الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
61 عامًا على وفاة  النحاس باشا

61 عامًا على وفاة النحاس باشا

فقدت مصر يوم 23 أغسطس 1965 أحد أبرز زعمائها مصطفى باشا النحاس، وتناقل المصريون خاصة من بقوا على حبهم لحزب الوفد النبأ الحزين.. وعندما تردد الخبر بقوة داخل صالة تحرير جريدة الأخبار قلت لصديقى وزميلى وبلدياتى إسماعيل النقيب إننى سأتوجه إلى مسجد عمر مكرم مبكرًا لا لأشاهد أو لأشارك فى جنازة الرجل، بل لمتابعة ما سيحدث لقد توقعت صراعًا ما بين قوات الأمن التى ستحتل مواقعها فى كل المنطقة والمشيعين من الوفديين والمعارضين وغيرهم.



وكان منطقيًا أن يحرص  أنصار الوفد على تكريم زعيمهم فى يوم رحيله بشكل لائق، بزعيم وطنى، ورجل شريف، ومصرى عظيم، وأن يستثمروا الجنازة لتذكير الناس بما كان من مواقف سواء للرجل  أو للحزب أو لزعيم ثورة 1919 سعد زغلول.

والأقدار كثيرًا ما تصنع مفارقات والمفارقة هنا أن يوم وفاة النحاس باشا هو نفس يوم رحيل سعد زغلول حيث رحل عن عالمنا يوم 23 أغسطس عام 1927.

وقد توقف الناس أمام هذه المفارقة طويلًا، وحاولوا فهم سرها ولكن الأقدار لا تبوح بالأسرار.

وإذا قلنا مواقف الرجل فمن المنطقى أن تكون هناك مواقف وقرارات للرجل لم تجد الرضا أو القبول من بعض القوى السياسية، إلا أن للرجل مواقف حازت قبولًا وإجماعًا شعبيًا والتفافًا جماهيريًا رائعًا.

الأول جرى عام 1950 عندما حاولت إسرائيل اختبار الإرادة المصرية والمرور بسفنها من خليج العقبة، أى اجتياز مضايق صنافير وتيران الموجودة جنوب الخليج للوصول إلى البحر الأحمر ومنه إلى موانئ شرق إفريقيا وجنوب، وجنوب شرق آسيا، كانت إسرائيل تسعى لتتحول من دولة تطل على بحر واحد هو المتوسط إلى دولة تطل على بحرين هما المتوسط والأحمر وبالتالى إحياء ميناء إيلات فى أقصى نقطة بشمال الخليج.

وكانت مياه منطقة المضايق مياه أعالى بحار لأن المملكة السعودية كانت تملك الجزيرتين الصخريتين الموجودتين بمنطقة المضيق، وبالتالى فإن من حق إسرائيل المرور طالما أن المنطقة منطقة مياه أعالى بحار وليست مياهًا إقليمية سعودية أو مصرية.

وكانت هناك نقطتان رئيسيتان تحكمان الوقف الأولى خشية المملكة من زحف عسكرى أو هجوم مسلح إسرائيلى للاستيلاء على الساحل السعودى بالمنطقة المطلة على المضايق وعلى الجزيرتين أسوة لهجومها على ميناء أم الرشراش الأردنى فى شمال الخليج والاستيلاء عليه وتحويله إلى ميناء إيلات وكانت المخاوف السعودية مخاوف حقيقية والثانية أن مصر كانت تسعى للحصول على حق إدارة الجزيرتين من المملكة السعودية حتى تصبح منطقة المضايق مياهًا إقليمية مصرية يحق لها أن تمارس عليها سيادتها وتمنع إسرائيل من المرور.

وعندما التقى الجانبان المصرى والسعودى تم الاتفاق على تسليم جزيرتى تيران وصنافير لمصر لإدارتهما.

ومع ذلك مضت إسرائيل فى خطة المرور من مضايق خليج العقبة وأعلنت مصر أنها لن تسمح للسفن الإسرائيلية بالمرور، وقررت السلطات الإسرائيلية إرسال السفينة بات جاليم للمرور عنوة.

وكانت تعليمات مصطفى النحاس رئيس وزراء مصر واضحة وقوية للقوات المصرية الموجودة بشرم الشيخ والتى تتولى إغلاق الممر الملاحى بالالتزام بقواعد الاشتباك، والإنذار الواضح للسفينة بعدم المرور فإذا استمرت فى التقدم، يتم إطلاق طلقات وقذائف من المدفعية للتحذير  فإذا استمرت فيجرى إطلاق النار عليها.. ولم تتراجع السفينة إلا بعد سقوط قذائف المدفعية بالقرب منها.

ونجحت مصر فى منع إسرائيل من المرور بمضايق خليج العقبة ولكن الرواية لم تتم فصولًا.

فقد نجح الوفد  فى إغلاق الطريق أمام الملاحة الإسرائيلية وأمام السعى للوصول إلى البحر الأحمر، 

الثانى إلغاء معاهدة 1936 ففى كلمة للنحاس باشا أمام البرلمان فى أكتوبر 1951 طالب النواب بالموافقة على إلغاء هذه المعاهدة وقال نصًا: «لقد وقعت المعاهدة باسم مصر وباسم مصر أطالبكم اليوم بإلغائها».

ورحبت مصر كلها بالقرار وانطلقت معارك الفدائيين ضد قوات الاحتلال الإنجليزى بمنطقة قناة السويس.. وقد استمرت هذه المعارك حتى حريق القاهرة يوم 26 يناير 1952.

هذان الموقفان المضيئان فى تاريخ مصر لا يمكن نسيانهما، وستظل الذاكرة التاريخية لمصر تتذكرهما دائمًا.

وفعلًا  توجهت مع إسماعيل النقيب إلى منطقة جامع عمر مكرم وطلبت منه أن نقف وظهرنا لحائط مبنى المجمع لتجنب الزحام، أولًا وللتمكن من مراقبة الموقف، وبدا واضحًا أن هناك قيادة وفدية لحشود المشيعين وهذه القيادة طلبت قراءة الفاتحة على روح النحاس واستجاب الناس، بعدها تكرر الطلب وبدأ ترديد بعض سور القرآن القصيرة.

وبدأ الهتاف بنداء الله أكبر، ثم تطور الهتاف إلى الله أكبر يا نحاس ولم يطل الأمر بعد أن تأكدت هذه القيادة من سيطرة عقلية القطيع على الحشد الموجود وتحول الهتاف إلى «عشت زعيمًا يا نحاس»، وبعد عشرات المرات تحول إلى عشت زعيمًا ومت زعيمًا يا نحاس، واستشعرت قوات الأمن الخطر وحاولت السيطرة على جثمان النحاس ولكنها فشلت تمامًا.

ولم يكن خافيًا أن السلطة خططت لنقل الجثمان بعد الصلاة عليه مباشرة بالسيارة إلى المقابر، ولكن هذا المخطط فشل تمامًا، وحتى عندما تقدمت مجموعات ترتدى الملابس المدنية لحمل المشيعين على تسليم النعش الذى يضم الجثمان لنقله إلى المقابر، هتف المتظاهرون «إلى جامع الكخيا» وبدأت حشود المشيعين التى ملأت المنطقة بشكل غير مسبوق وغير متوقع فى التوجه بالجثمان إلى جامع الكخيا، وتوجهت الجموع من ميدان التحرير إلى شارع سليمان وكانت هناك قوى أمنية لوقف اندفاع المشيعين، ولكن قيادتها تبينت أن جموع المشيعين لن تتوقف، وأن استخدام القوة سيترتب عليه نتائج مأساوية وبحكمة تخلت قوات الأمن عن التصدى للمشيعين حتى ولو كانت الحجة هى الحفاظ على الأمن.

وكانت الهتافات قد تحولت من «عشت زعيمًا ومت زعيمًا يا نحاس» إلى «لا زعيم إلا أنت يا نحاس» وكان هذا الهتاف تحديًا سافرًا للسلطة، وعندما اقتربت الجنازة من جامع الكخيا، تم الإعلان عن التوجه بالجثمان إلى مسجد الإمام الحسين ومرة أخرى تتحلى قوات الأمن بالحكمة وتتراجع أمام جموع المشيعين، كانت الجنازة مهيبة وانضم إليها آلاف المواطنين.

وكان من المعروف أن السلطة فرضت الإقامة الجبرية على النحاس بمنزله بجاردن سيتى ولم يكن مسموحًا له بالخروج إلا لزيارة الأطباء للعلاج أو مسجد الإمام الحسين كل يوم جمعة، وكان المحبون للرجل يلتقون به داخل المسجد فى هذا اليوم.

ولقد أراد المشيعيون أن يتوجهوا بالرجل لزيارة أخيرة لمسجد الإمام الحسين.

وعلى جانبى الشوارع من ميدان التحرير إلى مسجد الإمام الحسين اصطف الناس بالآلاف أو بعشرات الآلاف لإلقاء نظرة على جنازة رجل عظيم من عظماء مصر.

وبوصول الجنازة إلى مسجد الإمام الحسين، تحقق للمشيعين هدفهم، جنازة مهيبة تحدوا فيها السلطة وفرضوا كلمتهم وهكذا بدأوا فى الانصراف، ولكن كان الأمن ينتظر هذه اللحظة لإلقاء القبض على البعض تمهيدًا لمحاكمتهم.

وأيا كان الثمن فقد وصلت الرسالة، إلى من بالداخل ومن بالخارج، وربما لا يعرف الناس أن هذا الباشا الذى شغل منصب رئيس مجلس الوزراء عدة مرات، وكان رئيسًا لأكثر الأحزاب المصرية شعبية وجماهيرية وأعنى حزب الوفد بعد وفاة سعد زغلول لم يكن له دخل سوى مرتبه، أو معاشه فيما بعد.

وقد واجه محنة شديدة عندما قرر إسماعيل صدقى رئيس الوزراء عام 1930 تخفيض المعاش إلى النصف للتنكيل به فما كان منه لمواجهة نقص دخله وعجزه عن الوفاء بالتزاماته سوى التوجه لصديقه طلعت حرب باشا رئيس بنك مصر للحصول على قرض يسدد على أقساط شهرية سواء من معاشه أو مرتبه، فقد كان النحاس يعطى جزءًا من هذا المعاش لشقيقته حيث كان يمنحها عشرة جنيهات شهريًا ولأبناء أشقائه الذين كان يمنحهم 15 جنيهًا شهريًا.

وتخفيض المعاش إلى النصف لم يكن يسمح له بالوفاء بهذه الالتزامات ومع تقدمه فى العمر زادت متاعبه الصحية، وظل يعانى من عدم قدرته على تحمل نفقات العلاج.

وأمام شدة المعاناة الأسرية، قررت زوجته زينب الوكيل أن تكتب للرئيس عبدالناصر لتطلب منه منحها مبلغًا من إيرادات أرضها المؤممة لمواجهة تكاليف علاج زوجها، وفعلًا قرر الرئيس منحها 300 جنيه شهريًا.

ولم تبعث زينب بهذه الرسالة إلا بعد أن باعت كل ما تملكه من حلى ذهبية وسبق ذلك بيع السيارة التى كانا يمتلكاها وعددًا من قطع الأثاث الموجودة بالمنزل وعندما لم يبق هناك ما تبيعه قررت إرسال هذ الرسالة.

هذا الرجل البسيط الشريف النزيه الصلب، لم يسرق ولم يفرط فى أى حق من حقوق مصر، وهو هنا لم يكن استثناءً بل كان ذلك هو خلق وسلوك معظم رجالات مصر فى ذلك العصر، فمحمود فهمى النقراشى رئيس وزراء مصر ورئيس وفدها لعرض قضية مصر على الأمم المتحدة، اغتاله الإخوان المسلمون، ولم يجدوا فى جيبه سوى قروش، أما النحاس، فقد اضطر لبيع معظم أثاث شقته ليتمكن من الوفاء بتكاليف العلاج.

رحم الله النحاس الذى لم يقس على أحد طوال فترة وجوده على قمة السلطة.

وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن نهرو زعيم الهند ورئيس الوزراء وتلميذ غاندى المفضل عندما زار مصر خلال النصف الثانى من القرن الماضى، طلب أن يزور مصطفى النحاس ويلتقى به وقال للرئيس المصرى وقتذاك: إنهم تعلموا الوطنية من حزب الوفد ومن الزعيمين سعد زغلول ومصطفى النحاس وكان له ما أراد.