إبليس المجنى عليه
بقلم - مصطفى محمود
الجنة.. آدم وحواء جالسان فى ظلال كرمة مورقة تدلت عناقيدها كفوانيس من البلور، وتحت أقدامهما يجرى نهر من العسل.
حواء - فيمَ تفكر يا عزيزى آدم.. إنك تبدو وكأنك لا ترانى.
آدم- نعم إنى مهموم يا حواء.. لقد تسلطت علىّ فكرة واحدة حرمتنى طعم الراحة.
حواء- أية فكرة تلك التى تبعدك عنى؟
آدم - الشجرة.. الشجرة القائمة هناك تحت الشمس التى لا تغيب، شجرة الحنطة التى حُرّمت علينا بسنابلها التى تلمع كالذهب.. لِمَ حرّم علينا الله الأكل من هذه الشجرة.. وكيف تكون هذه جنة ويُحرم فيها شىء.. كيف تكون هذه جنة وفى أيدينا القيود، وعلى رقابنا كلمة تقول لا.. لا تفعلوا ذلك الشىء.. كيف تكون جنة، ولا توجد حرية!.
وسكت آدم قليلاً، ثم قال بصوت راعد:
- يا حواء.. سوف آكل من هذه الشجرة.
فصرخت حواء:
- أجننت يا آدم!.. أتعصى الله الذى خلقك.. يا زوجى.. يا إلهى الصغير عد إلى صوابك.. أتوسل إليك كن عاقلاً.. لا تُنزل علينا اللعنة.. إننا نعيش سعداء فى عالم من النور لا نموت ولا نتألم ولا نمرض ولا نجوع.. إننا نعيش فى الجنة.. فى الجنة.
- إنى أفضل عالمًا صغيرًا من صنعى على سماء لا أملك فيها إلا الطاعة العمياء.
- أنت كافر.. لقد وسوس لك الشيطان وحلت بك روح الأفعى.. ابتعد عنى.. لا أريد أن أراك.
تعطيه ظهرها لحظة، ثم تعود فتلتفت إليه فى حنان، ثم تنظر إلى الأفق اللا متناهى.. وتستغرق فى التفكير.
آدم- حواء يا حبيبتى.. فيمَ تفكرين؟
حواء- أفكر فى الشجرة.. الشجرة القائمة هناك عند السهل بسنبلتها التى تبدو كشمس من ذهب.. لِمَ حَرم الله علينا هذه الشجرة؟
- أنتِ إذن تريدين أن تأكلى من الشجرة!
- نعم.. ولكنى لا أقوَى..
- أنت إذن وسوس لك الشيطان.
- لا أدرى.. لا أدرى..
- أنتِ إذن منافقة تكذبين على نفسك تحبين الشىء وتنكرينه.. ويحى منك امرأة.
- إنى ضعيفة يا آدم.. ضعيفة.. ما أنا إلا ضلع من ضلوعك هذه.
- وما انتظارنا إذن إذا كنا نرغب فى هذه الشجرة؟
- خوف الله.. يا آدم.
- إن هذا الخوف يملؤنى ذلة.. ويجعل طعم العسل فى فمى كالعلقم.. ويجعل جنتى نارًا.. سوف أضع لهذا الخوف حدًا.
يصرخ:
- سوف أختار جحيمى بيدىّ هاتين.. فهذا أفضل من أن يختار لى جنتى أحد.
- لقد حلت بنا اللعنة.. لقد أغوانا إبليس.. لقد سرَى سم الأفعى فى دمنا.. الويل لنا.. يا إبليس لينتقم منك الله فى الدارين.
يمضيان فى طريقهما إلى الشجرة.
■ ■ ■
إبليس والأفعى جالسان على باب كهف مظلم يتحادثان فى همس..
الأفعى- أحقًا يا شيطانى أنك ذهبت إلى آدم ووسوست له بأن يعصى ربه، ويأكل من الشجرة؟
إبليس وهو يرتعد- أنا!! قَسَمًا بهذا الظلام المدلهم.. إنى لبرىء من هذه الفرية.. إن هذا الوغد آدم لشيطان مريد.. إنى لأرتعد كلما اقتربت منه.. إنى لأخشاه كما أخشى النور الساطع.. إنه لعملاق يخرق هذه السماء برأسه.
- لقد سمعت أنك أنتِ التى ذهبتِ إلى حواء وأغويتها.
الأفعى مجلجلة بأجراسها فى دهشة:
- أنا.. ويح هذه اللعينة.. التى تكذب حتى على نفسها.. إنى لا أجرؤ على الاقتراب منها.. لقد كادت تلتف حولى وتخنقنى.. إن كلامها أملس كالدهن.. وقلبها ملون كجلد الأبرص، لقد اشتهت أن تأكل الحنطة فألقت الذنب علينا.
- مسكين أنا.. سوف تضع البشرية كلها ذنوبها علی كتفى.. وتقول إبليس اللعين أغوانا.. أما ترين كتفىّ وقد بدآ ينوآن بما يحملان.. لقد نزل آدم وحواء إلى الأرض مطرودين من الجنة وهاهى الأرض تطفو فى بحر من دم.. وأبناء آدم يتقاتلون كالذئاب.. وأنا الملوم.. رباه.. لقد بدأ عذابى.
■ ■ ■
على الأرض.. رجل وامرأة من سلالة آدم فى خلوة..
المرأة - حذارِ.. لا تقترب منى.. لقد بلغ حبنا مداه.. ولم يبقَ إلا الجسد.
الرجل- إنى أحب هذا الجسد.. «يُقبلها فى صدرها».
المرأة- إنه فاكهة محرمة.
- سوف آكل هذه الفاكهة المحرمة.
- لا تدع الشيطان يغويك.. وكن عاقلاً.. لنكتفِ بهذا الحب الروحى الذى يُلطف قلوبنا كالنسيم.
- إنه يحرق قلوبنا.. لا شىء يبرد قلبى سوى دمك.
- هذه وسوسة إبليس.. سوف أهرب منك.. لن تلقانى بعد اليوم.
تجرى منه وتختفى خلف الباب..
فيتركها ويشعل لفافة تبغ، وتمضى لحظات، ثم تقترب منه فى رقة وتحيط عنقه بذراعيها.
- يا رجل إنى أحبك.
- ماذا تريدين منى الآن.. أما قلت الآن أنكِ سوف تختفين من وجهى؟
- لا أستطيع.. لا أستطيع.. إنى ضعيفة.
- أما يكفيك هذا الحب الروحى الذى يلطف قلبك كالنسيم؟!
- إنه يحرقنى كالنار.. لا شىء يبرد قلبى سوى جسدك.. لقد غلبنى الشيطان على أمرى.. وها أنا راكعة كالحمل عند قدميك.. لتسفح دمى.
ينظر إليها الرجل لحظة، ثم ينتابه الغضب فجأة فيصفعها!
- قومى يا امرأة.. لم أعد أحتمل نفاقًا.. لقد كفى الشيطان ما حمله من ذنوب.. لن أحَمّله ذنوبى بعد الآن، ولن أحَمّله نفاقك، لقد أردتِ أنتِ هذا الخضوع.. ودبرتِ له الفرص، ونصبت له الشرك، وطاردتنى كالذئبة فى كل مكان والآن تقولين إنك الحمل.. إنى أرفض فاكهتك المُرّة.. وجنتك الملوثة بالكذب.. وسوف أتحمل ذنوبى وحدى وسوف أبحث عن امرأة تحمل ذنوبها فى شجاعة دون أن تبحث عن شبح.. تضع على كتفيه أوزارها، شبح تسميه إبليس اللعين يخرج غاضبًا.










