الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

القرى المنتجة

انطلاقة جديدة لتحويل الريف المصرى إلى قلاع صناعية جاذبة للاستثمار ورواد الأعمال

لا تزال الحرف اليدوية تنبض بالحياة داخل القرى، ليس باعتبارها إرثًا من الماضى فحسب، بل باعتبارها ركيزة للتنمية وفرصة حقيقية لبناء المستقبل، فمن أفران الفخار فى «النزلة» بالفيوم و«المشهدى» بالشرقية، إلى أنوال السجاد فى «الشناوية» ببنى سويف، ومصانع الميلامين فى «أويش الحجر» بالدقهلية، وصولًا إلى القرى المنتجة فى الغربية، تتجسد حكايات لأيادٍ مصرية حافظت على المهنة، وطورتها، وحولتها إلى مصدر رزق لآلاف الأسر.



ولا شك أن تلك القرى لم تعد مجرد تجمعات ريفية، بل أصبحت تكتلات إنتاجية واقتصادية تستثمر الميزة النسبية لكل منطقة، وتربط بين الهوية الوطنية ومتطلبات السوق، فى نموذج يعكس قدرة الحرف التراثية على مواكبة العصر وخلق فرص عمل مستدامة، ورغم ما تواجهه من تحديات، أبرزها ارتفاع تكلفة الخامات، وصعوبات التسويق، ونقص العمالة الماهرة، فإنها تواصل كتابة قصص نجاح تؤكد أن الاستثمار فى الإنسان والحرفة يظل أحد أهم مسارات التنمية.

من هذا المنطلق، تتجه الدولة إلى مرحلة جديدة عنوانها الإنتاج والتنمية الاقتصادية، من خلال إطلاق مشروع «القرى المنتجة»، الذى يستهدف تحويل القرى إلى مراكز إنتاجية متكاملة تقودها شراكة بين وزارات التنمية المحلية والبيئة والصناعة والزراعة والتخطيط، بهدف تعظيم الاستفادة من الإمكانات المحلية وتحويلها إلى محركات للنمو الاقتصادى المستدام.

ويبدأ «المشروع» بتنفيذ نماذج تجريبية فى قريتين من قرى المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» لتطوير الريف المصرى، على أن يتم التوسع تدريجيًا فى مختلف المحافظات، مع التركيز فى مرحلته الأولى على الصناعات الزراعية والغذائية والنسيجية، باعتبارها الأكثر ارتباطًا بموارد الريف، والأقدر على توفير فرص عمل واسعة للشباب والمرأة، إلى جانب تعظيم القيمة المضافة للمحاصيل الزراعية، وتقليل الفاقد، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المحلية.

ويعتمد «المشروع»، على رؤية متكاملة لدعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، عبر توفير قروض ميسرة من خلال صندوق التنمية المحلية ومبادرة «مشروعك»، إلى جانب تنفيذ برامج تدريب وتأهيل لرفع مهارات الشباب والسيدات، والاستفادة من خبرات مراكز البحوث التابعة لوزارة الزراعة فى مجالات التصنيع والتعبئة والتغليف، بما يسهم فى رفع جودة المنتجات وزيادة قدرتها على المنافسة.

ويمثل توطين الصناعة داخل القرى أحد أهم أهداف المشروع، من خلال إنشاء مصانع صغيرة تعتمد على الخامات والموارد المحلية بدلاً من بيعها فى صورتها الخام، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الريفى، وتشمل هذه الصناعات تصنيع الألبان، وتجفيف الخضروات والفاكهة، والصناعات الغذائية، والمنسوجات، وغيرها من الأنشطة التى تتناسب مع طبيعة كل قرية وميزتها النسبية.

كما يسهم «المشروع»، فى نقل النشاط الصناعى والإنتاجى إلى داخل الريف، بما يوفر فرص عمل مستقرة لأبناء القرى، ويحد من انتقالهم إلى المدن بحثًا عن العمل، ويقلل الاعتماد على المنتجات المستوردة من خلال زيادة الإنتاج المحلى، إلى جانب بناء سلاسل إنتاج متكاملة تربط المشروعات الصغيرة بالمصانع الكبرى والأسواق، بما يعزز استدامة الإنتاج ويزيد من تنافسية المنتجات المصرية.

وتتمثل أهداف «المشروع»، فى البدء بنماذج تجريبية فى قريتين ضمن «حياة كريمة» قبل التعميم، لضمان استدامة المبادرة اقتصاديًا واجتماعيًا، كما تركز على الصناعات الغذائية والنسيجية لكونها صديقة للبيئة وكثيفة العمالة، مع ربطها بالمصانع الكبرى لتحقيق التكامل، وتوفر أيضًا قروضًا ميسرة عبر «صندوق التنمية المحلية» ومبادرة «مشروعك» لدعم ريادة الأعمال وصغار المستثمرين بالقرى، فضلًا عن استغلال الأصول التابعة لوزارة الزراعة وإشراك مراكز البحوث لتقديم الدعم الفنى وتطوير مهارات التصنيع والتعبئة، بجانب تقديم برامج تدريبية متخصصة من «مركز ريادة الأعمال» بوزارة التخطيط لتأهيل الكوادر وتوطين الخبرات الدولية، علاوة على إسناد الإشراف الإدارى للقطاع الخاص لضمان الجدوى الاقتصادية، والربحية، والاستدامة التشغيلية للمشروعات.

ويرى خبراء الاقتصاد، أن مشروع «القرى المنتجة» يمثل مرحلة جديدة فى مسار التنمية الريفية، إذ يتجاوز تطوير البنية الأساسية إلى بناء اقتصاد محلى قائم على الإنتاج والتشغيل، مستفيدًا من المزايا النسبية لكل قرية، مع توفير مختلف التيسيرات التمويلية والفنية لدعم الشباب والسيدات، وتحويل القرى إلى خلايا إنتاج حقيقية تسهم فى دعم الاقتصاد الوطنى، مؤكدين أن المشروع يؤسس لقاعدة صناعية محلية تعتمد على الموارد المتاحة داخل الريف، بما يعزز الأمن الغذائى، ويرفع معدلات التشغيل، ويخفض البطالة والهجرة الداخلية، ويرسخ مكانة الريف كشريك رئيسى فى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، ليصبح امتدادًا طبيعيًا لنجاحات «حياة كريمة» فى بناء الإنسان والمكان، ولكن هذه المرة عبر بوابة الإنتاج والاستثمار.

من جانبه، يقول محمد الكاتب، رئيس غرفة الصناعات النسيجية باتحاد الصناعات المصرية: «إن مشروع «القرية المنتجة» يمثل خطوة مهمة نحو تحويل القرى إلى مراكز إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل مستدامة، بما يسهم فى الحد من البطالة، خاصة بين الشباب والمرأة المعيلة، ودعم التنمية الاقتصادية فى الريف»، موضحًا أن المشروع يستهدف استثمار المقومات والموارد المحلية بكل قرية، من خلال التوسع فى إقامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة والحرفية، بما يعزز الإنتاج المحلى، ويوفر مصادر دخل مستقرة للأسر، مع فتح آفاق جديدة للتسويق داخل السوق المحلية والتصدير إلى الأسواق الخارجية.

ويشير «الكاتب»، إلى أن عددًا من القرى المصرية يمتلك بالفعل تجارب ناجحة فى الصناعات اليدوية، وفى مقدمتها صناعة السجاد اليدوى، إذ تشتهر قرى فى محافظات الفيوم والمنوفية والبحيرة بهذه الصناعة، التى تتمتع بسمعة جيدة وتجد طلبًا فى عدد من الأسواق الخارجية، بما يعكس قدرة المنتجات المصرية على المنافسة عند توفير الدعم والتدريب والتسويق المناسب، مضيفًا: «إن القرى التى شهدت تطويرًا ضمن المبادرة الرئاسية أصبحت أكثر جاهزية لاستقبال مشروعات إنتاجية متنوعة، فى ظل ما شهدته من تطوير للبنية الأساسية والخدمات، وهو ما يهيئ بيئة مناسبة لجذب الاستثمارات وتعزيز النشاط الاقتصادى»، مشددًا على أن التوسع فى تنفيذ مشروعات «القرية المنتجة» من شأنه زيادة مساهمة الريف فى الاقتصاد الوطنى، وتحقيق قيمة مضافة بما يدعم أهداف التنمية المستدامة ويعزز فرص التشغيل والإنتاج.

ويرى الدكتور كمال الدسوقى، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، أن مشروع القرى المنتجة يمثل إحدى المبادرات المهمة التى تتكامل مع توجه الدولة نحو تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، مشيرًا إلى أن التعاون القائم بين وزارة الصناعة وعدد من الوزارات والجهات المعنية يسهم فى تحويل القرى إلى مراكز إنتاجية قادرة على توفير فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة، لافتًا إلى أن المشروع يهدف إلى خلق فرص عمل حقيقية داخل القرى، بما يسهم فى الحد من الهجرة إلى المدن من خلال توفير بدائل اقتصادية مستدامة للشباب، إلى جانب دعم التنمية الريفية وزيادة مساهمة المشروعات الإنتاجية فى الاقتصاد الوطنى، مع الاستفادة من المقومات والميزات النسبية التى تتمتع بها كل قرية وفقًا لطبيعتها ومواردها.

ويؤكد «الدسوقى»، أن اتحاد الصناعات المصرية يقود جهودًا واسعة لدعم هذا التوجه، من خلال لجانه المتخصصة، وعلى رأسها لجنة الاقتصاد الأخضر، التى تعمل على نشر الوعى بمفاهيم التنمية المستدامة، وتنظيم ورش عمل وبرامج تدريبية تستهدف مختلف القطاعات الصناعية والإنتاجية، بما يعزز التحول نحو الاقتصاد الأخضر ويرفع كفاءة المشروعات، متابعًا: «إن الاتحاد يولى اهتمامًا كبيرًا بتأهيل الكوادر البشرية وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، إذ يشارك فى دعم منظومة التعليم الفنى والتكنولوجى، ويسهم فى تطوير وتشغيل عدد من المجمعات الصناعية بمختلف المحافظات، بما يعزز بيئة الاستثمار والإنتاج ويخدم خطط التنمية الصناعية».

ويكشف عضو مجلس اتحاد الصناعات، أنهم سيواصلون توسيع دور الاتحاد خلال المرحلة المقبلة بالتعاون مع الجهات الحكومية وشركاء التنمية، مؤكدًا أن تطوير البنية التحتية وتهيئة بيئة الأعمال يظلان من أبرز التحديات التى تتطلب تضافر الجهود لضمان نجاح المشروعات الإنتاجية واستدامتها، مشددًا على اعتزام الاتحاد إلى دعوة المؤسسات والجهات المعنية بالاقتصاد الأخضر، إلى جانب مؤسسات التمويل المحلية والدولية والبنوك، لبحث آليات تمويل مبتكرة تدعم مشروع القرى المنتجة، وتوفر التمويل اللازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يسهم فى زيادة معدلات الإنتاج، وخلق المزيد من فرص العمل، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى مختلف المحافظات.

ويوضح أشرف غراب، الخبير الاقتصادى، أن إطلاق مشروع «القرى المنتجة» يعد خطوة استراتيجية لتحويل الريف المصرى من مجرد مستهلك للخدمات إلى مراكز إنتاجية متكاملة تسهم بفاعلية فى الاقتصاد القومى، خاصة فى ظل استغلال البنية التحتية التى وفرتها مبادرة «حياة كريمة»، منوهًا بأن تركيز المشروع على الصناعات الزراعية والغذائية والنسيجية فى البداية يعد اختيارًا موفقًا، لأنها صناعات كثيفة العمالة وتعتمد على خامات محلية، وتتمتع بميزة تنافسية فى السوقين المحلية والدولية.. ويضيف «غراب»: «إن المشروع سيحقق 3 مكاسب اقتصادية مباشرة، وهى زيادة القيمة المضافة، بدلًا من تصدير الخام الزراعى، إذ سيتم تصنيعه داخل القرية، وهذا يضاعف العائد 3 إلى 5 مرات، إضافة إلى تقليل فاتورة الواردات، لأن توفير منتجات غذائية ونسيجية محلية يقلل الاعتماد على الخارج ويوفر عملة صعبة، إلى جانب توسيع القاعدة الإنتاجية، فكل قرية تتحول لمركز إنتاجى يعنى إضافة وحدات إنتاج جديدة للناتج المحلى الإجمالى، وبالتالى رفع مساهمة قطاع الريف من 25٪ حاليًا إلى نسب أعلى خلال 5 سنوات».

ويعتبر الخبير الاقتصادى، أن الصناعات المستهدفة هى الأكثر استيعابًا للعمالة، موضحًا أن الصناعات الغذائية والنسيجية والحرف اليدوية تتناسب مع طبيعة عمل المرأة داخل قريتها، وتوفر لها دخل مستقل دون الحاجة للانتقال، وبالنسبة للشباب توفير ورش إنتاجية صغيرة ومتوسطة داخل القرية، سيخلق عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة فى التعبئة والتغليف والنقل والتسويق، مشيرًا إلى أن هذا سيكسر دائرة الهجرة من الريف للمدن، لأن الشاب سيجد فرصة عمل لائقة ودخلًا مستدامًا بجانب أسرته وأرضه، وهذا أهم عوامل استقرار المجتمع..ويستطرد «غراب»، قائلًا: «إن نجاح القرى المنتجة مرهون بحزمة سياسات متكاملة، أولها التمويل عبر التوسع فى القروض الميسرة متناهية الصغر والصغيرة من خلال جهاز تنمية المشروعات والبنوك، مع فترة سماح وإعفاءات ضريبية فى أول 3 سنوات، إضافة إلى التسويق وسلاسل القيمة، من خلال إنشاء منافذ تسويق حكومية وخاصة، وربط المنتجين بمنصات التجارة الإلكترونية، وعمل علامة تجارية موحدة مثل صنع فى قرى مصر، إضافة إلى الربط بالسوق عبر التعاقد المسبق مع سلاسل السوبر ماركت والمدارس والجامعات والمستشفيات لاستيعاب الإنتاج، مع فتح أسواق للتصدير لدول إفريقيا والخليج، إضافة إلى التدريب من خلال تدريب الشباب والمرأة على الجودة وإدارة المشروعات، وتطبيق معايير سلامة الغذاء للحصول على شهادات التصدير».