الخميس 2 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ما مصير المواطنة إذا ظل الإخوان؟

ما مصير المواطنة إذا ظل الإخوان؟

فى يوم 3 يوليو انتهى نهائيا حكم الإخوان المسلمين، وتحقق الهتاف الذى كان يدوى فى شوارع القاهرة «يسقط.. يسقط حكم المرشد»، لم يكن ذلك السقوط تغييرا سياسيا عاديا يحدث فى أى دولة، يزول حكم وينشأ آخر، لكنه كان نقطة تحول مفصلية فى تاريخ مصر على كل الأصعدة، ومن بينها وضعية المصرى المختلف دينيا، أى المواطنين المسيحيين. بالطبع طال حكم الإخوان المصريين جميعا دون تفرقة، ولو طال أمده لاهتزت أركان البلاد، بمسلميها ومسيحييها، ولكن دعونا نتأمل ماذا سيكون عليه الحال بالنسبة للمواطنين المسيحيين اذا استمر ذلك الحكم، وتعمقت وتشعبت جذوره فى المجتمع؟ 



أعود إلى رسائل حسن البنا، مؤسس الجماعة، التى تدعو الإخوان أن يحرصوا على عدم وضع قرش فى يد غير مسلم أى أن يكون هناك تقسيم اقتصادى فى المجتمع الذى يقوم على التجانس الشديد، فلا يجد مسيحى فرصة عمل فى مشروع يمتلكه إخواني، ولا يجد إخوانى يتعامل معه فى مشروع يمتلكه هو، وبمرور الوقت يصبح المجتمع مقسما اقتصاديا بفعل الدعاية الإخوانية فى أوساط المسلمين ضد المسيحيين، وتسرى دعاوى المقاطعة للمسيحيين صراحة أو ضمنا، ألم يطلب يوم أحد المحلات المملوكة لإخوانى فى حى شبرا المعروف بامتزاجه الإسلامى المسيحى عاملين للعمل به، وكان أحد شروط العمل أن يكون المتقدم مسلما؟

واذا علا المد الدينى الطائفى فى المجتمع، فلا يمكن تصور أن يكون ذلك المجتمع مدنيا يقوم على المواطنة، بل يتحول إلى مجتمع طائفى يستند إلى الفرز على أساس ديني. وتتعدد مظاهره وأشكاله، ومنها كثرة المساجلات الدينية، والتحريض الطائفي، وتقليص مجالات التفاعل الاجتماعى بين المسلمين والمسيحيين بحيث ينكمش الأقباط فى كنائسهم، أو يضطرون إلى الهجرة، بينما يهيمن المد الدينى على المجتمع، ويشعر المسلمون أنفسهم المختلفون ثقافيا وسياسيا بالتهميش على يد الإسلام السياسي. وما من مجتمع رفع لواء الطائفية الدينية إلا وتداعت التعددية الدينية فيه. حدث ذلك فى السودان إبان حكم عمر البشير، وأدى إلى موجات هجرة واسعة للأقباط السودانيين، وفى العراق عقب سقوط نظام صدام حسين، وظهور تنظيمات إرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وفى سوريا إبان الحرب الممتدة التى أدت فى النهاية إلى إسقاط حكم بشار الأسد. فى كل تلك التحولات الكئيبة التى جثمت على صدر المنطقة العربية ألم يقتل مسيحيون، وتختطف وتغتصب نساؤهم، ويجبر الأحياء منهم على دفع الجزية، وتفجر الكنائس والأديرة، ويتعرضون إلى تهميش سياسى واجتماعى واسع النطاق، ويتفرق شمل العائلات المسيحية فى أصقاع الأرض. دون شك حفظت ثورة 30 يونيو، ومن بعدها 3 يوليو المصريين من ذلك المصير المظلم، ولم نفكر بعيدا؟ ألم يحرق الإخوان المسلمون نحو تسعين كنيسة ومبنى كنسى ومدارس مملوكة لهيئات مسيحية تخدم مسلمين ومسيحيين فى اليوم التالى لفض اعتصامى رابعة والنهضة فى 11 أغسطس 2013؟ ألم يجر تفجير الكنيسة البطرسية فى 2016، وكنيسة مار جرجس فى طنطا، والكنيسة المرقسية بالإسكندرية أثناء الصلاة؟ لماذا امتدت يد الأذى الإخوانية إلى المسيحيين؟ أليس لاعتقادهم بأنهم رهائن فى تلك البلد ينبغى أن يكونوا إلى جوارهم فى صراعهم مع الدولة الوطنية؟ ألم يحمل الإعلام الإخواني، ولا يزال، كل أوجه التحريض ضد الأقباط، ويحفل بكل صور الأكاذيب والتضليل حيالهم، مثلما اعتاد على ممارسة ذلك على مدار عقود، واللافت أنه يكذب، ويصدق أكاذيبه. ومن ذلك ترديد أن ثورة 30 يونيو، وما سبقها من تظاهرات ضد الإخوان كان قوامها الأساسى من المسيحيين، أى أن الملايين الهادرة التى فاضت بهم شوارع المحروسة كانوا مسيحيين، فى الوقت الذى يروج الإخوان فيه من ناحية أخرى أن المسيحيين بضع ملايين لا يتجاوزون الخمسة ملايين وسط أكثر من مائة وعشرة ملايين مصري، فهل يعقل أن المسيحيين وحدهم دون المسلمين هم عماد الاحتجاج والثورة ضد حكم الإخوان؟ هم بالتأكيد يدركون  كذبهم، لكنهم يمارسون التحريض الطائفى لابتزاز المسيحيين من ناحية، وتقسيم المجتمع على أساس طائفى من ناحية أخرى. والآن تسعى المنابر الإخوانية لاستقطاب المسيحيين فى معركتهم ضد النظام بالنفخ فى أبواق الطائفية، وإشعار المسيحيين بالمظلومية، وهى نفس اللعبة المعتادة التى تستغل التحديات الاقتصادية، والضغوط المعيشية، لتحقيق مآرب سياسية. 

وعلى صعيد آخر إذا نظرنا إلى المستقبل السياسى للمسيحيين فى حالة تمدد حكم الإخوان فحدث ولا حرج،  سوف تتقلص  مشاركتهم فى المؤسسات السياسية بحيث تصبح تمثيلا سياسيا رمزيا طائفيا باهتا، بلا حضور حقيقي، استنادا إلى رؤية الاخوان لتسيد الأغلبية على الأقلية حسب اعتقادهم انهم يهيمنون على المسلمين جميعا فى مواجهة أقلية مسيحية، فى حين ان التفسير الحقيقى للأغلبية والأقلية ليس دينيا بل سياسيا، فلا المسلمين جميعا من تيار سياسى واحد، ولا المسيحيين كذلك، وتتعاقب الحكومات حسب توجهاتها السياسية مثلما يحدث فى أى نظام ديمقراطي.  

صفوة القول، أن المسيحيين فى فكر وممارسة الإخوان هم رهائن لا مواطنون، يبتزون بهم الغرب، ويضغطون عليهم لتحقيق مكاسب،  ويعتبرونهم موضوعا للمساوامة داخليا وخارجيا، وهو التطبيق المباشر للذمية فى ثوبها المعاصر، ويقف نقيضا للدولة الوطنية الحديثة التى تقوم على المواطنة المتساوية، وإعلاء شأن الكفاءات أيا كان معتقدها الديني، والاحتكام إلى حكم القانون، واحترام التنوع والاختلاف فى المجتمع.