الخميس 9 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

لا يأس مع العلم.. دكتوراة فى الثمانين

آمال إسماعيل: العمر مجرد رقم.. ولم أحقق كل أحلامى

حوار- أسامة الجمل



فى السن الذى يظن فيه البعض أن الحياة قد انتهت، قررت السيدة أمال إسماعيل أن تبدأ من الصفر؛ فعادت إلى الدراسة، وحصلت على الشهادة الإعدادية، ثم الثانوية العامة، ومنها إلى كلية الآداب، ثم الماجستير، واليوم، وهى فى الثالثة والثمانين من عمرها، تقف بكل فخر تناقش رسالة الدكتوراة فى علم الاجتماع وسط تصفيق وذهول الجميع.

آمال إسماعيل علمتنا أن العمر مجرد رقم، وأن الإرادة تصنع المستحيل عندما تتحدى الزمن والمرض، وأن النجاح لا يعرف سنًا ولا حدودًا. فهى أم مثالية تمسكت بالإرادة والعزيمة والتحدي، فجسدت أحلامها بامتياز، وتنفرد «روزاليوسف» بأول حوار صحفى مع أول سيدة فى الوطن العربى تحصل على درجة الدكتوراه فى عمر 83 عامًا، بعد أن أصبحت رمزًا للكفاح والمثابرة وتحقيق الأحلام المؤجلة.

■ بداية.. نود التعرف على من هى الدكتورة أمال؟

- أنا أمال إسماعيل متولى عبده، أبلغ من العمر 83 عامًا، من مواليد قرية الناصرة التابعة لمركز محلة الدمنة بمحافظة الدقهلية، وأقيم حاليًا بمدينة المنصورة. أنا أرملة، ولدى أربعة أبناء وعشرة أحفاد، ومؤهلى الدراسى هو الدكتوراة فى الآداب.

■ ما أسباب عدم استكمالك للمراحل التعليمية فى سن مبكرة؟

- كنت بنتًا جميلة، وكان والدي، المرحوم الحاج إسماعيل، عمدة القرية. وكنا ثمانى بنات، ولم يكن لدينا إخوة ذكور. وكان الزواج المبكر للفتيات عادة وعرفًا فى الريف، وكان أقصى مؤهل دراسى للبنت فى قريتنا هو الشهادة الإعدادية.

تقدم زوجى لخطبتى وأنا فى الصف الأول الإعدادي، فوافقت الأسرة، وتركت الدراسة رغم أننى كنت متفوقة، ثم تزوجت بعد عام واحد وكان عمرى 14 عامًا. وأقمت معه فى إحدى العزب المجاورة لقريتنا، ثم انتقلنا بعد ذلك للإقامة فى مدينة المنصورة، وما زلت أقيم بها حتى الآن.

■ تركتِ التعليم بعد حصولك على الشهادة الابتدائية، وأنتِ فى الصف الأول الإعدادي، فهل كان لذلك تأثير سلبى على تعليم أبنائك؟

- لدى حب وشغف بالتعليم لا حدود لهما، ولم أبتعد يومًا عن طلب العلم، فأنا بطبعى أحب القراءة. وبعد أن أنجبت ابنتى الكبرى الدكتورة سونة، وعندما كانت فى سن الروضة، كانت تلك بداية عودتى المبكرة إلى التعليم، إذ كنت أذاكر لها ولإخوتها فى جميع المراحل التعليمية حتى تخرجوا جميعًا بتفوق، وأصبحوا يشغلون مناصب مرموقة.

فالدكتورة سونة طبيبة أشعة وحاصلة على درجة الماجستير، والدكتور محمد رئيس قطاع سابق بشركة أبو قير للأسمدة، وحاصل على الدكتوراة فى الهندسة الكيميائية من جامعة الإسكندرية، والدكتورة شرين أستاذة بكلية الإعلام، والمهندس مصطفى يعمل بقطاع البترول.

ولم يتوقف دورى فى مساعدة أبنائى على التعليم، بل امتد إلى أحفادى أيضًا، فأصغرهم يبلغ من العمر 15 عامًا، وأكبرهم الدكتورة يارا، وتبلغ من العمر 40 عامًا، وهى أستاذة بكلية العلاج الطبيعى بجامعة بنها. وقد جمعت بين أنظمة التعليم المختلفة، وهو ما ساعدنى على العودة إلى المدرسة واستكمال تعليمى بعد أن أديت رسالتى تجاه زوجى وأبنائي.

■ ما الفترة الزمنية التى استغرقتها مراحل تعليمك حتى الحصول على الدكتوراة؟

- حصلت على الشهادة الابتدائية فى موعدها، ثم التحقت بالصف الأول الإعدادي، لكننى لم أستكمل العام الدراسى بسبب خطبتى وزواجى وأنا فى الرابعة عشرة من عمري.

ثم قررت العودة إلى المدرسة عندما بلغت الخامسة والثلاثين من عمري، فالتحقت مرة أخرى بالصف الأول الإعدادي، وحصلت على الشهادة الإعدادية وأنا فى الثامنة والثلاثين من عمري.

وبعد ذلك انقطعت عن التعليم بسبب إصابتى بمرض السرطان، وعشت سنوات طويلة من العلاج، لكننى هزمته مرتين بالإرادة والصبر والثقة بالله.

وبعد مرور 30 عامًا، تقدمت بطلب إلى وزارة التربية والتعليم للالتحاق بالمرحلة الثانوية العامة، وحصلت عليها وأنا فى الحادية والسبعين من عمري، ثم التحقت بكلية الآداب بجامعة المنصورة وتخرجت فيها، وبعدها حصلت على درجة الماجستير بتقدير امتياز وأنا فى الثمانين من عمري، ثم حصلت على درجة الدكتوراة فى 5 يوليو 2027 وأنا فى الثالثة والثمانين من عمري.

■ على أى أساس وقع اختيارك على موضوع رسالة الدكتوراة؟ وهل كان مرتبطًا بعمرك؟

كنت أتمنى أن يكون موضوع الرسالة عن المخدرات وتأثيرها السلبى والمدمر على الأسرة والمجتمع المصري.

 

 

 

- أما فكرة الرسالة، التى جاءت بعنوان: «الشيخوخة وعلاقتها ببعض المتغيرات السوسيولوجية: دراسة لبعض الحالات المختارة بجامعة المنصورة»، فقد اقترحتها الدكتورة فتحية الحوتي، رئيس قسم الاجتماع بكلية الآداب جامعة المنصورة، والمشرفة على الرسالة، وهو موضوع مهم لا يقل أهمية عن موضوع المخدرات.

■ ما شعورك بعد أن أصبحتِ أول سيدة مصرية وفى الوطن العربى تحصل على الدكتوراه فى عمر 83 عامًا؟

- سعيدة جدًا، وشعورى لا يوصف بحجم الفرحة والسعادة بعدما رأيت المشاعر الطيبة والفرحة الكبيرة فى عيون الجميع.

والدكتوراة لها مكانة خاصة عندي، خاصة أننى لم أُكرم من أى جهة بعد حصولى على درجة الماجستير بتقدير امتياز.

كما أن حضور الدكتور شريف خاطر، رئيس جامعة المنصورة، ونواب رئيس الجامعة، ولفيف من عمداء الكليات وأعضاء هيئة التدريس ووسائل الإعلام المختلفة، كان تشريفًا كبيرًا بالنسبة لي، إلى جانب تكريمى من اللواء طارق مرزوق، محافظ الدقهلية، بمكتبه، ثم تكريمى من رئيس الجامعة.

■ كيف استطعتِ تحقيق كل هذه النجاحات رغم إصابتك بالسرطان والتقدم فى العمر؟

- تقدمى فى العمر ومرضى لم يكونا عائقًا أمام تحقيق أحلامى وإثبات ذاتي، بل على العكس، كانا الحافز الأساسى لنجاحي. وأؤمن بأنه لا بد من التمسك بالأمل، والتفاؤل، والإرادة، وحب الحياة، والصبر، والإيمان بالله، والعزيمة.

هذا إلى جانب تشجيع أبنائى وأحفادي، فهم أول الداعمين لي. كنت أراجع معهم مئات الكلمات باللغة الإنجليزية والفرنسية، وكانوا يساعدوننى فى إعداد الأبحاث، فضلًا عن متابعتهم الدقيقة لحالتى الصحية، وحرصهم على انتظامى فى تناول العلاج، وسهرهم بجوارى خلال فترات الامتحانات.

كما لا أنسى الدعم والمساندة اللذين تلقيتهما من الأساتذة وأعضاء هيئة التدريس بالجامعة، ومساعدتهم لى فى إنجاز رسالتى الماجستير والدكتوراة.

■ ما الهدف من حصولك على الماجستير والدكتوراة فى هذا العمر؟

- هدفى لم يكن الحصول على درجة علمية من أجل الترقية، أو تولى منصب وظيفى أعلى، أو تحقيق مكاسب مادية أو دنيوية، وإنما أردت أن أوجه رسالة إلى البشرية بأن العمر مجرد رقم، وأن النجاح ثمرة المثابرة، وأنه ليس من الحكمة أن يظل الإنسان أسيرًا لشهادة ميلاده، فيؤجل أحلامه لأنه ما زال صغيرًا، أو يدفن طموحه بحجة أنه أصبح كبيرًا أو كهلًا.

فكم من نجاح جاء متأخرًا، لكنه كان أكثر نضجًا وأبقى أثرًا، وكم من حلم وُلد بعد عقود من الانتظار، فأثبت أن الوقت لا يقف عائقًا أمام الإرادة الصادقة.

■ ما رسالتك للشباب؟

- رسالتى ليست مقتصرة على الشباب من الأبناء والأحفاد فقط، وإنما أيضًا إلى كبار السن. وأؤكد ضرورة الحفاظ على عقول كبار السن وعدم إهمالها، فهم أهل الخبرة والمعرفة والتجارب العملية فى الحياة.

ويجب التعامل مع المسن باحترام، وأن يحمد الإنسان الله على وجوده، فهو بركة وليس عبئًا. كما يجب على الدولة أن توفر للمسن كل ما يساعده على أن يحيا حياة كريمة، من مأكل ومشرب وعلاج، إلى جانب منحه امتيازات فى الأندية، والأماكن الترفيهية، ووسائل المواصلات، والمستشفيات.

ورسالتى للجميع أن طلب العلم لا يرتبط بسن، فلا حياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة، وبالإرادة تتحقق الآمال والأحلام، ويتحقق المستحيل.

 

 

 

■ هل الآن حققتِ طموحك وكل أحلامك؟

- الإجابة القاطعة: لا.

فأنا أرغب فى الالتحاق بكلية الآداب لدراسة اللغة الفرنسية أو الإنجليزية، وأسعى إلى كتابة قصة حياتي، ولن أتوقف عن طلب العلم، لكننى أخشى أن يقعدنى المرض يومًا فى الفراش ويمنعنى من مواصلة مسيرة التعليم.

■ بعد حصولك على الدكتوراة، هل تلقيتِ أى عروض للتدريس بإحدى الجامعات؟

- رئيس جامعة المنصورة طلب منى المشاركة فى الصالون الثقافى للجامعة، وحتى الآن لم أتلقَّ أى عروض للتدريس. وإذا تلقيت أى عرض، فأنا جاهزة وعلى أتم الاستعداد، وأتمتع- بفضل الله- بصحة جيدة.