على ظهر أبيها.. كتبت سميرة حكاية التفوق
الإسماعيلية- شهيرة ونيس
قبل أن تشرق الشمس، كانت سميرة إبراهيم تبدأ يومها كما اعتادت منذ سنوات؛ صلاة، ثم أذكار الصباح، فوردها اليومى من القرآن الكريم. وما إن تنتهى حتى يكون والدها قد استعد لرحلة جديدة، رحلة لم تكن مجرد طريق إلى الجامعة، بل مشوارًا طويلًا من الحب والتضحية، انتهى بتتويج ابنته الأولى على دفعتها.
منذ لحظة ميلادها، لم تكن البداية سهلة. فقد وُلدت سميرة بعيب خلقى تمثل فى اعوجاج بالعمود الفقرى على هيئة حرف (S)، إلى جانب تقوس بالقدم اليمنى. توقع كثيرون أن تكون الإعاقة عبئًا على أسرتها، لكن والدتها أغلقت الباب أمام كل نظرة شفقة بكلمات بسيطة ظلت تتردد داخل البيت لسنوات: «أنا راضية بعطية الله».
بهذه القناعة، بدأت الأسرة رحلتها مع ابنتها، مؤمنة بأن الإرادة أقوى من أى عائق.
وعندما حان موعد الدراسة، اصطدمت الأسرة بأول اختبار حقيقي.
أكثر من مدرسة رفضت قبول الطفلة بسبب إعاقتها، خاصة أن القرية التى تعيش فيها تفتقر إلى الخدمات التعليمية المناسبة. لكن بابًا فُتح أخيرًا، ومعه بدأت أولى خطوات الحلم.
منذ ذلك اليوم، لم تعرف سميرة سوى طريق التفوق. عامًا بعد آخر، كانت تحصد المركز الأول فى مختلف مراحلها الدراسية، حتى فى أصعب الفترات خلال جائحة كورونا، حين تحولت الدراسة إلى المنازل، واصلت التزامها الكامل، تؤدى واجباتها وامتحاناتها وترسلها إلى معلميها للمراجعة والتقييم، وكأن الظروف لم تكن موجودة.
وعندما ظهرت نتيجة الثانوية العامة، حصلت على مجموع يؤهلها لدخول كلية الطب، إلا أنها اختارت طريقًا آخر. استمعت إلى نصائح المقربين الذين رأوا أن طبيعة دراسة الطب وما تتطلبه من مجهود بدنى قد تكون مرهقة لحالتها الصحية، فالتحقت بكلية التجارة بجامعة قناة السويس، لتبدأ فصلًا جديدًا من رحلة التحدي.
لكن التحدى الحقيقى لم يكن داخل قاعات المحاضرات، بل فى الطريق إليها.
كل صباح، كان والدها يتحول إلى وسيلة الأمان التى تعبر بها ابنته نحو مستقبلها. فى البداية، كان ينقلها على ظهر حمار حتى تصل إلى موقف المواصلات، ثم تمكن لاحقًا من شراء «تروسيكل»، وعدّله بنفسه، مضيفًا إليه وسائد لتخفيف آثار الطريق الوعر وحمايتها أثناء الرحلة.
وعندما تعجز المركبة عن الوصول، كان يحملها على كتفيه حتى باب قاعة المحاضرات، فى مشهد تكرر مئات المرات، دون أن يتسلل إليه ملل أو شكوى.
وتقول سميرة إن ما وصلت إليه لم يكن ليتحقق إلا بفضل الله ثم دعم والديها، مؤكدة: «والداى هما سندى الحقيقي، وأؤمن أن النجاح لا تصنعه الظروف، بل يصنعه الإصرار والابتكار، وأسرتى لم تتخلَّ عنى يومًا».
وجاءت النهاية التى انتظرتها الأسرة سنوات طويلة؛ فقد تُوجت سميرة بالمركز الأول على دفعة كلية التجارة بجامعة قناة السويس، لتصبح قصة نجاحها حديث الجميع. كما كرمها الأستاذ الدكتور ناصر مندور، رئيس الجامعة، وأعلن دعمه لتعيينها معيدة بالكلية، وفقًا للقواعد المنظمة، تقديرًا لتفوقها العلمى واستحقاقها لهذا التكريم.
ولم تتوقف بشائر الخير عند هذا الحد، إذ أعلن الدكتور هانى عبدالجواد، استشارى جراحة العمود الفقري، تبنيه علاج حالة سميرة، فى لفتة إنسانية تمنحها أملًا جديدًا، وتفتح أمامها صفحة أخرى من الحلم.
هكذا، لم تكن رحلة سميرة مجرد قصة طالبة حصلت على المركز الأول، بل حكاية أسرة آمنت بأن الإعاقة لا تصنع النهاية، وأن طريق النجاح قد يبدأ أحيانًا.. على ظهر أب.






