قصص مصطفى محمود
كتابة بعطر الحياة وطعم القمر «2»
د. عزة بدر
قِصَص مصطفى محمود صنو فكره، وتوأم دعوته الدائمة لإعمال العقل، والتأمل، والإيمان بمسئولية الإنسان عن قراراته، وحرية إرادته، ولذا يصبح التأمل فى إبداعه القِصَصىّ متعة فكرية وأدبية.. وقد نشر كاتبنا العديد من القِصص القصيرة على صفحات مجلتىّ «روزاليوسف» و«صباح الخير».. وفى هذه الإطلالة على عالمه القِصصى قراءة لمضامين هذه القِصص، والأثواب الفنية التى تميزت بها، وطرائق سَرده المبتكرة، والتى تحققت فيها معانى الحداثة من تصوير الشخصيات، والمنطق الفنى الذى تصدر عنه تعبيراتها، وكلماتها، وسلوكياتها، وتلك المفارقات العجيبة الغريبة التى تخلقها المصادَفة، أو تلك التى تديرها الأقدار، وبين «المونولوج» الذى يُعَبِّر عن الذوات الداخلية للشخصيات إلى «الديالوج» الذى تتحاور فيه، ومن خلاله يحتدم الصراع وألوان مختلفة من دراما الفعل التى تتطور مُعبِّرة عن حقيقة الحياة ومعناها العميق.
نداء الحياة
وتأتى قصة «سفريات» لتصف فى مفارقة عجيبة حادثًا يقع لشاب طبيب فى طريقه لإنقاذ حبيبته التى حاولت الانتحار، هو يعيش فى القاهرة، ووصَله تلغراف مؤداه أن «زيزى» خطيبته انتحرت، يسرع لإنقاذ حبيبته.
وفى هذه القصة دار الصراع عميقًا بين الموت والرغبة فى الحياة، بين أصوات داخلية، وصمت مُعبّر، تجلى فى تفهم الفتاة لما ارتكبته فى حقها وحق حبيبها، تعلمت درس القوة فى أن تقول لا، دون أن تهرب إلى حجرة ذات أركان أربعة، ودون أن تلوذ بصمت أبدى لا يفصح عن رأيها أو مكنون ذاتها، دون أن تُعبّر عن قدرتها على الاختيار، والدفاع عن هذا الاختيار أمام الجميع.
الرمز والقناع
أمّا فى قصة «خانكة» فقد استعان كاتبنا بطرائق سردية أخرى مثل استخدام القناع أو الرمز فى التعبير عن مضامينه، وأفكاره إضافة إلى استخدام الحوار كتقنية أساسية فى قصصه ليعبّر عن مشاعر شخصياته وعالمها الداخلى، وتجرى أحداث هذه القصة فى مستشفى للأمراض النفسية ويتم التركيز على مريضين يشعران بالخوف، والاضطهاد، ويتوجسان خيفة من مَقْدَم الطبيب، ويظنان أنه مساعد للعسكرى الذى سيقبض عليهما، ويتوهمان وجود قتيل مدفون تحت شجرة بالمستشفى وأنه سيتم اتهامهما بقتله، فهما يخافان الطبيب والعسكرى، فهما وسيلتا العمدة لإحكام السيطرة على المكان.. ثم فى مشهد آخر هناك حوار بين الطبيب والممرضة وهما أيضا يشعران بالخوف، والضيق لأن والد الطبيب رفض زواجهما، فتزوجا سرًا، فيبحثان عن ملاذ آمن يتطلعان للقمر البعيد، وللحياة فى مكان آخر بعيد عن مجتمع لا يحقق سعادتهما، أمّا المريضان فيبدآن الشك فى بعضهما، والتوجس من أن يُبلغ أحدهما عن الآخر، ويتطلعان هما أيضًا إلى قمر الليل الساطع، مشتاقين إلى نوره، وإلى مكان بعيد يشعران فيه بالأمن وعدم التهديد.. ونلاحظ هنا استخدام القناع أو الرمز للتعبير عن القهر والإحساس بالخوف متمثلاً فى رموز السلطة وبأنواعها: السلطة الأبوية بالنسبة للطبيب، وتأثيره السلبى على حياته، وعلاقته بحبيبته؛ فلقد كان يريد منع زواجه منها، والسلطة المتمثلة فى العسكرى، والحارس والعمدة، ومنهم يخاف المريضان ويشعران بالقهر، والخوف، وعدم الأمان.
.. كانت تلك إطلالة فى بعض قصص مصطفى محمود، وهى قصص مكتوبة بعطر الحياة، وطعم القمر.
قصة قصيرة
سفريات
بنها.. طنطا.. نفر.. نفر.. العربية قايمة.. نفر..
كان الرجل يعوى والميدان ساكن والساعة تدق الثانية بعد منتصف الليل ورائحة الشواء تتصاعد من باعة الممبار وقد اصطف حولهم طابور من الكلاب الضالة.. وأنا وحدى أدق الأرض بحذائى، وأقرأ التلغراف فى يدى للمرة الخمسين..
زيزى انتحرت.. ابتلعت أنبوبة أسبرين.. حالتها خطرة.. احضر حالاً..
وكيف أحضر حالاً.. ولا توجد قطارات ولا أتوبيسات.. ولا... وعاد الرجل يعوى.. بنها.. طنطا.. نفر.. نفر.. نفر.. وقفزت داخل العربة فى غير وعى.. ونظر إلىَّ الرجل فى بلاهة:
- رايح طنطا حضرتك؟
- أيْوَه..
- بنها.. طنطا.. نفر.. نفر..
- ما أنا هو.. يا سيدى.. ما تتكل على الله بقى..
- فاضل لسّه نفرين يا بيه.. العربية ما تقومشى إلا تسعة..
ونظرت حولى فى السبعة آدميين الذين يلفظون أنفاسهم.. وتصورت اثنين آخرين.. وتصببت عرقًا.. ورمقنى الرجل من جانب عينه، ثم مال على أذنى هامسًا:
- تدفع دوبل؟
وهرشت رأسى، وأجبت:
- يعنى كام؟
- يعنى نص جنيه..!
- أمرى لله، قوم بينا..
ونظر إلىَّ الرجل مستريبًا، ثم زحف إلى جوارى.. وقرأ الفاتحة، وأدار مفتاح الماكينة، ثم ضغط بقدمه.. فانطلقت العربة تقفز وتكركر.. واكتشفت أنى جالس فى شىء يشبه عربة اليد.. بدون نوافذ أو سقف.. وكان الترباس الوحيد الذى يحفظ الباب فى مكانه هو يدى.. التى كان عليها أن تلتف حول أضلاع العربة لمدة ثلاث ساعات متواصلة.. واندلق الإبريق الذى يحمله جارى على ثيابى.. ونظر إلىّ الجار الفلاح.. وطبطب على فخذى:
- معلهش.. احمد ربنا اللى ما هو زيت..
- الحمد لله..
- أنت منين يا عمى..
- من طنطا..
- شى لله يا سيد.. بلديات..
ابن مين فى طنطا؟
- الطحاوى.
- يا سلام.. ناس أصّال.. الراجل فيهم زى الجنيه تمام.. عم أحمد الطحاوى حلاق مليح.. حجابه ما ينزلش الأرض.. وطهارته حلوة.. هو اللى طاهرنى وأنا صغير.. ودق لى وشم السبع على صدرى وأنا كبير.. راجل فضله علينا كلنا.. وجاد الله الطحاوى الدفان.. ومسعد الطحاوى المغسل.. ورزق الطحاوى العرضحالجى كلهم ناس طيبين.. وحضرتك بقه صنعتك إيه؟
- حكيم..
- يعنى حلاج زى عم أحمد.. عملت طيب.. هى دى أحسن صنعة الواحد منا يجوع لكن يحلج.. ودكان حضرتك فين عشان...
- فى الصاغة..
- فى الصاغة.. لكن ده هناك حلاجين ياما جوى..
- كل واحد رزقه على الله يا بوى..
- أيْوَه صدقت كل واحد رزقه على الله..
وهنا كانت أواصر الصداقة قد توثقت بيننا إلى حد أنه رفع الكلفة.. فوضع على حِجرى الشمامة التى يحملها.. فعل هذا بكل بساطة..
- الشمام غالى اليومين دول.. الشمامة دى اتسوقتها من الغورية.. لكن غلبونى.. حاكم ابن البلد اللى زى حالاتنا بيروح فى رِجلين أولاد مصر.. فى السوق اللى فات جبت شمامة من القللى بخمسة قروش.. لكن شمامة يا سلام.. كانت عايزة بقك.. خشاف يا عمى.. خشاف..
وصمت قليلاً.. وضم أطراف جلبابه ثم تنهد فى ارتياح ووضع على حِجرى صُرّة فيها بطاطس.. وأخذ يتثاءب.. وحينما بدأت ألفت نظره إلى عدم اللياقة وعدم الأصول كان قد استغرق فى النوم..!
وسلمت أمرى لله، واحتضنت البطاطس والشمامة، ومِلت برأسى إلى الوراء.. وبدأت أفكر فى التلغراف زيزى انتحرت.. حالتها خطرة.. احضر حالاً.. وأفقت على صوت السائق يعوى أمام نقطة المرور.. 37 فؤادية تمانية راكب.. وخرج علينا العسكرى بفانوس.. وراح ينظر فى وجوهنا واحدًا.. واحدًا.. وفى أرض العربة وحينما تأكد أننا لا نحمل قنابل.. أو مخدرات.. أو قتيلاً مقطعًا فى شوال غمغم وهو يُرقص شنبه للسائق:
- قوم..
ودفع السائق قدمه فى الماكينة.. وانطلقت العربة تزحف، وانطلق وهو يشتم:
- جته داهية نطع.. عامل صاحى أوى.. عامل مفتّح.. وهو لابس نضارة زى قعر الكوباية.
وانطلق يضحك ويضحك معه سبعة فلاحين بصوت يشبه كركرة العربة وهى تمرق كالسلحفاة فى الطريق..
ولفحنى النسيم.. فبدأت أنعس.. ثم تيقظت فجأة على العربة تقف وأحد الركاب يصيح.. نزّلنى هنا..
- نزّلنى جار محطة قليوب.. حلمك على.. أيْوَه جزاك الله كل خير.. اتفضل..
- إيه ده شلن.. أنت راكب مرجيحة.. دى عربية يا أبوأحمد..
- مانى عارف إنها عربية.. لهو أنا تايه..
- طيّب هات ريال..
- ريال.. ليه ريال.. هو أنا رايح مالطة؟
- لا.. أنت رايح قبرص.. ادفع الريال بقه..
- مفيش معايا غير الشلن.. أنا راجل على باب الله وسواج زيّى زيك..
- يا سلام.. يعنى عاوز تركب مصلحة.. الكلام ده تقوله فى عربية أبوك.. مش فى عربيتى..
- اختشى ولِم لسانك أنا بقولك..
- عين إيدك دى.. شيلها لحسن أقطعها..
وتحوَّل الحديث إلى صخب والتحام وروسيات وتقارع بالشماريخ.. وشبكة من الأذرع المحدودة.. وكتلة سوداء من اللحم المتلاطم وصرخات مكتومة.. سيبه يا جدع.. اوعى دماغك.. خد.. يا خلق ماتهدوا بالله.. انتو يهود.. العنوا الشيطان.. حاياكل حقى الحرامى.. أعمل له إيه.. أضربلو سلام.. آه يا دراعى.. دنا باجرى على يتاما يا ناس.. انتو مفيش فى قلبكو رحمة.. يا جماعة اتفضوا بقه كفاية عطلة.. علىَّ يمين بالطلاق يا حيوان ما إلا فاتح كرشك.. سيبونى عليه يا خلق.. سيبونى..
وبعد نصف ساعة انقشع الغبار عن جلاليب ممزقة.. وأنفاس لاهثة.. وأنوف تقطر بالدم.. وشتائم.. ثم خرج شلن آخر من جيب الفلاح الذى تورّمت ضبته.. تناوله السائق فى هدوء، ثم بصق فى عرض الطريق ودخل العربة.. وضغط على البنزين وانطلقت الخنفساء الحديدية.. وركابها يشتمون جميعًا فى وقت واحد.. وفى الطريق رجل وحيد مسح دمه بكمه ويتأوه.. وأنا جالس أفكر فى التلغراف وفى الفَجر الذى بدأ ينبلج.. وجارى يبحث عن الشمامة.
واكتشف جارى أن الشمامة تحت المقعد.. فالتقطها ووضعها على حِجره ثم وضعها على كتفه.. ثم لمسها بخده.. وقال فى حسرة:
- ياه دى سخنة أوى.. دى بقت نار يا عم.. إيه ده يا بلدياتى.. أنت نمت.. خد كل عشان تصحصح وأعطانى قطعة من العجوة..
وتناولت العجوة لا أعرف ماذا أفعل بها.. وانطلق هو يثرثر:
- دى عجوة اسكندرانى تنشّف عضمك.. كل.. دنا كل يوم آكل وقّة منها على الريق.. عشان كده عمرى ما رحت لحكيم.. أصلى ما أصدقش فى الحكما أبدًا.. الحكما ده كان زمان كانت أيام فرعون.. كانوا بيدّوا كل حاجة بالأعشاب.. إنما دلوقت الأدوية كلها سكر ولمون.. وضِحك على العالم..
وانتابه إحساس بالألفة من جديد فوضع الشمامة على حِجرى فى بساطة ومضى فى ثرثرته:
- أصل العالم كفرت.. ومن كفرها ربنا سلطها على بعض.. إذا كانت الدنيا بتمطر فى الصيف.. فيه إيه بعد كده.. مش دى من شواهد القيامة دى؟!
ونظر فى وجهى فى اعتداد وزهو.. كأنه فتح كنزًا أو وضع يده على دليل كروية الأرض.. ثم عاوده الهدوء.. فمدّد ساقيه.. وألقى برأسه إلى الوراء ونام..
وارتفع الشخير من كل ركن فى العربة وبقيت أنا والسائق يقظانين.. السائق يشتم.. وأنا أفكر فى التلغراف..
كنت أفكر فى كلام كثير أقوله لزيزى حينما ألقاها.. أقول لها: إن الانتحار جبن وهروب.. وأنها انتحرت لأنها لم تستطع أن تقول: لا.. أمام الناس.. فقالتها فى سرّها.. احتجّت بين جدران أربعة بشرب السّم.. وضعت رأسها فى الرمل.. وقالت: أنا مظلومة.. جبن.. جبن.. جبن، إن القتل والسرقة والدعارة أشرف فى نظرى من الانتحار؛ لأن المجرم يبدى رأيه.. أمّا الذى يعلق رأسه فى حبل فإنسان مهزوم..
لقد انتحرت زيزى لأنها تحبنى.. فكيف يكون هذا حبًا.. كيف تحبنى وقد فشلت فى حب نفسها.. لا.. لا هذا مستحيل..
كنت أدفع قدمى فى العربة.. وكأنى أستحثها على الإسراع.. كنت أريد أن أصل طنطا لأفرّغ كل الكلام الذى يعتمل فى قلبى.. وأعطى للمرأة الضعيفة درسًا يقويها.. ولكن العربة أبت أن تسرع وإنما توقفت.. ونزل السائق.. عند كشك صغير منخفض اختفى فى داخله.. وغاب فترة كأنها دهر.. وتيقظ الركاب وسمعت أحدهم يقول:
- الراجل ده مفيش فايدة فيه.. مش حايبطل الأفيون أبدًا..
- مساكين سواقين الليل دول.. كلهم عندهم الداء ده.. ييجوا فى السكة ويتلطعوا فى القهاوى الغريبة وياخدوا كيفهم.. أنا بقالى سنين، بسافر فى العربيات دى.. وكلهم دى الحال..
وخرج السائق من الكشك يتطوّح ودخل إلى العربة، وانطلق بها، وظل صامتًا.. يهمهم بأغنية قديمة.. يعيد فيها ويزيد.. وقد فقد إحساسه بالدنيا كلها.. وضغط على البنزين فطارت العربة كالحمامة ونحن نهتز داخلها، وتتقارع رؤوسنا، وكأن كلاً منا يقول للثانى فى صحتك.. وكنا سعداء نحلم كلنا بطنطا..
أصبحت على مَسيرة دقائق.. وأغلب الظن أن السائق كان يحلم معنا أيضًا لأنه ترك عربته تهوى فى مطب، وجعلت تدور حول نفسها بعد ذلك عدة مرات وتستقر هادئة إلى جوار شجرة.. ونحن جميعًا فى داخلها كتلة واحدة دامية..
وأخرجونا على محفات.. ورأيت ساقى ممدودة على جبيرة طويلة ودماغى معصوبة.. أمّا جارى فكان سليمًا وكان يبحث عن الشمامة..!
وحينما فتّحت عينىّ فى المنزل، كانت زيزى أمامى.. صفراء ترتجف وفكرت فى الكلام الكثير الذى كان فى نيتى أن أقوله.. ولكنى لم أجد له فائدة.. فجسمى كله كان يتكلم.. كان يقول إن الحياة ليست عبثًا.. كان يقول للمرأة الواقفة أمامى:
- ها أنا مبذول فى سبيلك.. محطم من أجلك.. وأنت تحطمين نفسك بدون هدف.. ألست خجلى؟!
وقد فهمت المرأة كل شىء.. فقبّلت ساقى وقبّلت رأسى المعصوبة وبكت كالطفلة..
بقلم: مصطفى محمود
قصة قصيرة
خانكة
عنبر المجاذيب فى مستشفى الخانكة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.. اثنان من المجاذيب يجلسان أمام النافذة ذات القضبان الحديدية يتحادثان باهتمام.
- عارف اللحمة اللى جابوها النهاردة فى العَشاء.. فيها سم.. أنا شفت العسكرى وهو بيحطفى كل أروانة معلقة سم.. زرنيخ أبيض لونه زى لون الملح وعليه شطة عشان ما يبانش طعمه.. كل أروانة معلقة سم.. كل أروانة معلفة سم..حايموتونا زى الكلاب.. شايف العسكرى اللى واقف تحت ده.. هو اللى حط السم فى الأروانات..
شايفه رايح جاى إزاى.. رايح جاى.. رايح جاى.. تحت الفانوس.. بقاله ساعة.. مستنى لما نموت كلنا.. وبعدين يلمنا ويحطنا فى عربية الكلاب.. وياخذنا على قرافة الكلاب يدفننا.
- وبعدين.. حانعمل إيه فى قرافة الكلاب..؟!!
- حانموت.. لكن على مين.. أنا عرفت كل حاجة وضحكت عليه ولا كلتش من اللحمة.. كلت من كل حاجة ولا كلتش من اللحمة..
شلت الحتة اللحمة بتاعتى ورميتها فى صندوق الزبالة.
- والعسكرى حايموتنا ليه..
- العسكرى بيشتغل عند الدكتور..
والدكتور بيشتغل عند الحانوتى.. والحانوتى بيشتغل عند العمدة.. والعمدة هو اللى مدبر المؤامرة دى كلها.
- ليه..
- أبويا قال له.. أبويا اعترف بالسر كله..
- سر إيه..
- سر الراجل المدفون تحت الشجرة..
- تحت الشجرة إللى هناك.. أقولك لك ولا تقلش لحد..
- قول..
- لا.. مش حأقول لحسن يقبضوا عليك معايا.. ويقول عليك شريكى..
- ما كل الدنيا عارفة إنى شريكك..
والبوليس عارف.. والمأمور عارف.. والجرانين بتكتب كل يوم..
- حايودونا فى داهية..
مفيش حتة نستخبى فيها؟؟
يصغى بأذنه.. يسمع خطوات..
سامع.. سامع.. الدورية جايه أهه.. تعال.. تعال نستخبى تحت السرير قبل ما يضبطونا..
ينزلان تحت السرير.. يتكومان فى ركن فى الظلام.. ينظر كل منهما إلى عينىّ الآخر اللتين كعينى الفيل.. يرهفان السمع.. تبتعد الخطوات..
مشيوا..
يتنفسان الصعداء.. يعود فينظر كل منهما إلى الآخر فى ريبة.
- بتبص لى كده ليه.. عينيك فيها خيانة.. أنا عارفك.. أنت مخبر من عند العمدة..
يتماسكان.. يوشك أحدهما أن يخنق الآخر.
- لو قلت لهم على الراجل المدفون تحت الشجرة.. حاموتك.. سامع.
- أنت مجنون.. وأنا معقول أودى نفسى فى داهية.. أنا حاروح معاك فى الحديد.
- مفيش حد معايا.. كل الناس ضدى..
كل العالم بيتآمر علىّ.. مفيش حتة أمان أروح لها.. كل حتة أروحها ألاقى فيها جواسيس.. كل حتة فيها أجهزة تسجيل.. السرير.. اللى إحنا نايمين تحته فيه أجهزة تسجيل.. فيه ساعة.. حط ودنك على العمود.. سامع.. تك.. تك.. تك.. فيه شريط تسجيل ماشى..
- وبعدين.. الحل إيه.. تيجى نفتح العمود ونكسره..
- ما يتفتحش..ماحدش يعرف يفتحه إلا العمدة.. كل يوم الصبح لما بيطلعونا برّه عشان ينضفوا السراير ويغيروا الملايات..
ييجى العمدة يفتح كل سرير ويطلع الشرايط اللى فيه..
- والعمل إيه..
- أقولك.. ولا تقولش لحد..
- هيه..
- كل يوم بأغيّر السرير اللى بنام عليه.. النهاردة على سرير.. إمباح على سرير.. صاحى له دايمًا وعينى فى وسط راسى..ولولا كده كان زمانى دلوقتى فى السجن..
يرهف السمع
- سامع.. فيه حد بيتشعبط على الشباك يزحف من تحت السرير بحذر ويطل برأسه ثم يجذب زميله من ذراعه.. ويخرج الاثنان من تحت السرير ويختلسان النظر من النافذة.
- شفت.. مطرح رجليه.. العسكرى كان متشعبط على الشباك بيتسمع علينا.. ولما حس بنا طلع يجرى ورجع محله.. شايفه واقف يبص لنا إزاى.. ويصلح البندقية.. دخّل راسك جوه لا ياخد لك صورة.. البندقية فيها فوتوغرافية.. كل حتة دلوقتى فيها فوتوغرافية..
- وبعدين.. حانعمل إيه..
- كل العالم ضددنا.. أنا إمبارح قعدت طول النهار فى التواليت مستخبى لغاية ما جه التمرجى وطلعنى بالعافية.. ماسبنيش إلا أما اديته سيجارة..
- وبعدين.. آخرتها إيه..
- مفيش فايدة.. مفيش حل غير الهرب.. نهرب م الدنيا كلها..
- ونروح فين..
- نروح القمر.. نركب صاروخ روسى.. ونطلع الفضاء.. ونسيب الدنيا باللى فليها..
القمر يضىء ويغمرهما بنوره طول الوقت.. ويبدو مستديرًا شاحبًا.. الاثنان يحملقان فيه..
- ونجيب الصاروخ الروسى منين..
- من عند جاجارين..
الاثنان يحملقان ويضىء وجهاهما بالأمل
- يا سلام.. يا ريتا نروح القمر..
- ونبعد عن العسكرى..
- ونرتاح م الدنيا..
تُسمع خطوات واضحة سريعة فى المشى الخارجى
يسرع المجنونان كل منهما إلى فراشه.. ويلتحفان بالأغطية.. ويَدّعيان النوم..
يدخل الطبيب ومعه الممرضة.. يضىء النور.. ويفتش على العنبر.. ثم يضىء النور ويعود هو والممرضة.
***
فى الممشى الطويل فى طريقهما إلى الأجزخانة الطبيب.. والممرضة
الطبيب يدخن فى شراهة
الممرضة تهمس فى رقة
- مالك النهاردة.. طول الوقت متضايق
مش طبيعتك..؟
- تعبان.. (ينفث الدخان فى حدة)
متضايق من الدنيا..
يصلان إلى نهاية الممشى حيث نافذة واسعة تطل على القمر.. وقف الطبيب معتمدًا على النافذة بذراعه محملقًا فى القمر
الطبيب - حاسس إن كل الدنيا ضدى..
تصورى أبويا ما وافقش على جوازنا.. وحلف يمين بالطلاق من أمى لو اتجوزت من وراه ليطلقها.. وأمى بتلعن اليوم التى خلفتنى فيه.. وبتفتش جيوبى.. وبتقرأ جواباتى.. وبتعيط.. وبتترجانى..
الممرضة - أنا كنت حاسبة حساب ده كله..
- والممرضات زميلاتك بعتوا شكوى فينا للمدير.. والتمرجية بيتجسّسوا علينا.. مابقلناش عيش هنا..
- حانروح فين..
- مابقلناش عيشة فى الدنيا دي..
ينظر إلى القمر ويضىء وجهه فى أمل طفل
- نفسى أروح بعيد.. بعيد.. أروح القمر.. مش فيه صواريخ دلوقتى بتروح القمر.. إيه رأيك.. نسيب الدنيا كلها باللى فيها.. ونروح القمر.
بقلم: مصطفى محمود






