الإثنين 13 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

فى اختبار حقيقى لقوة الاقتصاد المصرى

كيف تستعد الحكومة لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولى؟

بينما تقترب مصر من إنهاء برنامجها الحالى مع صندوق النقد الدولى بنهاية عام 2026، بدأت الحكومة فى رسم ملامح مرحلة جديدة تبدو مختلفة عن سنوات الاعتماد على البرامج التمويلية التقليدية، فالتصريحات الرسمية الصادرة تكاد تتفق على رسالة واحدة بأنه لا مفاوضات حاليًا بشأن برنامج جديد مع الصندوق، لكن التعاون مع المؤسسات الدولية سيستمر بصيغ أكثر مرونة، تركز على الاستثمار والإصلاحات الهيكلية أكثر من الاقتراض.



وتعكس هذه الرسائل تحولًا فى طريقة إدارة العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية، من الاعتماد على القروض المرتبطة ببرامج إصلاح شاملة، إلى بناء شراكات طويلة الأجل تستهدف جذب الاستثمارات، وتعزيز دور القطاع الخاص، واستكمال الإصلاحات التى بدأت خلال السنوات الماضية.

وتدعم مؤشرات الأداء الاقتصادى الأخيرة توجه الحكومة نحو الانتقال إلى مرحلة «ما بعد صندوق النقد»، إذ واصل الاقتصاد المصرى تحقيق نتائج إيجابية على مستوى النمو والاستقرار المالى، فقد سجل الناتج المحلى الإجمالى نموًا بنحو 5.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالى 2025/2026، مع نمو بلغ 5% فى الربع الثالث.

فيما ارتفع صافى الاحتياطيات الدولية إلى 53.1 مليار دولار، وهو من أعلى مستوياته التاريخية، وفى الوقت نفسه، تراجع معدل التضخم السنوى فى المدن إلى 14.6% فى مايو 2026، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن إصلاحات أسعار الطاقة، بينما أكدت الحكومة وصندوق النقد تحقيق مستهدفات الفائض الأولى والإيرادات الضريبية، مع توقعات بارتفاع الفائض الأولى إلى نحو 5% من الناتج المحلى الإجمالى خلال العام المالى 2026/2027. 

وتعد هذه المؤشرات من أبرز العوامل التى تعزز قدرة مصر على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الاعتماد على الاستثمار والقطاع الخاص، دون الحاجة إلى برنامج تمويلى جديد مع صندوق النقد، مع استمرار التعاون الفنى مع المؤسسة الدولية واستكمال الإصلاحات الهيكلية.

وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولى، الأكثر وضوحًا عندما أعلن أن الحكومة لا ترى حاجة للدخول فى برنامج جديد مع صندوق النقد الدولى بعد انتهاء الاتفاق الحالى، مؤكدًا أن برنامج «تسهيل الصندوق الممدد» ينتهى رسميًا فى ديسمبر 2026، وأن الدولة تستهدف مواصلة الإصلاح الاقتصادى اعتمادًا على قدراتها الذاتية، مع استمرار التعاون الفنى مع الصندوق.

ويعنى ذلك عمليًا أن الحكومة لا تستهدف الحصول على قرض جديد مشابه للبرامج السابقة، لكنها فى الوقت نفسه لا تنهى علاقتها بالمؤسسة الدولية، إذ ستظل المشاورات الدورية والدعم الفنى جزءًا من التعاون المستقبلى.

جاء الاتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادى، ليمنح الحكومة دفعة قوية قبل الانتقال إلى مرحلة «ما بعد الصندوق»، بعدما أشاد صندوق النقد بتحقيق عدد من المستهدفات، أبرزها تحقيق فوائض أولية، وتحسين الانضباط المالى، والاستمرار فى تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، كما يتضمن الاتفاق استكمال التمويل المتبقى ضمن البرنامج الحالى، إضافة إلى تمويل مرتبط ببرنامج الصمود والاستدامة، فى انتظار اعتماد المجلس التنفيذى للصندوق.

ويرى مسئولون، أن نجاح المراجعة الأخيرة يمنح مصر مساحة أوسع للتحرك فى الأسواق الدولية دون الحاجة إلى التفاوض سريعًا على برنامج تمويلى جديد.

وفى الوقت نفسه، يُكرر وزير المالية أحمد كجوك فى مختلف لقاءاته أن الإصلاح الاقتصادى لم يعد مرتبطًا بوجود برنامج مع صندوق النقد، وإنما أصبح جزءًا من السياسة الاقتصادية للدولة.

وأكد الوزير أن الحكومة تعمل على زيادة الإيرادات الضريبية دون فرض أعباء جديدة، وخفض الدين العام، وتحسين إدارة المالية العامة، وتوسيع مساهمة القطاع الخاص، باعتبارها أهدافًا مستمرة سواء استمر برنامج الصندوق أو انتهى، كما يواصل التنسيق مع الصندوق فى إطار المراجعات الجارية وخطط الإصلاح المالى.

وتقوم هذه المرحلة على عدة محاور رئيسية، فى مقدمتها استمرار التعاون الفنى مع صندوق النقد الدولى دون الحصول على برنامج تمويلى جديد، والتوسع فى الاعتماد على التمويلات التنموية منخفضة التكلفة من المؤسسات الدولية، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص فى الاقتصاد، والإسراع فى تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية ووثيقة سياسة ملكية الدولة، مع الحفاظ على مرونة سعر الصرف والانضباط المالى.

وتتجه الحكومة إلى تعظيم دور مؤسسات التمويل التنموى، وعلى رأسها البنك الدولى، ومؤسسة التمويل الدولية، والبنك الأوروبى لإعادة الإعمار والتنمية، بما يسمح بتوفير تمويلات مرتبطة بمشروعات التنمية والاستثمار بدلاً من الاعتماد على القروض التقليدية.

ويرتبط هذا التوجه بعدة اعتبارات اقتصادية وسياسية أولها: إن الحكومة تسعى لإرسال رسالة إلى المستثمرين بأن الاقتصاد أصبح أكثر قدرة على تمويل احتياجاته دون اللجوء المتكرر إلى برامج الإنقاذ، وثانيها: إن تنفيذ إصلاحات كبيرة خلال السنوات الماضية، وفى مقدمتها تحرير سعر الصرف، وخفض الدعم تدريجيًا، والإصلاحات الضريبية، يمنح الدولة مساحة أكبر للاستمرار دون برنامج جديد.

أما الاعتبار الثالث: فيتمثل فى أن استمرار برنامج الطروحات الحكومية، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر، وتحسن إيرادات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، قد يوفر مصادر تمويل أكثر استدامة من الاقتراض الخارجى.

فيما أكدت مصادر مسئولة لـ«روزاليوسف»، أن العلاقة مع الصندوق لن تنتهى إذ ستعاود مصر مشاورات المادة الرابعة للاقتصاد سنويًا باعتبارها من الدول الأعضاء وسيكون هناك دعم فنى مستمر، مشددًا على أن العلاقة مع صندوق النقد لن تتوقف بانتهاء البرنامج الحالى، لكنها ستتغير فى طبيعتها، فمن المتوقع استمرار المشاورات السنوية، والتقييمات الدورية للاقتصاد المصرى، والتعاون الفنى فى ملفات السياسة النقدية والمالية العامة والإصلاحات الهيكلية، بينما يصبح اللجوء إلى برنامج تمويلى جديد خيارًا استثنائيًا وليس مسارًا دائمًا.

ووفقًا للمصادر، فإن نجاح مرحلة «ما بعد الصندوق» سيظل مرهونًا بقدرة الحكومة على تحقيق نمو يقوده القطاع الخاص، واستكمال برنامج الطروحات، والحفاظ على استقرار سوق الصرف، وزيادة الصادرات والاستثمارات الأجنبية، وخفض الدين العام بصورة مستدامة.

بينما أكد الدكتور فخرى الفقى، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب السابق، أن انتهاء برنامج مصر الحالى مع صندوق النقد الدولى لا يعنى انتهاء مسار الإصلاح الاقتصادى، بل يمثل بداية مرحلة جديدة تعتمد على قدرة الاقتصاد المصرى على تحقيق نمو مستدام من خلال الاستثمار والإنتاج وزيادة الصادرات، بدلاً من الاعتماد على برامج التمويل الخارجية.

وأوضح «الفقى»، أن مصر ليست فى حاجة إلى التفاوض على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولى بمجرد انتهاء الاتفاق الحالى، شريطة استمرار الحكومة فى تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، والحفاظ على الاستقرار المالى والنقدى، وتعزيز ثقة المستثمرين فى الاقتصاد المصرى.

وأشار إلى أن العلاقة مع صندوق النقد لن تتوقف بانتهاء البرنامج، موضحًا أن التعاون مع المؤسسة الدولية سيستمر من خلال المشاورات الدورية والدعم الفنى الذى يقدمه الصندوق للدول الأعضاء، حتى فى غياب أى اتفاق تمويلى جديد.

واعتبر رئيس لجنة الخطة والموازنة السابق، أن استكمال مراجعات صندوق النقد يمثل «شهادة ثقة» للاقتصاد المصرى أمام المستثمرين ومؤسسات التصنيف الائتمانى، بما يسهم فى تحسين قدرة الدولة على جذب الاستثمارات وخفض تكلفة التمويل.

وشدد على أن الإصلاح الاقتصادى يجب ألا يرتبط فقط بوجود برنامج مع صندوق النقد، وإنما ينبغى أن يتحول إلى نهج دائم للدولة، يرتكز على ضبط المالية العامة، وخفض معدلات الدين، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وزيادة مساهمة القطاع الخاص فى النشاط الاقتصادى.

وأضاف أن نجاح مرحلة «ما بعد الصندوق» يرتبط بعدد من الملفات الرئيسية، فى مقدمتها الإسراع فى تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، وتوسيع دور القطاع الخاص، وزيادة الصادرات، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، بما يعزز قدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبى من مصادر مستدامة.

ولفت إلى أن تحسن مؤشرات المالية العامة، وتراجع أعباء خدمة الدين تدريجيًا، يعكسان نجاح السياسات الاقتصادية التى تنفذها الحكومة، مؤكدًا أن الحفاظ على هذا المسار سيمنح الاقتصاد المصرى قدرة أكبر على تمويل احتياجاته دون اللجوء إلى برامج تمويل جديدة.

واعتبر أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد المصرى على مواصلة الإصلاحات وتحقيق معدلات نمو يقودها القطاع الخاص، بما يعزز ثقة الأسواق والمؤسسات الدولية فى أداء الاقتصاد على المدى الطويل.