غواية الحكى فى شهرزاد
صراع الذكورة والأنوثة على إيقاعات «البوليرو»
هند سلامة
قد تظن أنك على موعد مع مشاهدة حكاية “شهرزاد” الأشهر مع حبيبها شهريار صاحبة حكايات “ألف ليلة وليلة” الأسطورية الخالدة على مر العصور، لكن ما إن تعلم أن مخرج العرض ومصممه للرقص المعاصر وليد عونى، سوف تتخلى عن تخيل كل تقليدى ومعتاد تنتظره من هذا العمل الفنى الذى دأب عونى على تقديمه وإعادته ثم إعادة النظر والبحث فيه فكرا وتصميما ومضمونا حركيا وايقاعيا، “شهرزاد كورساكوف” كما رآها وقرأها عونى كما لم يقرأها غيره من قبل بأجساد ناطقة بالفكر والحكى قبل أن ترتجف راقصة على خشبة المسرح الكبير بدار الأوبرا.
فطنت شهرزاد فى يقظة شعورية بلحظة فارقة أن غواية الحكى ربما تنقذها من موت محقق، فقررت أن تلعب لعبتها بجذب انتباه هذا الرجل الغليظ “شهريار” المنتقم من كل أنثى مرت عليه بعد وقوعه فريسة لخيانة زوجته انتقم من كل عذراء إلا “شهرزاد” المرأة التى تمكنت من مخاطبة عقله وأسر وجدانه بقصص خيالية وحكايات مثيرة، جعلته يشتاق ويتوق يوما يلى الآخر إلى معرفة المزيد ونهاية كل حكاية، فلم تغلق شهرزاد الستار حتى الليلة الألف، هذه هى الحكاية الأشهر لكن كيف قرأ عونى وكيف جسدت “ِشهرزاد” التى جعلها رمزا خالدا لصراع الذكر والأنثى فى معركة السيادة والبقاء.
لم يهيئ عونى مدخلا تقليديا لبدء قرأته الآسرة لهذه الأنثى المتفوقة، بينما بدأ العرض واستهل حكايته للوصول إلى شهرزاد بإعادة قراءة واقعنا المعاصر عن صراع العروش والملوك من يحكم العالم ومن له يد فى تبدل الأدوار والسلطة من شاب يكنس مطعمًا لعدد من الرواد إلى آخر يحمل كتابا لحكايات “ألف ليلة وليلة” ومجموعة من النساء والرجال الذين ارتدوا ملابس معاصرة، وآخر يرتدى خوذة للأمم المتحدة رافعا يده باستغلال حق التصويت وخسارة القضية، وكأن هذه المنظمة متوقفة عن فعل كل ما أسست من أجله، من السياسية إلى تاريخ الأدب وصراعات الحب والسلطة ينتقل عونى بمرونة حركة الرقص إلى مسرورة التى تتسلم السلاح من موفد الأمم المتحدة ثم نجدها فى بداية العرض بملابس معاصرة تقتل رجلا على كرسى العرش ويتم استبداله بهذا الشاب الخادم الذى يكنس أرضية المطعم، ثم يتحول كل ما هو معاصر إلى تاريخى من حريم السلطان ودور النساء فى استبدال وتبدل السلطان بين الرجال إلى صراع الشخصية الأبرز “شهرزاد” و”شهريار”، ثم “مسرور” السياف الذى جعل له عونى معادلًا أنثويًا “مسرورة” وصراعهما معا أيضا فى تبادل أدوار لافت وموح لإعادة استخدام النوع الجنسى الـ«gender»!
يتسع الصراع بين الذكور والإناث فى هذا العمل وكأنك ترى هنا معركة لإثبات الذات الأنثوية وتفوقها على عقول نظيرها من الذكور فى مشاهد مفعمة بالرقص والصراع والبهجة والغواية حيث امتزج الرقص الشرقى بالمعاصر وتتابعت المشاهد ونمو العلاقة تدريجيا بين شهريار قاتل كل أنثى، وشهرزاد التى انتصرت على الإناث جميعا بمكرها ودهائها، وقع الرجل فى حبها حتى كادت أن تنسيه الملك والعرش بمتعة حكيها، صاغ المخرج والراقصون أبطال العرض هذه المعانى بصريا بأجساد ارتجفت راقصة ومحلقة على خشبة المسرح بمفردات حركية تنساب برشاقة ومرونة فى الكشف عن أسرار ما تكنه النفوس من مؤامرات تدبر فى الخفاء للوصول بفن الغواية إلى أسمى الغايات، اختتمت بمشهد القوس والسهم الذى اعتلت فيه شهرزاد ظهر شهريار معلنة انتصارها وبقاؤها على قيد الحياة باستقرار العلاقة بينهما عاطفيا وجسديا فى صورة بديعة جسدتها حبيبة سيد ونادر جمال حركيا بإتقان وروعة فى التحام جسديهما وحملها للقوس وإطلاقها للسهم حيث أصابت هدفها بقوة وثبات، ثم صراع “مسرورة” رشا الوكيل وكأنها تنافسها على محبة شهريار وتسعى بغيرة أنثوية لاحتلال مكانتها ومكانها، وكأن عونى بتبديل الأدوار بين ما هو ذكورى وتحوله إلى أنثوى يعيد قراءة الصراع الأزلى فى معركة اثبات الذات المنافسة والسعى إلى التفوق مرة بين الذكر والأنثى مسرور ومسرورة مينا ثابت ورشا الوكيل والاثنان لعبا بمهارة واقتدار واحتراف كبير وكأنهما يمثلان فى عمل مسرحى وليس مجرد أداء استعراضى لعرض راقص كان لهما حضور بليغ معا، ثم مرة أخرى بين “شهرزاد” ومسرورة” مكر الأنثى بالأنثى بمحاولة التخلص منها لاحتلال عرشها.
“البوليرو”
لم تتوقف رمزية الصراع الأزلى بين الذكورة والأنوثة عند عونى بحكايات “ِشهرزاد” كورساكوف بينما انتقل هذا الصراع فى رقصة “البوليرو” عن رائعة الراحل موريس رافيل بمناسبة مرور 150 عاما على وفاته و100 عام احتفالا بميلاد موريس بيجار مصمم الرقص المعاصر واستاذ وليد عونى الذى أهدى إليه هذا العمل الفنى الاستثنائى بمصاحبة أوركسترا أوبرا القاهرة التى صاحبت الفريق خلال العرضين وانتقلت بنا وبهم إلى أجواء عالمية وكأنك تشاهد وتستمع بأذنيك إلى عزف إحدى فرق الأوركسترا خارج حدود وجودك المحلى أبدع فريق أوركسترا أوبرا القاهرة بالتساوى والتوازى فى إخراج العرض على إيقاع موسيقى أضاف إليه ملامحه الدرامية الملحمية فى روعة وبهاء، تقوم رقصة “البوليرو” على تكرار الإيقاع اللحنى وبالتالى تكرار الحركة بشكل متصاعد على المسرح من خلال راقصة تتوسط منضدة تعلو وتهبط بحركة متكررة ويدور حولها مجموعة من الرجال بينما استبدل عونى منضدة بيجار بقرص شمس رع.. وكأن هذه المرأة تشكل حلمًا لكل رجل، فى أزمنة سحيقة كانت تمتلك المرأة زمام أمرها.. كانت إلهة تعبد فى العصر الأمومى سادت وتسيدت المشهد والموقف باقتدار، يعيد “البوليرو” بهذه المعانى فى قرص الشمس الذى يتحول إلى مركبة فضائية تصعد بالفضاء الكونى خارج المجرة، تتوسط وتعتلى خشبة المسرح وفى مدار حركة الشمس يدور فى فلكها الكواكب.. تصميم أقرب إلى لوحة من الفن التشكيلى خطت بريشة فنان وكأن هذه المرأة هى مركز حركة الكون يطوف حولها مجموعة من الرجال فى رقصة “ايروتيكية” بتكرار الصعود والهبوط عند منطقة الحوض أو الرحم مركز الخصوبة والنماء فهى مانحة الحياة يعاد الإيقاع الموسيقى وتعاد تلك الحركة الراقصة فى وضع دائرى، تتوسط المشهد تفلت من بينهم فى نفور وإباء ثم تختار من بينهم من تريد تراقصه ثم تختار الثانى والثالث.
حركة دائرية بطيئة بإيقاع موسيقى البوليرو الهادئ المتكرر الموحى بالمعانى المتدفقة مع حركة الرقص وكأن هذا الصراع الأزلى دائم متكرر عبر الأزمنة لا يتوقف عن الحراك وإن تبدلت الأدوار!.. أبدع بطلى العمل الثنائى عمرو باتريك وياسمين بدوى فى تقديم هذا العمل بمهارة استثنائية ومن شاركهم العمل من راقصين فى هذا الدوران الكونى الجماعى، انفرد “البوليرو” فى خصوصيته بكل عناصره بدءا من الموسيقى والتصميم الحركى سواء الفردى أو الرقصات الثنائية والجماعية مرورا بالتشكيل والمعادل البصرى بإستخدام الشاشات ورمز قرص الشمس الدائرى على المسرح، وكأنك فى مشاهدة أسطورية لعمل جاء من عالم آخر، كأننا ذهبنا إلى خارج المجرة نطالع أحد هذه العصور من أزمنة سحيقة وليس مجرد عرض راقص كل ما فيه كان مسخرا لخدمة ما أراده المخرج وأبطال العمل من معان وصراع الذكر والأنثى فى دورة حياة لا تنتهى.










