الثلاثاء 14 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
دموع صلاح.. وفرحة المصريين

دموع صلاح.. وفرحة المصريين

فى تاريخ المصريين أفراح كثيرة، ولكن هناك أفراحًا بنكهة عالمية، أفراحًا تأتى والمصريون فى انتظارها، متفائلين بأنها آتية لا ريب فيها، يحلمون ومن حقهم أن يحلموا، يجتهدون ومن حقهم ألا يصيبهم الإحباط، وعندما تفرح مصر، فهى تمتلك وسائل لا حصر لها للفرحة، يفرح شعب مصر كل بطريقته، فينبهر العالم بفرحنا، لأننا نعرف كيف نفرح ونغنى ونرقص، ونسهر للصباح نملأ الشوارع (طبل وزمر وكلاكسات وزغاريد)، نضحك ونبكى من شدة الفرح، لذلك يفرح لفرحنا كل من يعرف مصر حق المعرفة، مصر التى يُدَرّس تاريخ حضارتها فى كل بلاد العالم، باسمها (علم المصريات ــ Egyptology).



ولكن لماذا يفرح لنا الآخرون كل هذا الفرح ــ بعيدًا عن السياسة والحكومات ــ لأنهم يعلمون أن مصر تستحق ذلك وأكثر، الناس يعشقون مصر القوية، مصر القادرة، مصر الكبيرة، مصر المنتصرة، ويفرحون لأن مصر اتخذت مجلسها التى تستحقه على عرش التاريخ الإنسانى، فهذه مكانتها الحقيقية، وهذ هو قَدْرُ مصر وقَدَرُها، والكثيرون لا ينتظرون منها أقل من ذلك.  

تابعت بفخر وسعادة، أفراح الناس هنا فى مصر، وفى أمريكا، و فى العديد من البلاد العربية، ورأيت كيف يحتفل المصريون بمنتخبنا القومى ليس لأنه اجتاز عقبات وحواجز كانت مستعصية على مدى ثمانين عامًا، ولكن لأنه يفوز بإصرار ورجولة أبطال المنتخب، فازوا بصبر وجلد وجهود مضنية، ليمنح مصر لأول مرة شرف الصعود لدور الـ 16 فى كأس العالم، بلا هزيمة منذ أن بدأت تصفيات كأس العالم، رأيت دموع محمد صلاح، التى حركت مشاعر الملايين، وهو اللاعب العالمى صاحب الألقاب والجوائز العالمية الكبرى، لم تظهر عليه هذه الدموع الغالية، وهو يحقق لفريق ليفربول الانتصارات المتتالية، ولكن ظهرت هنا لأنه حقق انتصارًا لبلاده، لمصر التى ينتمى لأرضها وشعبها، قال اللاعب السويدى الأسطورة (زلاتان إبراهيموفيتش) عن بكاء صلاح: «هذه ليست دموع ضعف، بل هى دموع رجل حمل آمال أمة بأكملها لسنوات، حقق انتصارات عالمية مذهلة، ولكن عانده الحظ مع منتخب بلاده فى عدة بطولات، أنت لا تبكى لأنك فزت بمباراة، بل لأنك غيرت تاريخ بلدك فى كرة القدم إلى الأبد، لم يربح محمد صلاح مجرد مباراة، بل أصبح اسمه خالدًا فى قلوب الشعب المصرى».

أخيرًا انتصر الفريق القومى بلاعبيه ومدربيه وإدارييه المحليين، وحتى رغم خسارته أمام الارجنتين بكى صلاح لأن الفريق الذى يقوده حقق أحلام 120 مليون مصرى وأسعدهم، لأول مرة نرى كل هذا الحب ومظاهر الفرح العربى المشترك بمنتخب مصر، فرح حقيقى وتلقائى بمشاعر فياضة بالحب والسعادة والفخر لفوز مصر، فى (استوديوهات قناة بينى اسبورت) رقص العاملون خلف الكاميرات من كل الجنسيات كانوا يرقصون فرحًا بفوز مصر، لأنه فوز عزيز تأخر طويلًا على دولة بحجم مصر، الاحتفالات انتشرت بسرعة، وفى وقت واحد فى قطر والسعودية والإمارات والكويت، فى غزة وسوريا والأردن ولبنان، فى اليمن والعراق وليبيا والجزائر، فى الطائرات قبل أن تقلع عندما أعلن فوز المنتخب المصرى، فى حفلات الزفاف تركوا أغانى الأفراح، وراحوا يشاهدون المباراة، ورقصت العروس والعريس على نغمات ضربات الجزاء، لست كرويًا إلى هذا الحد، ولكن طفت بمواقع التواصل الاجتماعى، سيدة عربية قالت: «أغنية مصر بتعمليها إزاى أصبحت أغنية وطنية ملك الوطن العربى كله»، وقالت: «رفعنا أعلام مصر فى الشوارع، لأن مصر هى أم الدنيا علمتنا الكثير من الدروس وفرحتنا بها من القلب»، قرأت تعليقات وسمعت أغانى وهتافات بكل اللهجات العربية، تتغنى كلها باسم مصر ومنتخب مصر، كل هذا الحب ليس مفتعلًا، أن يحدث بمثل هذا الزخم والبهجة دون اتفاق مسبق، فهذا الفرح المشترك يؤكد أن الشعوب العربية لُحمة واحدة، ولكن أبواق الكتائب الإلكترونية المعادية هى التى تعكر صفو نهر المحبة الجارى دائمًا بين الشعوب العربية التى إذ اجتمعت لا أذهلت العالم.

كابتن حسام حسن مدرب المنتخب المتوهج دائمًا لحد الاحتراق من أجل أن يحقق انتصارات غير مسبوقة لمنتخب مصر، قال على الهواء مباشرة: «أنا باهدى الفوز إلى 120 مليون مصرى كان نفسهم يفرحوا، ولإخواننا فى غرْة اللى واقفين و بيشجعونا وفى ضهرنا، وباهدى الفوز لكل الشعوب العربية، وفلسطين هتفضل قضيتنا». لهذا كان كل هذا الحب، وهذا الفرح بفوز المنتخب المصرى، إنها أشياء لا تشترى بأموال الدنيا كلها، لأنها مشاعر حقيقية لا تعرف الكذب ولا الزيف. 

منتخب مصر كتب صفحة جديدة فى تاريخ الكرة المصرية، ستظل محفورة فى وجدان الشعب المصرى، ليست هذه أول مرة يفرح فيها المصريون، والشارع العربى مثل هذه الفرحة العالمية، لقد كانت هناك أفراح عالمية شبيهة بتلك اللحظة النادرة، حملت لنا على مر السنين حكايات لها تاريخ: فلقد فرحنا وفرح العالم كله معنا: عندما انتصرنا فى 6 أكتوبر 1973.. وفى 13 أكتوبر 1988 فرحنا وفرح العالم معنا عندما حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وفى 30 يونيو 2013 خرج 30 مليون مصرى يضعون نهاية لحكم المرشد.