الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

علماء الأزهر: 30 يونيو واجهت خطاب التطرف وفتحت الباب لـ«التجديد»

الفكر المتطرف ظاهرة ملازمة للمجتمعات الإنسانية عبر التاريخ، لا يرتبط بزمن معين أو ثقافة محددة وإنما هو أيديولوجية إقصائية ترى العالم فى ثنائية حادة «حق مطلق ضد باطل مطلق»، وجاءت ثورة 30 يونيو لتقف فى وجه هذا التطرف والإرهاب الفكرى بمختلف أشكاله، ساعية إلى إعادة الوسطية والاستنارة للمجتمع، إضافة تجديد الخطاب الدينى.



وترصد جريدة «روزاليوسف» مختلف الآراء الفكرية فى شأن الخطاب الدينى وتجديده، لمواكبة التطور المجتمعى والتكنولوجى الحالي.

ويرى الدكتور محمد عبد الرحيم البيومى، عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر والأمين العام السابق للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أن مصر كان ينتظرها مستقبل مظلم حال استمرار التيارات الدينية المتشددة من الإخوان المسلمين والجماعات السلفية فى الحكم لو لم تأتِ ثورة 30 يونيو المجيدة، وخروج الشعب المصرى للدفاع عن وطنه ومجتمعه فى هذه المرحلة الفارقة من عمر الوطن، أن مصر وشعبها أدركا طبيعة المخاطر. قال: على الصعيد الأمنى ظل الخطر الأكبر من هذه الفئة محاولات استهداف مؤسسات الدولة والبنية التحتية والاقتصاد الوطنى ودور العبادة بهدف نشر الخوف وزعزعة الاستقرار،  فهذه الجماعات لا تستهدف الأرواح والممتلكات فحسب وإنما تسعى إلى خلق حالة دائمة من الارتباك تعرقل مسيرة التنمية.

وعلى الصعيد الاجتماعى فإن تلك الجماعات كانت تراهن على بث الفرقة بين أبناء الوطن وإحياء خطاب الكراهية والإقصاء واستغلال أى أزمات اقتصادية أو اجتماعية لتوسيع الفجوات داخل المجتمع بما يهدد وحدته وتماسكه.

وأوضح البيومى أن التحدى الفكرى كان هو الأخطر، حيث اتجهت الجماعات المتطرفة إلى استهداف عقول الشباب عبر الفضاء الإلكترونى من خلال تحريف المفاهيم الدينية وتقديم العنف فى صورة واجب أو وسيلة للإصلاح وتشويه صورة الدولة ومؤسساتها.

وأشار إلى أن 30 يونيو جاءت لتفضح كل هذه المعتقدات الخاطئة وتكشف وتعرى هذه الأفكار البالية التى كانت تريد تدمير المجتمع المصرى، وإحداث شروخ عميقة بين أبناء الوطن مسلمين ومسيحيين.

وأضاف أن مواجهة التطرف لا تقتصر على الإجراءات الأمنية وإنما تعتمد على بناء الإنسان وترسيخ التعليم المستنير وتجديد الخطاب الدينى وفق المنهج الوسطى الذى يتبناه الأزهر الشريف وتعزيز قيم المواطنة والانتماء. 

من جانبه قال الدكتور صلاح عاشور، عميد كلية اللغة العربية وأستاذ التاريخ بجامعة الأزهر، إن التاريخ يؤكد  أن الفكر المتطرف ظاهرة ملازمة للمجتمعات الإنسانية عبر التاريخ، لا يرتبط بزمن معين أو ثقافة محددة وإنما هو أيديولوجية إقصائية ترى العالم فى ثنائية حادة “حق مطلق ضد باطل مطلق”، ويتحول هذا الفكر إلى خطر داهم عندما يقترن بآليات العنف أو التكفير أو الإبادة لتغيير الواقع بالقوة.

وأشار إلى أنه فى العصور الإسلامية الأولى ظهر الخوارج الذين كانوا يمثلون أحد أبرز النماذج التاريخية للتطرف الفكرى، حيث اعتمدوا آلية إسقاط الشرعية عن المجتمع والحكام وتحولوا من الخلاف الفكرى والسياسى إلى المواجهة المسلحة المستبيحة للدماء بناءً على تأويلات حرفية مجتزأة للنصوص، وكذلك الحشاشون فى القرنين الخامس والسابع الهجريين الذين اعتمدوا على أيديولوجية باطنية مغلقة تنتهج الاغتيال السياسى المنظم كوسيلة لتحقيق مكاسب عقائدية وسياسية ممهدين الطريق لمفهوم الخلايا السرية الانتحارية. ولا ننسى ما كانت تفعله محاكم التفتيش فى أوروبا فى القرون الوسطى، وهى نموذج صارخ للتطرف المؤسسى المدعوم من السلطة الدينية، حيث جرى استئصال المخالفين فى الرأى “الهرطقة” واليهود والمسلمين فى الأندلس عبر التعذيب والقتل الجماعى لفرض لون فكرى وعقدى واحد.

وأشار الدكتور صلاح عاشور إلى أن ما سبق هو نفس المنهج الذى اتبعته الجماعات المتطرفة فى مصر قبل ثورة 30 يونيو، والتى حولت المنابر والمؤسسات الدينية إلى أدوات لخدمة مشروع سياسى ضيق، فقد شرعيته وأسقط مبدأ الوسطية الجامعة، مع تقسيم المجتمع إلى “مؤمنين” ومناوئين ونشر فكر استعلائى يُقصى المخالفين ويشرعن العنف.

وأضاف بأن ثورة 30 يونيو جاءت لمواجهة الفكر المتطرف وحماية شبابنا من الهدم الذى حاول البعض ترويجه أيام حكم جماعة الإخوان.

وأوضح أنه يجب أن يكون هناك خطاب دينى معاصر يفكك شبهات الفكر المتطرف بأسلوب علمى وعقلانى ويركز على مقاصد الشريعة العليا “كحفظ النفس والوطن”..

وقال إن هذه الثورة المجيدة أعقبها بناء الجمهورية الجديدة التى تقوم على احترام قيم المواطنة دون استقطاب، مشيرًا إلى أن وصول الجماعات الراديكالية للحكم ينطوى على الكثير من المخاطر ويهدد النسيج المجتمعى ويزيد من حالة الاستقطاب الحاد بين فئات المجتمع.

وأكد الدكتور رضا عبد الواجد أمين عميد كلية الإعلام بجامعة الأزهر أهمية تجنب الوقوع فى فخ التشدد من خلال بناء الوعى الدينى الصحيح على فهم راسخ لمقاصد الشريعة الإسلامية التى تقوم على حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض بعيدًا عن الغلو والتشدد أو التفريط والانحلال، لافتًا إلى أن ذلك يتحقق من خلال تقديم خطاب دينى وسطى يجمع بين أصالة النصوص الشرعية وفهم الواقع ويغرس قيم الرحمة والعدل والتسامح واحترام كرامة الإنسان، وهو الخط الذى يمثل منهج مؤسسة الأزهر الشريف كمنارة للوسطية والاعتدال انطلاقًا من رسالته العلمية والدعوية التى تمتد لأكثر من ألف عام، والتى تقوم على نشر الفهم الصحيح للإسلام القائم على الرحمة والتسامح واحترام الإنسان.

وأضاف أن الأزهر يعمل على إعداد العلماء والدعاة وتأهيلهم وفق منهج علمى رصين يجمع بين أصالة التراث ومتطلبات العصر بما يمكنهم من مواجهة الأفكار المتطرفة وتصحيح المفاهيم المغلوطة التى تستغل النصوص الشرعية خارج سياقاتها وبما يحول دون نشر الأفكار المتشددة والمتطرفة بين الشباب.