عبده مباشر
القيادة الاستراتيجية.. الحلم والواقع
فى كلمته فى اليوم المشهود لافتتاح مبنى القيادة الاستراتيجية، أشار إلى أن المتظاهرين الإخوان ومن معهم تمكنوا من حصار مباني ومنشآت وزارة الداخلية ورئاسة مجلس الوزراء والبرلمان وحاولوا الاقتراب من مبنى وزارة الدفاع خلال فوضى واضطرابات يناير 2011، كما أغلقوا المحكمة الدستورية وحاصروا مدينة الإنتاج الإعلامى، وكان من السهل القيام بذلك فكل هذه المنشآت فى قلب القاهرة، ثم قال إن ذلك لم يعد ممكنا الآن بعد أن تم إنشاء مقار جديدة، وعصرية بالعاصمة الإدارية.
وقال مذكرا إن هذه الفوضى الضاربة أدت إلى خسارة مصر 150 مليار دولار، وقال مذكرا أيضا إن الله حمى مصر، ونجت من هذه المحنة أما الدول التى لم تتمكن من النجاة فما زالت غارقة فى الفوضى والاضطرابات.
ومن أهم المنشآت الجديدة، بل يمكن القول أكثرها أهمية مبنى القيادة الاستراتيجية الذى يضم وزارة الدفاع ومقار رئاسة الأركان وهيئة العمليات والمخابرات الحربية وقيادات الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة والقوات البحرية والجوية والدفاع الجوى بالإضافة إلى مقار هيئات وإدارات القوات المسلحة والمنشآت الأخرى المرتبطة بأجهزة القيادة العامة والقيادة العليا للقوات المسلحة.
ونقول إن هذه القيادة كانت حلما استقر فى فكر وعقل عبدالفتاح السيسى منذ كان يقضى فترة دراسته بالولايات المتحدة بكلية الحرب العليا.
خلال هذه الفترة زار مقر القيادة الاستراتيجية الأمريكية، وكقائد عسكرى تبين أهمية هذه القيادة وأهمية الدور الذى تقوم به والمسئوليات التى تتحملها.
وسأل كثيرا وقرأ وبحث عن مزيد من المعلومات، وقتها تساءل ولماذا لا يكون لمصر مقر قيادة استراتيجية مماثل؟
لقد عرف أن الدول التى توجد بها منشآت مماثلة محدودة العدد، ومعظمها من القوى الرئيسية فى العالم، ولكن لماذا لا تكون مصر من بين هذه القوى؟
ويعود القائد بحلمه من الولايات المتحدة ويتدرج فى المناصب والقيادات، وحلمه يسكن فى أعماقه، وضاعف من حجم معلوماته، وكون صورة لما يمكن أن يكون عليه هذا الحلم فى الواقع.
وتشاء إرادة الله أن يصعد إلى قمة السلطة فى مصر بجدارة على طريق إنقاذها من الفوضى والاضطرابات، وبثبات يخطو على طريق النهضة المصرية المعاصرة بكل أبعادها ومكوناتها وفق رؤية استراتيجية واضحة المعالم، وينفتح الطريق أمامه لتحويل الحلم إلى واقع.
وتبدأ مرحلة الدراسات لإنشاء مقر للقيادة الاستراتيجية، ويستغرق الأمر وقتا فالهدف عظيم، وبالتالى يجب أن تكون الدراسات والتصميمات عظيمة وعصرية ومحققة للأهداف حاليا ومستقبليا، ويخطو الدارسون والمصممون بأناة، وتنتهى هذه المراحل ثم يبدأ التنفيذ.
وتقرر أن يتم الإنشاء على مساحة 850 فدانا، وأن تكون المنشآت الرئيسية ثمانية الأضلاع «أوكتاجون» وأوكتا تعنى ثمانية باللغة اليونانية، وأن تمزج بين المعمارين الفرعونى والإسلامى فى رسالة لا يمكن أن تخطئها الملاحظة فمثل هذه المنشآت ليست مجرد مبانِ، بل يجب أن تعكس الفخر والشموخ والهيبة والطموح والثراء الفكرى والنفسى والثقة العالية بالحاضر والمستقبل وعصرية الدولة ومسيرتها النهضوية المعاصرة، وارتباطها بكل ما حققته المسارات النهضوية السابقة كما أنها التجسيد المادى للروح والفلسفة العسكرية المعاصرة وللثقة العالية بالنفس.
وقد استغرق العمل أكثر من تسع سنوات، وشارك فيه أكثر من 18 ألف مهندس وفنى وعامل من 455 شركة مدنية وقد تم العمل تحت إشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ووصل عدد ساعات العمل إلى 31 مليون ساعة عمل ويعتمد المقر على الطاقة الشمسية لتوفير احتياجاته من الطاقة، وفوق أسطح المنشآت تنتشر ألواح الطاقة الشمسية.
ومنشآت مبنى القيادة الاستراتيجية منها ما هو فوق سطح الأرض، وما هو تحت سطح الأرض، وبما يضمن استمرار العمل بكفاءة طوال الوقت ويوفر التأمين المطلوب لمثل هذه المنشآت فغرفة العمليات ومركز القيادة والسيطرة تم إنشاؤه لكى يحقق الهدف بكفاءة وسرعة وبالوسائل العصرية المتوفرة للاتصالات الحديثة جدا والمؤمنة تماما.
وبالاعتماد على قدر هائل من المعلومات والبيانات ووجود مرجعية هائلة من السيناريوهات المختلفة يمكن للقيادة اتخاذ القرارات وتحريك القوات على مختلف المحاور لإنجاز المهام المطلوبة.
ووجود كل هذه المقار فى مكان واحد يضمن سرعة التنسيق وتبادل الآراء وتوفير المعلومات.
والقضية ليست فى المنشآت الحديثة بل فى توافر الوسائل الإلكترونية الأكثر حداثة وكل ما يساعد على القيادة والسيطرة على القوات فى أماكن انتشارها.
والمعدات والأجهزة الإلكترونية هى الأفضل فى الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة ووسائل وبرامج الذكاء الاصطناعى.
ويعكس ذلك الحضور القوى لكل أبعاد الأمن القومى ومتطلباته، والرؤية لأركان وعناصر الدولة العصرية، والرؤية المستقبلية لمصر وتطلعها لاحتلال المكانة التى تليق بها والوجود فى الموقع الذى تستحقه وفقًا لإمكانياتها وتاريخها وثباتها وتقدمها على أرض الواقع وحضورها كقوة وواقع إقليمى فعال، واعتراف القوى الأخرى بجدارة مصر بهذا الواقع الذى صعدت إليه عبر مشوار طويل من القيادة الرشيدة والحكمة والمواقف الموضوعية المعاصرة للاستقرار والسلام والتنمية.
القيادة الاستراتيجية منظومة متكاملة من الهيئات والإدارات تعمل بتناغم كامل لتحقيق القيادة والسيطرة على جميع الوحدات العسكرية.
وهنا تدور المناقشات استنادا إلى معلومات هائلة وضرورية، وتتخذ القرارات وتنسق المهام، والهدف تحريك القوات بكفاءة وسرعة ودقة فى جميع الاتجاهات الاستراتيجية.
ويضم مبنى القيادة الاستراتيجية مركز النظم ومراكز البيانات التى تضم بنية معلوماتية وافية ومتجددة، والأهم أنها مؤمنة تمامًا ومن العسير جدا محاولة اختراقها، وكل ما يستخدم من أجهزة ووسائل للتأمين هو الأحدث فى العالم، والأهم هنا أن العنصر البشرى الذى يعمل فى هذا المجال مؤهل تمامًا لتحمل هذه المسئولية.
وهذه المراكز تخدم الدولة والقوات المسلحة، ومركز المعلومات والبيانات الاستراتيجية يضم 11 مركزا رئيسيًا.
وكلها مراكز متخصصة، بخلاف مراكز العمل اليومى، وراعى المخططون أهمية وضرورة تحقيق الأهداف المحددة وإحكام السيطرة ومجابهة التحديات على المحاور والاتجاهات الرئيسية للدولة ويضم مركز الدفاع عن الدولة وتنسيق عمليات ومراحل وأساليب وخطط هذا الدفاع الذى سيتعاون فيه الجميع.
وتتضمن هذه المساحة الكبيرة للقيادة الاستراتيجية بجانب مراكز القيادة والمبانى والمنشآت العصرية التى تلبى جميع الاحتياجات ومساحات خضراء هائلة، ومواقع هى أقرب إلى القلعة لتأمين هذا الصرح الهائل جوا وبرا.
ومن المعروف أن الدول التى توجد بها مثل هذه القيادة محدودة العدد ومصر هى الدولة الوحيدة فى أفريقيا والشرق الأوسط التى سجلت وجودا وحضورا بين هذه الدول.
ولا بأس من أن نشير إلى أن الصين أنشأت حديثًا مبنى للقيادة الاستراتيجية يقع على مساحة 1500 فدان بالقرب من العاصمة بكين، وتعمل الصين على أن يكون الأضخم والأكثر اتساعًا من مبنى البنتاجون الأمريكى.
وهذا العمل رسالة مهمة وربما تعكس أو تشير إلى اقتراب الصين من الخروج من سياسة الكمون الاستراتيجية التى التزمت بها الصين طويلًا، لتقف على أبواب سياسة الفتح الاستراتيجى التى تأخذ بها الولايات المتحدة الأمريكية.
ولو حدث ذلك فسيكون متغيرا جذريا ورئيسيا فى عالمنا المعاصر.
ومقر القيادة الاستراتيجية المصرى هو مركز لكل مصر، ويعد عقلًا للدولة وتشكل هذه القيادة أهم عوامل الحفاظ على السلام والاستقرار لا فى مصر فقط بل فى المنطقة ككل.
وليس سرا أن الردع واحد من أهم أهداف وجود هذه القيادة، وكانت هذه الرسالة واضحة جدا للجيران وقد استقبلوها ومازالوا يدرسون الموقف ويحاولون فهم واستيعاب الأمر، والأهم محاولة معرفة معلومات عن كل الأسلحة الجديدة التى ظهرت خلال حفل الافتتاح الرائع بكل المقاييس.










