3 يوليو بداية التنمية المستدامة
إن الثلاثين من يونيو لم تكن أبدا محطة وصول للخلاص من الجماعة الإرهابية واستعادة الدولة، بل كانت بداية طريق ونهج حياة للتنمية والبناء للقضاء على الجماعة الإرهابية وإعادة هوية الدولة وترسخ قواعد البناء على أسس وطنية وأن تكون نقطة بداية لمرحلة جديدة لإعادة البناء على أسس أكثر قوة وتنوعًا، لتؤكد قدرة الدولة على مواجهة الأزمات، والتحديات مهما تنوعت أو تعقدت والانطلاق نحو تحقيق هدف التنمية المستدامة، باستثمار الموارد المتاحة وبخاصة المورد البشرى الموقع الجيواستراتيجى للدولة المصرية والذى يعزز قوتها السياسية ويرسخ مكانتها الاقتصادية ويزيد من فعاليتها الإقليمية بما تمتلكه من المعطيات الاقتصادية ومقومات وفرص النمو للانطلاق نحو المستقبل بخطى ثابتة لتحقيق آمال الشعب والتعامل بجدية مع التحولات العالمية لبناء دولة عصرية تنافسية.
وقد كانت ضربة البداية هو إعادة ترتيب المشهد الداخلى وصياغة التلاحم الوطنى ، بإعادة الهوية الوطنية وترسيخ مفهوم الدولة ومحاربة الإرهاب واستعادة الأمن و الاستقرار،حيث أدركت الدولة أن البناء والتنمية لا يمكن تحقيقه فى ظل غياب الأمن والاستقرار. فكان استعادة مؤسسات الدولة وترسيخ مفهوم الانتماء كأساس لبناء الثقة والذى انعكس تدريجيًا فى تحسن قدرة المؤسسات الوطنية والمؤشرات الاقتصادية،ومعدلات النمو ويزيد من قدرة الاقتصاد على الصمود أمام تحديات غير مسبوقة مثل جائحة كورونا، ثم تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وأخيرًا الاضطرابات الإقليمية الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية والإيرانية التى أثرت على حركة التجارة العالمية ودخل مصر من الأنشطة الاقتصادية.
ولقد كانت بداية الطريق للتنمية. الاهتمام بالبنية التحتية حيث شهدت مصر تنفيذ أكبر برنامج للطرق والكبارى، وإنشاء المدن الجديدة الذكية وإلى جانب تطوير الكهرباء التى غابت فى عام الظلام والقوانين والتشريعات التى تقادمت وأصبحت تعيق الأداء والموانئ التى تهالكت وأن تكون هذه البنية مناسبة وتسمح بتدفق الاستثمار وإطلاق المشروعات القومية الكبرى وقيام المناطق الصناعية الكبيرة وتتيح التوسعات العمرانية والحضارية على أرض مصر لمواجهة الزيادة المضطردة فى السكان وتساعد على تحسين بيئة الاستثمار، وتعظم معطيات الاقتصاد الوطنى وتعزز قدرته على مواجهة الأزمات العالمية، وتحسن معدلات النمو الاقتصادي المستدام.
ولهذا كان من التطور فى مجال التحول الرقمى والشمول المالى، لبناء اقتصاد المعرفة حيث توسعت الخدمات الإلكترونية، وانتشرت وسائل الدفع غير النقدي، وتم دمج ملايين المواطنين فى القطاع المالى الرسمي، بما يعزز الشفافية ويرفع كفاءة الأداء الاقتصادي. كما امتدت يد البناء إلى السياحة، باعتبارها أهم ملفات دولة 30 يونيو فاستثمرت الدولة فى تطوير السياحة وتطوير الساحل و المقاصد السياحية والبنية الفندقية، وإنشاء المتحف المصرى الكبير، وتحسين الخدمات، الأمر الذى ساعد على استعادة القطاع لعافيته وزيادة أعداد السائحين، ليعود أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
ولما كان بناء الإنسان من أهم أهداف 30 يونيو كان التركيز على التعليم حيث تزايدت الجامعات المصرية وتنوعت المجالات وعمقت التخصصات وحدثت البرامج بالإضافة إلى تطوير نظم التعليم الفنى باعتباره الركيزة الأساسية لصناعة رأس المال البشرى بالإضافة إلى تطوير النظم الصحية والمبادرات الرئاسية لتحسين الصحة بالإضافة إلى تمكين الشباب والمرأة بالمشروعات والتوظيف والبرامج المتنوعة مما يجعل من ثورة الشعب نهجا متكاملا للبناء والتنمية لتمهد الطريق لتنطلق منه مصر كدولة إقليمية تمتلك قاعدة اقتصادية أكثر قدرة على المنافسة والانطلاق، يساهم فيها القطاع الخاص والمشروعات الوطنية والاستثمار الأجنبى فى جميع مجالات التنمية.
كما أولت دولة 30 يونيو اهتمامًا كبيرًا بقطاع الطاقة، والذى تحول من تهديد للتنمية إلى القوة الدافعة. حيث نجحت مصر فى التغلب على أزمة انقطاع الكهرباء، وحققت الاكتفاء الذاتى من الغاز الطبيعى بعد اكتشافات كبرى، كما توسعت فى مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وهو ما وفر مزيجا متنوعا من الطاقة لجذب الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعزز مكانة مصر كمركز إقليمى لتجارة وتداول الطاقة.
ورغم ذلك فلم تغفل الدولة أهمية الزراعة والأمن الغذائي، حيث أطلقت مشروعات قومية لاستصلاح ملايين الأفدنة، مثل مشروع الدلتا الجديدة ومستقبل مصر، إلى جانب تطوير نظم الرى والتوسع فى الصوامع وتحسين الإنتاج والإنتاجية وترشيد إدارة المياه، بما يسهم فى زيادة الإنتاج الزراعى وتقليل الفجوة الغذائية، خاصة فى ظل التحديات العالمية المتعلقة بسلاسل الإمداد. وكذلك التطور فى المجال الصناعي، بالتوسع فى إنشاء المناطق الصناعية والمجمعات المتخصصة، والعمل على تعميق التصنيع المحلى وتقليل الاعتماد على الواردات، خاصة فى الصناعات الاستراتيجية.فشهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس طفرة كبيرة فى جذب الاستثمارات، مستفيدة من موقعها الجغرافى الفريد، لتصبح مركزًا صناعيًا ولوجستيًا يخدم الأسواق الإقليمية والعالمية.
وكان من أهم وسائل تأمين الطريق للتنمية أن تترافق برامج الإصلاح الاقتصادى مع شبكات حماية اجتماعية واسعة، من خلال مبادرات مثل «تكافل وكرامة»، و»حياة كريمة»، وزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، بهدف تخفيف آثار الإصلاحات الاقتصادية على الفئات الأكثر احتياجًا، وتحقيق تنمية أكثر شمولًا وعدالة.
ولقد استطاعت الدولة أن تحقق هذا وتستمر فى الطريق من خلال دعم العلاقات مع دول صديقة وشراكات استراتيجية مع كيانات دولية عريقة والانتماء إلى كيانات اقتصادية وتكتلات إقليمية تساعد الاقتصاد الوطنى على تحقيق نمو ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.
وحتى يكتمل الطريق ونصل إلى المستهدف من نجاح الشعب لمحطة الوصول فى 30 يونيو 2013 والوصول إلى نهاية الطريق وهو تحقيق الرفاهية للمواطن المصري لا تزال هناك تحديات تواجه الاقتصاد المصري، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة الدين العام، والضغوط الناتجة عن التوترات الإقليمية، وتراجع إيرادات بعض القطاعات مثل قناة السويس بسبب اضطرابات الملاحة فى البحر الأحمر. إلا أن استمرار تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وتشجيع القطاع الخاص، وزيادة الصادرات، وتعميق الصناعة المحلية، تمثل أدوات مهمة لمواجهة هذه التحديات وتحقيق نمو أكثر استدامة.
عميد كلية التجارة جامعة الزقازيق السابق






