الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ثوابت العقيدة وتحديات العصر

ثوابت العقيدة وتحديات العصر

شرفت بدعوة كريمة من فضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور محمد نظير عياد لحضور ورشة علمية تحت عنوان « النوازل العقدية فى الفكر المعاصر وموقف الإسلام منها « وذلك بحضور نخبة من علماء الأزهر الشريف وعلماء دار الإفتاء وأساتذة الشريعة الإسلامية بالجامعات المصرية.



المصطلحات الجديدة والقضايا الشائكة والمستحدثة فى علوم الشريعة الإسلامية تستحق الانتباه وضرورة إعادة دراسة ما يطرأ على المجتمع الإسلامى فى هذه الفترة الراهنة من التطور التكنولوجى المتسارع وعصر الذكاء الاصطناعى وما نشاهده من أحوال البشر على منصات التواصل الاجتماعى.. وقد دار نقاش علمى ومداخلات مهمة تتعلق بأبرز مجالات النوازل العقدية المعاصرة من خلال المذاهب والأفكار الفكرية والفلسفية التى قد تتعارض مع ثوابت العقيدة بالإضافة إلى الدعوات العقدية المعاصرة مثل وحدة الأديان وتقاربها، والمستجدات العلمية والتقنية كقضايا الاستنساخ البشرى والذكاء الاصطناعى وما تثيره من تساؤلات عقدية.

واتفق معظم من حضروا هذه الورشة العلمية على مدار عدة ساعات متواصلة على أن دراسة النوازل العقدية ضرورة لحماية العقيدة الإسلامية، وتعزيز الأمن الفكري، وبيان الموقف الشرعى من القضايا المستجدة وفق أصول الشريعة.

فضيلة المفتى قال بكل وضوح إن دراسة النوازل العقدية أصبحت ضرورة علمية لحماية الهوية وتعزيز الأمن الفكرى فى ظل التحولات الفكرية والتقنية المتسارعة، وأن العقيدة الإسلامية تمثل الأساس الذى يقوم عليه بناء الإنسان والمجتمع.. وقال إن انتشار الشبهات عبر المنصات الرقمية يحتم تطوير أدوات الخطاب العقدى ليواكب قضايا العصر، مثل الذكاء الاصطناعى والإلحاد الجديد والميتافيرس، والهندسة الوراثية مع الحفاظ على ثوابت العقيدة وأصولها.

الدكتور نظير عياد شدد خلال المناقشات على أن تجديد الخطاب الدينى لا يعنى تغيير الثوابت، وإنما تطوير وسائل العرض وآليات الفهم بما يربط النصوص الشرعية بواقع الناس ويجيب عن تساؤلاتهم بلغة علمية رصينة.

ودعا إلى انتقال المؤسسات العلمية والإفتائية من الجهود الفردية إلى العمل المؤسسي، عبر إنشاء مراكز متخصصة لرصد النوازل العقدية، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعى فى تحليل الشبهات، إلى جانب إعداد استراتيجية متكاملة وموسوعة علمية معاصرة للنوازل العقدية، وتأهيل جيل من الباحثين يجمع بين العلوم الشرعية والإنسانية، بما يسهم فى بناء خطاب دينى راسخ يواكب تحديات العصر ويحفظ هوية الأمة.

الدكتور عواد محمود عواد سالم، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، قال إن التأويل الحداثى للنصوص الدينية يمثل أحد أبرز التحديات الفكرية المعاصرة لاعتماده على قراءات نسبية تنفى ثبات الدلالات، وتخضع النصوص للمتغيرات الثقافية والفكرية، بما يهدد الحقائق العقدية ويضعف صلة النص بوحيه الإلهى، وأن المنهج الإسلامى فى فهم النصوص يقوم على قواعد اللغة وأصول الشريعة، مع إتاحة باب الاجتهاد والاستفادة من معارف العصر دون الإخلال بمقاصد النص أو ثوابته، مؤكدًا أن التجديد المنشود يعنى تطوير آليات الفهم والبيان، لا تغيير أصول الدين أو استبدال المرجعية الشرعية بتصورات بشرية.

وقال إن القراءة المنضبطة تستهدف الكشف عن مراد الشارع، بينما تقوم القراءة الحداثية على إسقاط الخلفيات الفكرية للقارئ على النص، محذرًا من أن نظرية «ثبات النص وحركة المحتوى» تفتح الباب أمام تفسيرات غير منضبطة تُفرغ النصوص من مقاصدها، وتفقدها دورها فى الهداية، مؤكدًا أن التجديد الحقيقى يجمع بين الحفاظ على ثوابت الدين وتطوير وسائل عرضها بما يواكب قضايا العصر.

وكان للدكتور إبراهيم نجم، المستشار العام لمفتى الجمهورية والأمين العام لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، رأى آخر بأن مواجهة النوازل الفكرية أصبحت ضرورة تفرضها التحولات الفكرية المتسارعة وانتشار الشبهات عالميًا، مؤكدًا أن التعامل معها يتطلب عملًا مؤسسيًا وتنسيقًا دوليًا يجمع بين أصالة المرجعية وفهم الواقع.

وأوضح، خلال ورشة «النوازل العقدية فى الفكر المعاصر وموقف الإسلام منها»، أن الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم تمثل المظلة العالمية الجامعة للمؤسسات الإفتائية، وتعمل على تنسيق الجهود وتبادل الخبرات وبناء مواقف علمية مشتركة، مع احترام خصوصية كل مؤسسة وطنية.

وأشار إلى أن استراتيجية الأمانة ترتكز على خمسة محاور رئيسة: الرصد والتحليل المبكر، وبناء قدرات العلماء والباحثين، والاشتباك الإيجابى مع القضايا، والتشبيك مع المؤسسات العلمية والإفتائية والبحثية، والتكامل المعرفى بين مختلف التخصصات، بما يضمن إنتاج خطاب إفتائى قادر على مواكبة المستجدات.

وشدد على أن أخطر ما تواجه به المؤسسات الدينية القضايا الفكرية هو التجاهل أو التأخر فى معالجتها أو الاكتفاء بالإنكار، مؤكدًا أن الفتوى يجب أن تتجاوز كونها إجابة فردية لتصبح أداة لبناء الوعى وتعزيز الأمن الفكرى والاستقرار الإنساني، وأن العمل المؤسسى الجماعى هو السبيل الأمثل لمواجهة تحديات الحاضر واستشراف المستقبل.