع، وقد ظل يقوى على مر الأيام حتى مات فى شرخ شبابه.. ربما من فرط الصحة والقوة!

والتاسع هو أنا.. قدر واحد من عشرات الأقدار التى لا معنى لها..

صبى ضامر كعود من الحطب ذو وجه مستطيل بارز يتدلى فكه فى بلاهة.

لم أكن أفهم فی هذه الأيام معنى لأن يكون الإنسان فى فصل يتعلم الهجاء والخط والحساب؛ وإنما كنت أفعل ما يفعله الناس.. لأحفظ كيانى من الضرب!

وحينما اجتمعت مع زملائى لنلتقط الصورة كنا كلنا نسير بلا وعى كقطيع من الأرانب.. وأمامنا يقف مصور يلوح بعباءة سوداء كمصارع ثيران.. ويقول وهو يلوح بيده خلاص.. فننفض كالجرذان لا ندرى ماذا جرى فى الفلك.

وبهذا اللا وعى تنقلت من فصل إلى فصل ومن مدرسة إلى مدرسة.. حتى قال الناس إننى أصبحت ناضجًا وفى غير حاجة إلى كتب أو عِلم.. فجلست مع الناضجين.. وسمعتهم يتحدثون فى السعادة.. وعن مغامرات حب عنيف لا تنتهى بالزواج؛ لأن هذا على حد قولهم غاية النضج.. فأحببت أنا أيضًا ولم أتزوج.. ولم أجد سعادة.. وإن كنت قد وجدت حكاية أحكيها أنا الآخر.

وفقدت ساقى فى حادثة وأصابتنى عدة التهابات مزمنة.. فأصبح لدىّ موضوع أتشدق به حينما يجىء ذكر التعاسة.. ولكنى فى الحق لم أحس بتعاسة أو بسعادة؛ لأنى فى الأربعين سنة التى مرت من عمرى.. لم أجد نفسى؛ وإنما كنت فى تيه من الحوادث التى حبكتها الصدفة.. وفى تيه عن الناس الذين يتحدثون فى ثقة عن مجموعة أشياء لا يفهمون عنها شيئًا.. تيه من الناس كلهم مِثلى.. لم يجدوا نفوسهم؛ وإنما هم فقط يعيشون!

والآن وأنا فى غرفتى المليئة بالفئران.. والحَر يصهر عظامى.. وحياتى تجثم على أكتافى كحِمْل ثقيل بلا معنى لا أجد إلا هذه الصورة أنشرها أمامى وأتأملها.. وأبحث فى أقدار الناس وهى تولد وتتكون وتلتقى وتفترق.. وأجد بعض العزاء فى حياتى.. فالناس مِثلى يتخبطون.. والأقدار كلها هستريا مجرد هستريا.. وليست هناك حبكة وراء الحوادث ولا غاية وراء الأسباب.

كل شىء أعمى والشىء الوحيد المبصر فى الحياة هو إرادة الإنسان نفسه.. وفى هذا يقول نيتشة كلمته الخالدة:

أكبر ما يعزينى أن فى أعماق عذابى تكمن صدفة بريئة.. وأن طعنة الخنجر فى ظهرى ليست إلاّ عبثًا خاليًا من القصد والتدبير.

حقًا ما أكثر الذى أتعلمه من هذه الصورة.