عندما توحدت مصر.. رأيتها كما لم أرها من قبل
لواء طيار مقاتل: عبد الخالق مكى
يكتب:

قضيت سنوات طويلة فى الولايات المتحدة الأمريكية، حضرت خلالها مناسبات وطنية ورياضية كثيرة، ورأيت تجمعات للجالية المصرية فى أكثر من ولاية، لكننى أستطيع أن أقول بكل يقين: لم أشهد فى حياتى هذا القدر من التلاحم والتكاتف الذى صنعه منتخب مصر فى كأس العالم.
لم يكن الأمر مجرد مباراة لكرة القدم، بل كان ميلادًا جديدًا لمعنى الوطن فى قلوب المصريين.
لأيام متتالية، اختفت كل الفوارق. لم يعد هناك اختلاف فى الانتماءات أو الاتجاهات أو حتى الديانة. كان الجميع يحمل اسمًا واحدًا... مصر.
رأيت رجل الدين المسيحى يسير بجوار الفتاة المصرية المحجبة، ورأيت بعثة الأزهر الشريف وسط الجماهير، والجميع يرفع العلم نفسه، ويهتف الهتاف نفسه، ويبتسم الابتسامة نفسها. لم يكن أحد يسأل الآخر: من أنت؟ بل كان السؤال الوحيد: كيف نشجع مصر؟
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، تصدر اسم مصر الصحف الأمريكية وشاشات التليفزيون ووسائل الإعلام، ليس بسبب أزمة أو حدث سياسي، وإنما بسبب شعب عرف كيف يقدم نفسه بصورة حضارية راقية، وجماهير صنعت لوحة إنسانية أبهرت الإعلام الأمريكى قبل أن تبهر العالم.
وكان المشهد الأكثر تأثيرًا هو المسيرات التى خرجت فى شوارع المدن الأمريكية، حيث امتزج العلم المصرى بأعلام الدول العربية، فى رسالة عفوية تؤكد أن مصر حين تنهض، تلتف حولها الأمة العربية كلها.
أما الجماهير المصرية، فقد أبهرت الجميع بملابسها الفرعونية، وبرموز الحضارة المصرية القديمة، وبشخصيتها المميزة التى حملت آلاف السنين من التاريخ إلى مدرجات الملاعب. لم تكن مجرد جماهير تشجع منتخبًا، بل كانت حضارة كاملة تسير على قدميها.
وأعترف أن أكثر ما لامس قلبى كانت الأغانى الوطنية التى صدحت فى المدرجات. عندما ارتفعت الأصوات تغنى لشادية: «يا حبيبتى يا مصر»، شعرت أن آلاف الكيلومترات بين القاهرة وأمريكا قد اختفت، وأن الوطن أصبح حاضرًا بيننا بكل تفاصيله.
هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: الجماهير منحت المنتخب روحًا استثنائية، والمنتخب رد الجميل بأداء أعاد الروح للجماهير. كانت علاقة نادرة بين المدرج والملعب، كل منهما يمنح الآخر القوة والإيمان.
وبصفتى أحد مقاتلى حرب أكتوبر 1973، وطيارًا مقاتلًا شارك فى حرب المجد، لمست فى أداء هذا المنتخب الروح نفسها التى عرفناها فى رجال أكتوبر. روح المقاتل الذى لا يعرف المستحيل، ولا يعترف بالفارق، ويؤمن أن الإرادة قادرة على صناعة المعجزات.
ورأيت أيضًا فى هذا المنتخب شيئًا من روح المصريين الذين حفروا قناة السويس الجديدة فى عام واحد، والذين واجهوا الإرهاب وانتصروا عليه بدماء أبنائهم، وأعادوا رسم صورة الدولة المصرية أمام العالم. إنها الروح ذاتها... روح الإنسان المصرى عندما يؤمن بوطنه.
هذا المنتخب لم يقدم كرة قدم فقط، بل قدم درسًا فى الوطنية والانتماء والعزيمة. وأثبت أن مصر، عندما تتوحد خلف هدف واحد، تستطيع أن تبهر العالم داخل الملعب وخارجه.
قد تنتهى البطولة، وقد تتغير النتائج، لكن ما صنعته الجماهير المصرية فى الولايات المتحدة سيظل شاهدًا على أن مصر ليست مجرد دولة، وإنما وطن يسكن قلوب أبنائه أينما كانوا.
وهذا هو الانتصار الحقيقي.






