سياسيون: هذه روشتة علاج أمراض الحياة الحزبية
محمد السيد وزينب ميزار
شهدت الحياة السياسية فى مصر مرحلة تحول فارقة، توجتها الرسائل والتوجيهات الرئاسية الأخيرة خلال افتتاح مركز القيادة الاستراتيجية، والتى أعلنت بوضوح انتقال الدولة من مرحلة إتاحة الفرص وتهيئة المناخ المستقر إلى مرحلة تقييم أداء القوى السياسية.
وفى ظل هذه التوجيهات ومخرجات الحوار الوطنى، يرى خبراء أن المسئولية أصبحت تقع بالكامل على عاتق الأحزاب لتطوير أدائها، والانتقال من الأنشطة الموسمية إلى التواجد المستدام فى الشارع.
وتبرز استعدادات انتخابات المجالس المحلية المقبلة، كاختبار حقيقى وقناة شرعية لضخ دماء جديدة من الشباب والمرأة، وتخفيف العبء عن البرلمان، بما يرسخ التعددية ويجعل من الأحزاب شريكًا فاعلًا فى صنع القرار والتنمية.
يقول اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية: «إن الدولة نجحت فى توفير مناخ أكثر استقرارًا يدعم تطوير العمل الحزبى، وأصبحت المسئولية تقع على عاتق الأحزاب لتطوير أدائها، والانفتاح على المجتمع، وتقديم خطاب سياسى واقعى يعبر عن هموم المواطنين، ويرسخ التعددية السياسية، ويجعل الأحزاب شريكًا فاعلًا فى مسيرة التنمية وصنع القرار».
ويوضح «فرحات»، أن المشهد الحزبى شهد تطورات خلال السنوات الأخيرة، فى ظل الانفتاح السياسى ومخرجات الحوار الوطنى، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من العمل لتجاوز عدد من التحديات، فى مقدمتها ضعف التواصل المباشر مع المواطنين، وغياب البرامج السياسية المتخصصة لدى بعض الأحزاب، واعتماد بعضها على النشاط الموسمى المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية، بدلًا من التواجد المستمر فى الشارع وتبنى قضايا المجتمع.
ويشير استاذ العلوم السياسية، إلى أن إصلاح العمل الحزبى يبدأ ببناء أحزاب تمتلك رؤية واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ، وتضم كوادر سياسية مؤهلة قادرة على إدارة الحوار مع المواطنين، وطرح حلول واقعية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، على أن يعمل الحزب طوال العام، ويسهم فى صناعة الوعى، ويقدم مبادرات تخدم المجتمع، ولا يقتصر دوره على المشاركة فى الانتخابات، منوهًا إلى أن الاستعدادات الجارية للمجالس المحلية تمثل فرصة حقيقية أمام الأحزاب لإثبات قدرتها على الدفع بعناصر تمتلك الكفاءة والخبرة والارتباط الحقيقى بالمواطنين.
ويؤكد «فرحات»، أن نجاح الأحزاب فى هذا الاستحقاق يرسخ الثقة بينها وبين الشارع، ويمنح الحياة السياسية مزيدًا من الحيوية، إلى جانب أهمية الاستثمار فى إعداد وتأهيل الشباب والمرأة داخل الأحزاب، باعتبارهما الركيزة الأساسية لتجديد النخب السياسية، لافتًا إلى أن بناء ديمقراطية قوية لا يعتمد على إجراء الانتخابات فقط، وإنما على وجود أحزاب قادرة على إعداد قيادات مؤهلة، وصياغة سياسات تستجيب لاحتياجات المواطنين.
فيما يرى الدكتور طارق فهمى، استاذ العلوم السياسية، أن الرسائل التى تضمنها خطاب الرئيس بشأن الأداء الحزبى تمثل انتقالًا من مرحلة إتاحة الفرص إلى مرحلة تقييم الأداء، موضحًا أن الدولة وفرت خلال السنوات الماضية البيئة التشريعية والسياسية الداعمة للمشاركة، وأصبح المطلوب من الأحزاب تقديم أداء أكثر فاعلية يواكب متطلبات المرحلة.
ويعتبر «فهمى»، أن المرحلة المقبلة تفرض على الأحزاب إعادة ترتيب أولوياتها، والانتقال من الخطاب التقليدى إلى تبنى رؤى وبرامج قابلة للتطبيق، مضيفًا: «أن دعوة الرئيس إلى استكمال انتخابات المجالس المحلية تحمل رسالة بأهمية توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، وإعداد قيادات جديدة قادرة على التعامل مع القضايا المحلية، بما يدعم كفاءة الإدارة المحلية، ويعزز مسار الإصلاح السياسى والتنمية المتوازية».
وعن توجيهات الرئيس بشأن تنشيط الحياة الحزبية، تذهب الدكتورة غادة جابر، أستاذة العلوم السياسية، إلى أنها تظهر حرص الدولة على استكمال مسار الإصلاح السياسى، بالتوازى مع جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية، موضحة أن بناء الجمهورية الجديدة تتطلب أحزابًا أكثر حضورًا وفاعلية فى الشارع.
وتنوه «جابر»، إلى أن الحياة الحزبية تمثل إحدى الركائز الأساسية لأى نظام سياسى، إلا أنها لا تزال تواجه عددًا من التحديات، فى مقدمتها ضعف البناء التنظيمى لبعض الأحزاب، ومحدودية انتشارها بين المواطنين، وغياب البرامج المتخصصة القادرة على تقديم حلول واقعية للقضايا الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن اقتصار نشاط بعض الأحزاب على فترات الاستحقاقات الانتخابية.
وتتابع أستاذة العلوم السياسية: «أن تطوير الحياة الحزبية يبدأ بتعزيز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، والاستثمار فى إعداد وتأهيل الكوادر، خاصة الشباب والمرأة، بما يضمن تجديد النخب السياسية وإعداد قيادات تمتلك الكفاءة والخبرة، إلى جانب تطوير الخطاب السياسى ليصبح أكثر ارتباطًا باحتياجات المواطنين، مع توظيف الأدوات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة لتعزيز التواصل مع مختلف الفئات».
وتستكمل «جابر»: «المرحلة المقبلة تمثل فرصة حقيقية أمام الأحزاب لإثبات قدرتها على التفاعل مع الشارع، من خلال تقديم برامج قابلة للتنفيذ، والانخراط فى المبادرات المجتمعية، وبناء تحالفات قائمة على البرامج والرؤى المشتركة»، مؤكدة أن انتخابات المجالس المحلية تمثل خطوة مهمة فى استكمال البناء المؤسسى للدولة، لما لها من دور فى تعزيز الرقابة على الأداء التنفيذى، ومكافحة الفساد، ودفع عجلة التنمية، بما يسهم فى تحسين جودة الخدمات وتلبية احتياجات المواطنين، ويعزز مسار الإصلاح السياسى الذى تتبناه الدولة.
أما الدكتور مختار الغباشى، الأمين العام لمركز الفارابى للدراسات السياسية، فيقول: «إن الحياة الحزبية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الحراك، وإن كثيرًا من الأحزاب يقتصر نشاطها على فترات الاستحقاقات الانتخابية، بينما يغيب تواصلها المستمر مع المواطنين، وهو ما يحد من قدرتها على أداء دورها السياسى والمجتمعى».
ويكشف «الغباشى»، أن أبرز التحديات التى تواجه الأحزاب تتمثل فى ضعف وجودها بالشارع، وعدم قدرتها على إفراز شخصيات سياسية تمتلك الكفاءة والحضور، وقادرة على التعبير عن قضايا المواطنين، وممارسة دورها الرقابى والتشريعى بفاعلية، بما يسهم فى ترسيخ ثقة الشارع فى العمل الحزبى.
ويستطرد الأمين العام لمركز الفارابى، قائلًا: «إن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة النظر فى شكل الحياة الحزبية، من خلال تشجيع اندماج الأحزاب ذات التوجهات المتقاربة لتكوين كيانات سياسية أكثر قوة، إلى جانب تكثيف الندوات والفعاليات التى تناقش القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما يعيد الأحزاب إلى قلب المشهد العام».
ويشدد «الغباشى»، على أن إصلاح الحياة الحزبية يبدأ ببناء كوادر سياسية مؤهلة تمتلك المعرفة والخبرة، وتستطيع تقديم حلول واقعية لمشكلات المواطنين، مطالبًا الأحزاب بإعداد «حكومات ظل» تضم متخصصين فى مختلف المجالات، يؤهلها لطرح بدائل وسياسات واضحة، ويؤكد جاهزيتها لتحمل المسئولية.
ووفق تصريحات الخبير السياسى، فإن الأحزاب القوية تمثل ركيزة أساسية لأى نظام ديمقراطى، لأنها تفرز قيادات سياسية قادرة على التعبير عن المواطنين، وممارسة دورها الرقابى بفاعلية، ومتابعة أداء الحكومة، بما يخدم الدولة، ويرسخ ثقة المواطنين فى الحياة السياسية.
ويرى الدكتور إكرام بدرالدين، أستاذ العلوم السياسية، أن تقييم جاهزية الأحزاب للمحليات يجب أن ينفصل عن أدائها فى الانتخابات التشريعية، لاختلاف طبيعة المحليات وقربها المباشر من المواطنين، لافتًا إلى أن التفاوت الواضح بين عدد محدود من الأحزاب التى أثبتت حضورها برلمانيًا، والعدد الأكبر الذى لا يزال تأثيره محدودًا، فى ظل ضرورة ملحة لإجراء الانتخابات بعد 15 عامًا من غياب المجالس المحلية المنتخبة.
ويلفت أستاذ العلوم السياسية، إلى أن المحليات أداة أساسية لفهم تباين مشكلات المحافظات وتخفيف الأعباء عن البرلمان لمنح النواب فرصة التركيز على التشريع، خاصة إذا منحت المجالس المحلية صلاحيات رقابية حقيقية، معتبرًا أن عودتها بصلاحيات رقابية ستنشط الحياة الحزبية وتدفع الأحزاب للارتباط بقضايا الناس، رغم قناعته بأنها لن تغير خريطة القوى الحزبية جذريًا، بل ستفتح المجال أمام الأحزاب غير الممثلة لاختبار قوتها وتوسع قاعدة التمثيل السياسى على المستوى المحلى.






