الخميس 9 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

جمهورية الإنتاج وتمكين الشباب

فى خطوة تعكس توجه الدولة نحو تعزيز الاقتصاد الإنتاجى وتحفيز الاستثمار المحلي، وجّه الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكومة بوضع خطة شاملة لإعادة هيكلة جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، بما يضمن تطوير دوره وزيادة فاعليته فى دعم رواد الأعمال، وتعزيز مساهمة المشروعات الإنتاجية فى تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.



وتستهدف إعادة الهيكلة تحويل استراتيجية الجهاز من التركيز على تقديم الخدمات التمويلية فقط إلى القيام بدور أكثر شمولًا فى دعم المشروعات الإنتاجية، بما يسهم فى توطين الصناعة، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المحلية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على توفير احتياجات السوق وتقليل الاعتماد على الواردات.

يأتى هذا التوجه فى وقت تولى فيه الدولة اهتمامًا متزايدًا بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، باعتباره أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، لما يمتلكه من قدرة على خلق فرص عمل، ودعم الصناعات المغذية، وتشجيع الابتكار، وزيادة معدلات الإنتاج والتصدير.

فى هذا الإطار، تؤكد الدكتورة يمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، أن توجيهات إعادة هيكلة جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر تمثل خطوة مهمة لمعالجة التحديات التى تواجه هذا القطاع، وتعزيز دوره فى دفع عجلة النمو الاقتصادي، وزيادة مساهمة الشباب والمرأة فى النشاط الإنتاجي، موضحة أن مؤشرات أداء قطاع المشروعات الصغيرة فى مصر لا تزال أقل من الطموحات، حيث تشير الدراسات إلى أن نسبة مشاركة الشباب فى هذا القطاع تتراوح بين 12% و16% فقط، كما أن مشاركة المرأة ما زالت محدودة، ما يعكس الحاجة إلى سياسات أكثر فاعلية لتمكين مختلف الفئات من الدخول إلى سوق ريادة الأعمال.

وتضيف: المشروعات الصغيرة تسهم بنحو ربع الناتج المحلي، فى حين تستحوذ الشركات الكبرى على نحو 75% من الناتج، فضلًا عن أن مساهمة المشروعات الصغيرة فى الصادرات لا تتجاوز 4%، ما يؤكد وجود فرص كبيرة غير مستغلة يمكن أن تسهم فى زيادة الإنتاج والصادرات وخلق المزيد من فرص العمل، إذا تم تطوير منظومة الدعم والتشغيل، مشيرة إلى أن الجهاز لم ينجح حتى الآن فى تكوين قاعدة واسعة من المستثمرين الصغار القادرين على تعزيز الاستثمار ورفع الطاقات الإنتاجية، على غرار التجارب الناجحة فى دول مثل الهند واليابان والصين وماليزيا، التى اعتمدت على المشروعات الصغيرة كأحد المحركات الرئيسية لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.

«حوافز ضريبية وتشجيعية»

وحول عملية تطوير المنظومة، تشدد على أنه يتطلب منح جهاز تنمية المشروعات صلاحيات أكبر تمكنه من أداء دوره بكفاءة، إلى جانب تعزيز التنسيق والتكامل مع مختلف الوزارات والجهات المعنية، ووضع آليات واضحة لمتابعة أداء القطاع وقياس نتائج البرامج والمبادرات بصورة دورية، مطالبة بضرورة تبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتقديم حوافز ضريبية وتشجيعية، إلى جانب توفير الخدمات الفنية والاستشارية التى تساعد رواد الأعمال على تحويل أفكارهم إلى مشروعات ناجحة وقادرة على المنافسة فى الأسواق المحلية والخارجية.

«الحماقي» تلفت إلى أن التوسع فى إنشاء حاضنات الأعمال يمثل أحد أهم أدوات دعم المشروعات الناشئة، مطالبة بإطلاقها فى الجامعات ومراكز التدريب والكليات والمدارس الفنية والمعاهد التكنولوجية، بما يسهم فى اكتشاف الأفكار المبتكرة واحتضانها وتحويلها إلى مشروعات إنتاجية توفر فرص عمل جديدة، وتدعم بناء جيل جديد من رواد الأعمال، بما يعزز مساهمة قطاع المشروعات الصغيرة فى الاقتصاد الوطنى خلال المرحلة المقبلة.

«مستقبل اقتصادى أكثر مرونة»

إلى ذلك، يرى الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، أن خطوة إعادة هيكلة جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر تمثل ركيزة أساسية فى صياغة مستقبل اقتصادى أكثر مرونة واعتمادًا على الإنتاج الذاتي، منوهًا إلى أن الرؤية الاقتصادية تنظر إلى إعادة هيكلة هذا الجهاز باعتبارها قوة دفع مباشرة لزيادة مساهمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة فى الناتج المحلى الإجمالي، حيث إن تحويل الجهاز من مجرد جهة تمويلية إلى مظلة تنسيقية متكاملة يضمن دمج القطاع غير الرسمى فى الاقتصاد الرسمي، ما يوسع القاعدة الضريبية والإنتاجية للدولة، ويسهم هذا التحول التنظيمى فى رفع كفاءة تخصيص الموارد، ويوجه الدعم المالى والفنى نحو القطاعات الأكثر قدرة على تحقيق قيمة مضافة، ما ينعكس إيجابيًا على معدلات النمو الاقتصادى ويقلل من الهدر التمويلي.

«الشافعي» يشير إلى أن الانتقال إلى محور توطين الصناعة، وتركيز الجهاز على المشروعات الإنتاجية والتشغيلية، يُعد حجر الزاوية فى استراتيجية إحلال الواردات وتعميق التصنيع المحلي، فعندما تتوجه الجهود نحو دعم الورش والمصانع الصغيرة المغذية للصناعات الكبرى، يقل الاعتماد تدريجيًا على مدخلات الإنتاج المستوردة، ما يخفف الضغط على العملة الأجنبية، وبمرور الوقت، تكتسب هذه المشروعات الصغيرة القدرة على رفع جودة منتجاتها لتطابق المعايير الدولية، ويفتح أمامها أسواقًا تصديرية جديدة ويعزز من تنافسية الصادرات المصرية فى الخارج.

«رقمنة الخدمات الحكومية»

وبشأن ضمان نجاح هذه المنظومة وتشجيع الشباب على خوض ريادة الأعمال، يشدد على أن ذلك يتطلب حزمة من الإصلاحات والتيسيرات الإجرائية الجريئة، ويجب أن تركز الدولة على تفعيل حقيقى لآلية الشباك الواحد لإنهاء تراخيص التأسيس والتشغيل فى غضون أيام معدودة، مع رقمنة جميع الخدمات الحكومية المتعلقة بهذا القطاع لتقليل البيروقراطية، كما ينبغى صياغة آليات تمويلية مبتكرة وميسرة، مثل التوسع فى ضمانات مخاطر الائتمان، وتقديم حوافز ضريبية ممتدة للمشروعات الناشئة، بالإضافة إلى توفير حاضنات أعمال ومجمعات صناعية جاهزة بالتراخيص لتقليل التكاليف الرأسمالية الأولية على الشباب.

ورغم الإيجابيات، يرى أن هناك تحديات واضحة قد تعوق تنفيذ خطة إعادة الهيكلة، تتصدرها البيروقراطية الإدارية ومقاومة التغيير داخل بعض الجهات التنفيذية، فضلًا عن ضعف الوعى الثقافى والتدريبى لدى بعض الشباب بآليات السوق وإدارة المخاطر، ولمواجهة هذه التحديات وضمان استدامة فرص العمل، يُقترح ربط خطط الجهاز بخرائط استثمارية جغرافية تحدد احتياجات كل محافظة بدقة، وتكثيف البرامج التدريبية والتأهيلية بالتعاون مع الجامعات ومراكز التدريب المهني، مع وضع نظام حوكمة صارم لمتابعة وتقييم أداء الجهاز لضمان تحقيق الأهداف القومية للتمكين الاقتصادي.

«تقليل فاتورة الاستيراد»

ويشيد الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، بتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى للحكومة بوضع خطة شاملة لإعادة هيكلة جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، مؤكدًا أن هذه الخطوة تمثل تحولًا جوهريًا فى دور الجهاز من جهاز تمويلى إلى جهاز تنموى إنتاجى يقود نمو الاقتصاد، ناهيك عن أن التركيز الجديد على الأنشطة الإنتاجية وتمكين الشباب يتوافق مع متطلبات المرحلة الحالية التى تحتاج إلى زيادة الإنتاج المحلى وتقليل فاتورة الاستيراد.

«غراب» يوضح أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 98% من إجمالى شركات القطاع الخاص فى مصر، لكن مساهمتها فى الناتج المحلى الإجمالى تُقدر بنحو 43%، موضحًا أن إعادة الهيكلة سترفع هذه النسبة من خلال 3 مسارات، أولها: ربط التمويل بخطة إنتاج وتسويق فعلية وليس تمويلًا استهلاكيًا، وثانيها: دمج المشروعات فى سلاسل التوريد للشركات الكبرى والمشروعات القومية، وآخرها: التحول الرقمى وتقديم خدمات غير مالية مثل التدريب والتسويق والتصدير، منوهًا إلى أن هذا سيضاعف مساهمة القطاع فى الناتج المحلي، ويرفع معدلات النمو، ويخلق ملايين فرص العمل المستدامة.

ويؤكد أن التركيز على المشروعات الإنتاجية فى توطين الصناعة وتقليل الواردات وتعزيز الصادرات يتوافق مع التوجهات الرئاسية نحو الصناعات التحويلية والغذائية والهندسية والكيماوية، ما يعالج ثغرة كبرى تتمثل فى استيراد منتجات يمكن تصنيعها محليًا، مشيرًا إلى أنه عندما يوجه الجهاز تمويله لمشروعات تغذى الصناعات الكبرى أو تنتج سلعًا بديلة للواردات، فإن ذلك يؤدى إلى تقليل الضغط على العملة الصعبة، كما أن دعم المشروعات التصديرية الصغيرة يفتح أسواقًا جديدة ويزيد حصيلة النقد الأجنبي.

«مبادرات تمويلية بضمانات ميسرة»

كذلك، يرى أن التمويل وحده للمشروعات لا يكفي، بل نحتاج إلى حزمة إصلاحات فورية، منها تفعيل «الرخصة الذهبية» للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الإنتاجية، وربط جميع الجهات فى شباك واحد داخل الجهاز، إضافة إلى إطلاق مبادرات تمويلية جديدة بضمانات ميسرة، والتوسع فى التمويل الجماعى والتمويل المتناهى الصغر المرتبط بالإنتاج، مع إعفاءات ضريبية لعدد من السنوات، إضافة إلى التسويق الجيد عن طريق إنشاء منصة وطنية لتسويق منتجات المشروعات الصغيرة وربطها بالمعارض والمنافذ الحكومية والتصدير.

وحول التحديات، يوضح «غراب» أن أبرزها يتمثل فى البيروقراطية، وضمان وصول التمويل لمستحقيه، وضعف ثقافة ريادة الأعمال، وصعوبة التسويق والمنافسة مع المنتج المستورد، علمًا بأن مواجهتها يتطلب فصل دور الجهاز عن أى تدخل حكومى مباشر، ليصبح كيانًا مرنًا يعمل بمنطق القطاع الخاص، إضافة إلى قياس الأداء بعدد المشروعات الناجحة المستمرة، وإقامة شراكة مع القطاع الخاص والبنوك والغرف التجارية لتنفيذ البرامج، إلى جانب تخصيص نسبة من المشتريات الحكومية لمنتجات المشروعات الصغيرة، موضحًا أن نجاح إعادة الهيكلة سيحول الشباب من باحثين عن وظائف إلى أصحاب أعمال، ويحول الاقتصاد من اقتصاد مستهلك إلى اقتصاد منتج ومصدر.

«توسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي»

ويرى الدكتور محمد البهواشي، خبير الاقتصاد، أن إعادة هيكلة جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر يمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز دور هذا القطاع الحيوى فى دعم الاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن المشروعات الصغيرة تعد أحد أهم محركات النمو الاقتصادى وتوفير فرص العمل، خاصة للشباب ورواد الأعمال، موضحًا أن من أبرز النتائج المنتظرة لعملية إعادة الهيكلة توسيع قاعدة الاقتصاد الرسمى من خلال دمج المشروعات العاملة فى القطاع غير الرسمي، ما يسهم فى زيادة الإنتاجية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز موارد الدولة، إلى جانب توفير مظلة قانونية وتمويلية تضمن استدامة هذه المشروعات ونموها.

ويضيف: إن نجاح خطة إعادة الهيكلة يرتبط بقدرة الجهاز على بناء جسور من الثقة بين المؤسسات الحكومية وأصحاب المشروعات الصغيرة، لافتًا إلى أن الشباب يحتاجون إلى جهة داعمة توفر لهم خدمات سريعة وإجراءات واضحة، بما يشجعهم على إطلاق مشروعاتهم والتوسع فيها، ويسهم فى زيادة مساهمة هذا القطاع فى الاقتصاد الوطني.

«دعم المشروعات الإنتاجية»

الخبير الاقتصادى يشير إلى أن الدولة قطعت شوطًا مهمًا فى تطوير البيئة التشريعية المنظمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث أصبحت القوانين واللوائح أكثر دعمًا للاستثمار وريادة الأعمال، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على كفاءة التنفيذ وتحويل هذه التشريعات إلى خدمات ملموسة يشعر بها المستثمر على أرض الواقع، مشددًا على أهمية التوسع فى تقديم الحوافز والتيسيرات، سواء فيما يتعلق بإجراءات الترخيص أو الحصول على التمويل أو الخدمات الفنية.

«البهواشي» يطالب بمواصلة جهود تطوير الجهاز الإدارى والقضاء على الممارسات البيروقراطية التى قد تعيق سرعة إنجاز الخدمات، مؤكدًا أن تحسين الأداء التنفيذى ورفع كفاءة العاملين سيكونان من أهم عوامل نجاح إعادة الهيكلة وتحقيق أهدافها التنموية، فضلًا عن أن إعادة هيكلة جهاز تنمية المشروعات تمثل فرصة حقيقية لإطلاق مرحلة جديدة من دعم المشروعات الإنتاجية، وتمكين الشباب، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، بما يعزز معدلات النمو ويحقق التنمية الاقتصادية المستدامة.