محمد بغدادي
رسائل الفنان حجازى!
فى مثل هذه الأيام، وبالتحديد يوم 18 يونيو 1998، أرسل لى الصديق الفنان أحمد إبراهيم حجازى رسام الكاريكاتير الشهير بتوقيعه المميز (حجازى)، رسالة رقيقة، هذا نصها:
«الصديق العزيز محمد بغدادى
تحياتى وتمنياتى بالصحة والتوفيق وشكرا على رسالتك الشعرية الرقيقة وشكرا على الكتب التى أرسلتها لى وقريبا سوف أتصل بك لتحديد موعد أراك فيه لأنك واحشنى جدا وأنا طبعا مش قافل الأبواب فى وجه الأحباب أبدًا.. وبالمناسبة:
أنا مش بعيد ولا بتبغدد كله إلاّ دى
مين ده اللى يقدر يتبغدد على بغدادى
وشكرا لك وإلى اللقاء»
18 / 6 / 1988
حجازى
وكنت أرسلت له عددا من نسخ كتابه، ورسالة تضمنت سداسية من أشعارى، أداعبه وأعاتبه فيها لأنه منذ صدور الكتاب الذى قمت بإعداده وتقديمه بعنوان «حجازى فنان الحارة المصرية»، وهو يتهرب من إجراء حوار معه، رغم أننا التقينا عدة مرات، فى (يوم الأحد المفتوح) وهو اليوم الذى كان يسمح فيه حجازى باستقبال عدد محدود من الأصدقاء من كبار كتاب مؤسسة روزاليوسف وصباح الخير منهم الكاتب والروائى علاء الديب، والفنان بهجت عثمان، والشاعر فؤاد قاعود، والكاتب محمد قناوى، والكاتب عادل حمودة، والفنان عبد العال... وغيرهم، وفى كل مرة كنت أطلب منه أن يخصص لى يوما لعمل حوار معه، يتصدر الجزء الثانى استكمالا للكتاب الأول الذى أنجزته بعد رحلة مضنية استغرقت من عمرى خمس سنوات لجمع شتات أعمال حجازى الكاريكاتورية منذ عام (1955 حتى عام 1995)، التى وقعت فى غرامها منذ أن رأيتها وأنا طفل صغير وحاولت تقليدها مرة، واستنساخها مرة أخرى، ولكنه كان يرفض دائما بلباقة وتواضع يليق بكبار الفنانين من طبقة العظماء الزاهدين فى كل شى، إذ كان يرى أن ما يبدعه من رسوم مجرد عمل يؤديه بحكم وظيفته كرسام بمؤسسة روزاليوسف، وهذا الكلام الذى كان يردده حجازى يحمل عمق فلسفته فى الحياة، ورؤيته لما يقدمه من رسوم تعبر عن مرحلة سياسية واجتماعية بعينها، ستنتهى ويطويها النسيان، ويبدو هذا واضحا فى رده الثانى الذى أرسله لى مع زميلنا بمؤسسة روزاليوسف «عبد العزيز خطاب»، وهو حامل مفاتيح خزائن أسراره، ورسوله الوحيد إلى كل الناس والعالم الخارجى، وله حكاية لابد من الحديث عنها يوما ما، وكنت قد طلبت من الفنان حجازى تحديد موعد نلتقى فيه لمناقشة رغبتى فى جمع أعماله وإصدارها فى كتاب، وجاء الرد فى سطور قليلة ولكنها تحمل كل سمات شخصية حجازى البسيطة الملغزة فى آن واحد، وفلسفته الفطرية تجاه الحياة والبشر، والسياسة والثقافة والصحافة، وكان نص رده على:
«يا بغدادى أشكرك على رقتك واهتمامك وطبعا يسعدنى أن أراك فى أى وقت لكن بلاش جهاز التسجيل لأنى بصراحة مش شايف إنى رسام مهم ولا أى حاجة الحكاية كلها إنى جيت من طنطا للقاهرة أشوف شغلانة آكل منها عيش وسجاير وطلعت الشغلانة فى الصحافة لأنى وانا كنت فى ثانوى كنت باعرف أرسم شوية.. بس كده.. تحياتى وحبى لك وإلى اللقاء».
«حجازى»
لم يكن حجازى لديه أى رغبة فى جمع رسومه، أو الاحتفاظ بها، ولم يود أن يكون هناك كتاب يضم أعماله، كان هذا الرد صادما ومحبطا بالنسبة لى، خاصة أن الكلام عن الفنان حجازى دون أن يتكلم ويبوح بأسرار عالمه المدهش والمبهر أمر بالغ الصعوبة، ومهما ادعى أى واحد منا ــ نحن الذين اقتربنا من حجازى وعالمه الساحر ــ أنه قد عرف حجازى حق المعرفة فهو واهم، فحجازى عالم مغلق ومجهول، متسع وعميق، قد يحسبه البعض أنه صامت لا مبال، فيما هو شديد العمق، وقد يرى البعض أنه سهل ومتباسط، فيما هو مترفعوزاهد عن كل شيء، شامخ النفس شديد الاعتزاز بذاته، مخلص بلا مواربة فى انحيازه للفقراء والبسطاء، يمتلك قناعة بأن الخير واضح، والشر أشد وضوحا، والظلم قائم، والحق والعدل صعب المنال، وعليك أن تختار طريقك بحرية تامة، لذا فقد كان حجازى الفنان والإنسان ذا خلق بريء عن الهوى، وكأنه نبى أو ملاك، لم يضبط ذات يوم يتحدث عن أحد بسوء، ورغم زخم هذه الشخصية المتفردة، فكل منا عرف حجازى من زاويته الخاصة، والتى سمح له بها حجازي، وحجازى نفسه عرف كل واحد منا بطريقته الخاصة أيضا.
وذات صباح وجد عبد العزيز خطابا يحمل لى الرسالة الثالثة من الفنان حجازى، يدعونى فيها لزيارته، بالإضافة إلى رسالة أخرى موجهة للأستاذ لويس جريس رئيس تحرير مجلة صباح الخير، وهذا نص الرسالة:
«الأستاذ بغدادى
صباح الخير
فى انتظارك يوم الأربعاء بعد القادم من الساعة السابعة مساء، تحياتى وإلى اللقاء مرفق بالرسالة الموضوعات التى سلمها لى الأستاذ لويس، ومرفق أيضا خطاب أرجو تسليمه له. إذا تكرمت وشكرا»..
حجازى.
فى هذا اللقاء الذى امتد حتى الساعات الأولى صباح اليوم التالى، فتحت لى خزائن أسرار الفنان حجازى المغلقة. وللحديث بقية إن كان فى العمر بقية.






