الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

سيارة جيتار

حلم خرج من شاشة هاتف.. وتوقف عند بوابة التراخيص

وسط الحقول الخضراء بقرية جميزة بنى عمرو التابعة لمركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية، يقف منزل بسيط لا يلفت الانتباه من الوهلة الأولى. لكن خلف جدرانه بدأت حكاية مختلفة، لم يكن بطلها رجل أعمال أو مصنعًا ضخمًا، وإنما شابان قررا أن يمنحا الخشب والحديد فرصة لصناعة حلم غير مألوف.



داخل ورشة صغيرة، اعتاد عبد الفتاح محمد فتحي، البالغ من العمر 26 عامًا، أن يحول ألواح الخشب إلى قطع أثاث، لكن هذه المرة كانت لديه رؤية مختلفة. أثناء تصفحه أحد المواقع الأجنبية، استوقفت عيناه صورة لسيارة صُممت على هيئة آلة موسيقية «جيتار». لم يتعامل معها باعتبارها مجرد تصميم غريب، بل رأى فيها مشروعًا يستحق أن يتحول إلى حقيقة.

أدرك عبد الفتاح منذ البداية أن الفكرة تحتاج إلى خبرة تتجاوز النجارة، فذهب بها إلى صهره وصديقه أحمد صبري، الميكانيكي، الذى لم يتردد لحظة فى خوض المغامرة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة امتزج فيها الخشب بالحديد، والإبداع بالإصرار، داخل ورشة متواضعة احتضنت حلمًا كبيرًا.

تقاسم الشابان الأدوار؛ فتولى أحمد تجهيز الشاسيه والموتور وجميع المكونات الميكانيكية، بينما انشغل عبد الفتاح بتصميم الهيكل الخارجى وتنفيذه من الخشب. ورغم محدودية الإمكانات، لم ينتظرا داعمًا أو ممولًا، بل تحملا تكلفة الخامات كاملة من أموالهما الخاصة، إيمانًا بأن الأفكار الكبيرة لا تنتظر الظروف المثالية.

وعلى مدار عشرة أشهر متواصلة، تحولت الورشة إلى خلية عمل لا تهدأ. ساعات طويلة من القياس والتجريب والتعديل، ومحاولات لا تنتهى لتجاوز العقبات الفنية، حتى بدأت ملامح السيارة تظهر تدريجيًا، وكأن الحلم يخرج شيئًا فشيئًا من بين نشارة الخشب وشرر اللحام.

ومع اكتمال العمل، خرجت السيارة إلى النور بشكل لم يألفه أحد؛ سيارة تحمل هيئة آلة موسيقية «جيتار»، تتسع لشخصين، وتعمل بنظام الريموت كنترول، دون أبواب جانبية، فيما صُمم هيكلها الخشبى بعناية ليقاوم الاستخدام والعوامل الجوية.

واستخدم أحمد فى تصنيعها الشاسيه والموتور وباقى المكونات الميكانيكية، بينما اختار عبد الفتاح خشب الأبلكاش الروسى المكون من ست طبقات لتصنيع الهيكل الخارجى، لما يتمتع به من صلابة وقدرة على تحمل الصدمات والعوامل الجوية. كما زُودت السيارة بكاميرا خلفية، وناقل حركة من خمس سرعات، وتعمل ببنزين 92، مع خزان وقود سعته 13 لترًا، ويبلغ وزنها نحو 640 كيلوجرامًا، بطول 320 سنتيمترًا، وعرض 140 سنتيمترًا، وارتفاع 240 سنتيمترًا.

كانت لحظة تشغيل السيارة للمرة الأولى أشبه بمشهد تتويج لرحلة استمرت عشرة أشهر. وقف الشابان أمام ثمرة جهدهما، بين فرحة الإنجاز ودهشة تحول الفكرة التى كانت يومًا مجرد صورة على شاشة هاتف إلى سيارة حقيقية تتحرك أمامهما.

ولم تمضِ ساعات حتى خرجت السيارة فى أول جولة داخل شوارع قرية جميزة بنى عمرو، لتلفت الأنظار بشكلها غير التقليدى. تجمع الأهالى حولها، وارتفعت الهواتف لتوثيق المشهد، قبل أن تنتشر الصور ومقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعى، محققة تفاعلًا واسعًا وإشادات كثيرة بالفكرة وتنفيذها.

لكن فرحة النجاح اصطدمت بعقبة لم تكن فى الحسبان. فعندما بدأ الشابان إجراءات ترخيص السيارة، اكتشفا أن هناك متطلبات قانونية كان يجب استيفاؤها قبل بدء التصنيع، بحسب ما أوضحه أحد المحامين، وهو ما حال دون استخراج التراخيص، ليتوقف المشروع عند تلك المرحلة.

ورغم محاولاتهما عرض السيارة للبيع، أو تسويقها لمستثمرين، أو استغلالها فى الأنشطة السياحية والإعلانية، فإن جميع المحاولات لم تحقق النتيجة التى كانا يحلمان بها.

ورغم ما واجهاه من إحباط، فإن الأمل لا يزال حاضرًا. فعبد الفتاح وأحمد يؤمنان بأن مشروعهما لم يصل إلى نهايته، بل ينتظر فقط الفرصة المناسبة، سواء ببيع السيارة أو استثمارها، مع استعدادهما الكامل لتكرار التجربة وتنفيذ تصميمات أكثر تميزًا إذا توافرت الإمكانات.

وهكذا، تظل السيارة التى خرجت من ورشة صغيرة وسط ريف الشرقية أكثر من مجرد وسيلة نقل؛ إنها شهادة حية على أن الأحلام الكبيرة قد تولد فى أبسط الأماكن، وأن الإصرار قادر على تحويل فكرة عابرة إلى قصة تلهم كل من يؤمن بأن المستحيل يمكن أن يصبح واقعًا.