بعد موافقة البرلمان نهائيا
قانون «مستقبل مصر».. خارطة طريق جديدة لتعزيز الأمن الغذائى والتنمية
فريدة محمد
وافق مجلس النواب، نهائيًا، على مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن إصدار قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، فى خطوة تشريعية تستهدف إرساء إطار قانونى وتنظيمى حديث يتواكب مع حجم التوسعات الكبيرة التى يشهدها الجهاز فى مختلف المجالات الاستثمارية والتنموية، ويمنحه الأدوات اللازمة للقيام بدور أكثر فاعلية فى تنفيذ المشروعات القومية وتحقيق مستهدفات الدولة فى التنمية المستدامة، مع ترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية والإفصاح، وتنظيم تواجد الدولة فى النشاط الاقتصادي، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على الأمن القومى بمفهومه الشامل. يمثل مشروع القانون أحد أهم التشريعات المرتبطة بتنفيذ رؤية الدولة المصرية 2030، حيث يهدف إلى تطوير الإطار المؤسسى والتنظيمى لجهاز مستقبل مصر، بما يواكب اتساع نطاق اختصاصاته والمشروعات التى يتولى تنفيذها فى قطاعات الزراعة والإنتاج الحيوانى والتصنيع الغذائى والطاقة والخدمات اللوجستية، إلى جانب تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتهيئة بيئة استثمارية أكثر جذبًا للمستثمرين المحليين والأجانب.
فلسفة مشروع القانون
يرتكز مشروع القانون على مجموعة من المرتكزات الاقتصادية والدستورية والتنموية التى فرضتها المتغيرات المتسارعة التى يشهدها الاقتصاد العالمى والاقتصاد المصري، والتى أظهرت الحاجة إلى تطوير الأطر التشريعية المنظمة للمشروعات القومية الكبرى، بما يحقق التكامل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية المستدامة، ويعزز قدرة الدولة على تنفيذ خططها التنموية وفق رؤية واضحة تقوم على الكفاءة والمرونة والحوكمة.
ويستهدف المشروع كذلك دعم جهود الدولة فى تطوير البنية الأساسية المحفزة للاستثمار المحلى والأجنبي، وتهيئة بيئة أعمال أكثر تنافسية، من خلال تعزيز مبادئ الشفافية والإفصاح والرقابة المؤسسية، بما يرفع من كفاءة الأداء ويزيد من ثقة المستثمرين فى الاقتصاد المصري.
كما يسعى مشروع القانون إلى إعادة تنظيم تواجد الدولة فى النشاط الاقتصادى بصورة تحقق التوازن بين الدور الذى تضطلع به الدولة فى تنفيذ المشروعات الاستراتيجية، وبين إتاحة مساحة أكبر أمام القطاع الخاص للمشاركة الفاعلة فى دفع عجلة الإنتاج والاستثمار، وزيادة مساهمته فى الناتج المحلى الإجمالي، وخلق فرص عمل جديدة فى القطاعات الإنتاجية والخدمية المختلفة، وذلك فى إطار المبادئ الاقتصادية التى نص عليها الدستور، والتى تقوم على تشجيع الاستثمار، ودعم التنافسية، وكفالة تعدد أنماط الملكية، وتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
وأكدت فلسفة مشروع القانون أن تنظيم دور الدولة فى النشاط الاقتصادى لا يعنى بأى حال من الأحوال انسحابها من هذا النشاط، وإنما يستهدف إعادة تنظيم هذا الدور بما يخدم تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويحافظ فى الوقت نفسه على متطلبات الأمن القومى بمفهومه الاقتصادى والاجتماعى والبيئي، باعتباره أحد الالتزامات الدستورية الأساسية التى تقع على عاتق الدولة.
مرتكزات دستورية لتحقيق التنمية الشاملة
استند مشروع القانون إلى مجموعة من المبادئ الدستورية التى تؤكد التزام الدولة بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، وفى مقدمتها ترسيخ قيم التضامن الاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير مظلة التكافل بين المواطنين، إلى جانب حماية الأنشطة الاقتصادية باعتبارها أحد المقومات الرئيسية للاقتصاد الوطني.
كما يؤكد المشروع أهمية رفع معدلات الإنتاج، وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، وتشجيع التصدير، وتنظيم الاستيراد، بما يسهم فى تعزيز استقرار الاقتصاد الوطني، ودعم الجبهة الداخلية، وتحقيق السلام الاجتماعى فى مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.
كما أكد المشروع أهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية وحسن استغلالها وعدم استنزافها، بما يحفظ حقوق الأجيال القادمة، مع التوسع فى الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وتشجيع الاستثمار والبحث العلمى فى هذا المجال، باعتباره أحد المحاور الرئيسية لتعزيز أمن الموارد ودعم استدامة التنمية.
وفى الإطار ذاته، شدد مشروع القانون على أهمية تحفيز القطاع الخاص للقيام بمسؤوليته المجتمعية، والإسهام بصورة أكبر فى دعم الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال نظام اقتصادى يشجع الأنشطة الإنتاجية، ويحفز الاستثمار، ويسهم فى زيادة القوة الاقتصادية للدولة، بما يعزز قدرتها على مواجهة الأزمات والمتغيرات الإقليمية والدولية.
أهداف جهاز مستقبل مصر
حدد مشروع القانون مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التى يعمل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على تحقيقها خلال المرحلة المقبلة، وفى مقدمتها تعزيز الأمن الغذائى من خلال التوسع فى استصلاح واستزراع ملايين الأفدنة، بما يسهم فى زيادة الرقعة الزراعية، وتقليل الفجوة الغذائية، وخفض الاعتماد على الاستيراد، خاصة فيما يتعلق بالسلع الاستراتيجية التى تمثل أهمية كبيرة للأمن الغذائى.
كما يستهدف الجهاز إقامة مجتمعات عمرانية وصناعية وتنموية متكاملة، تعتمد على أحدث نظم التخطيط والإدارة، إلى جانب تنفيذ مشروعات متخصصة فى إدارة المخلفات والطاقة، وإنشاء مناطق لوجستية متطورة تدعم حركة التجارة الداخلية والخارجية، وتسهم فى رفع كفاءة سلاسل الإمداد والتوزيع.
تحقيق رؤية مصر 2030
وأشار مشروع القانون إلى أن جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة يمثل أحد أهم الأذرع الاستراتيجية للدولة فى تنفيذ رؤية القيادة السياسية، من خلال إدارة وتنفيذ مشروعات قومية كبرى، وإقامة شراكات واسعة مع القطاع الخاص، بما يسهم فى تحقيق معدلات نمو اقتصادى مرتفعة ومستدامة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، ودعم مستهدفات رؤية مصر 2030.
ولم يقتصر المشروع على الجوانب التشريعية والتنظيمية، بل استعرض أيضًا المؤشرات والأرقام التى تعكس حجم الإنجازات والمشروعات التى ينفذها الجهاز فى مختلف القطاعات، باعتبارها ترجمة عملية للدور الذى يقوم به فى دعم التنمية الشاملة، وتعزيز الأمن الغذائي، وزيادة الإنتاج، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطنى.
أرقام ومشروعات
استعرض مشروع القانون مجموعة من المؤشرات والأرقام التى تعكس حجم المشروعات التى ينفذها جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، باعتباره أحد الأذرع التنفيذية الرئيسية للدولة فى تحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030، حيث تؤكد هذه الأرقام حجم الدور الذى يقوم به الجهاز فى دعم الأمن الغذائي، وتعزيز التنمية الزراعية والصناعية، وزيادة الإنتاج، وتهيئة بيئة استثمارية قادرة على استيعاب المزيد من الشراكات مع القطاع الخاص.
وفى مقدمة هذه المشروعات يأتى مشروع استصلاح واستزراع 4.5 مليون فدان، والذى يعد أكبر مشروع للتوسع الزراعى فى تاريخ الدولة المصرية، ويستهدف زيادة الرقعة الزراعية بصورة غير مسبوقة، وتحقيق الأمن الغذائي، وتقليل فاتورة الاستيراد، ورفع معدلات الإنتاج الزراعي، إلى جانب إنشاء مجتمعات زراعية وتنموية متكاملة تعتمد على أحدث النظم العلمية فى الزراعة والرى وإدارة الموارد.
كما يتضمن مشروع الدلتا الجديدة إنشاء أكبر مجمع للصوامع فى الشرق الأوسط بطاقة تخزينية تصل إلى 500 ألف طن، وهو ما يمثل نقلة كبيرة فى منظومة تخزين الحبوب، ويعزز قدرة الدولة على تكوين احتياطى استراتيجى آمن من السلع الأساسية، مع تقليل نسب الفاقد، ورفع كفاءة منظومة الإمداد والتخزين وفق أحدث المعايير العالمية.
وفى إطار دعم استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية للمواطنين، يدير جهاز مستقبل مصر شبكة تضم 1500 منفذ تحت اسم «سوبر توفير»، والتى تستهدف زيادة المعروض من السلع الغذائية والمنتجات الأساسية بأسعار مناسبة، بما يسهم فى تحقيق التوازن داخل الأسواق، ومواجهة الممارسات الاحتكارية، وضمان وصول السلع إلى المواطنين فى مختلف المحافظات.
أما فى قطاع الإنتاج الحيواني، فيمتلك الجهاز منظومة متطورة من المزارع تستهدف الوصول إلى طاقة إنتاجية سنوية تبلغ 180 ألف رأس من الماشية، بما يدعم توفير احتياجات السوق المحلية من اللحوم والألبان، ويعزز الصناعات الغذائية، ويحقق التوازن بين زيادة الإنتاج واستقرار الأسعار، فى إطار خطة الدولة لتحقيق الاكتفاء الذاتى من السلع الغذائية الأساسية.
وفى مجال التصنيع الغذائي، يمتلك الجهاز منظومة متكاملة تضم 12 مجزرًا للدواجن، تعمل وفق أحدث المعايير الصحية والفنية، بما يسهم فى رفع كفاءة التصنيع الغذائي، وتطبيق معايير سلامة الغذاء، وضمان جودة المنتجات، وزيادة الطاقة الإنتاجية لتلبية احتياجات السوق المحلية والتوسع فى التصدير.
كما ينفذ الجهاز مشروعات للطاقة الشمسية بقدرة إنتاجية تصل إلى 2320 ميجاوات، فى إطار توجه الدولة نحو الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، ودعم منظومة التنمية المستدامة، وتوفير مصادر طاقة نظيفة تسهم فى خفض تكاليف التشغيل، وتعزيز استدامة المشروعات الإنتاجية.
وفى إطار الاستثمار فى العنصر البشري، يشارك جهاز مستقبل مصر، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى وأكاديمية ITSAgro الإيطالية، فى إنشاء 26 مدرسة مصرية إيطالية للتكنولوجيا التطبيقية الزراعية، بهدف إعداد كوادر فنية مؤهلة تمتلك المهارات الحديثة التى يحتاجها سوق العمل، ودعم خطط الدولة فى تطوير القطاع الزراعى والتصنيع الغذائي.






