الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من السد العالى إلى الضبعة النووية

الطاقة.. روح التنمية بين الماضى والحاضر

منذ ثورة 23 يوليو، ارتبطت فكرة التنمية فى مصر بامتلاك قرارها الوطنى وبناء مشروعات قومية قادرة على تحقيق الاكتفاء ودعم الاقتصاد، وكان ملف الطاقة فى مقدمة هذه الأولويات، حيث مثّل السد العالى أحد أعظم الإنجازات الوطنية التى وضعت أساس النهضة الصناعية والزراعية، بينما تمثل محطة الضبعة النووية اليوم امتدادًا لهذا النهج فى الجمهورية الجديدة، عبر مشروع استراتيجى يهدف إلى تأمين احتياجات الأجيال المقبلة من الطاقة النظيفة والمستدامة.



عندما بدأ إنشاء السد العالى فى ستينيات القرن الماضى، لم يكن مجرد مشروع لتوليد الكهرباء أو تنظيم مياه النيل، بل كان إعلانًا عن قدرة الدولة المصرية على تنفيذ مشروع قومى عملاق يعزز السيادة الوطنية ويدعم خطط التنمية الشاملة، حيث أسهم على مدار عقود فى توفير الطاقة اللازمة للتوسع الصناعى، وحماية مصر من أخطار الفيضانات والجفاف، ليصبح رمزًا للإرادة الوطنية والتنمية المستقلة.

واليوم، تواصل مصر المسيرة نفسها من خلال محطة الضبعة النووية، التى تمثل نقلة نوعية فى قطاع الطاقة، باعتبارها أول محطة نووية لإنتاج الكهرباء فى البلاد.

 ويأتى المشروع فى إطار استراتيجية الدولة لتنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدى، وتعزيز أمن الطاقة، بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030، فلا يقتصر أثر مشروع الضبعة على إنتاج الكهرباء فحسب، بل يمتد إلى نقل التكنولوجيا النووية السلمية، وتأهيل الكوادر المصرية، وتوطين الصناعات المرتبطة بالمشروع، بما يسهم فى بناء قاعدة علمية وصناعية متقدمة تدعم الاقتصاد الوطنى وترفع من تنافسية الدولة إقليميًا ودوليًا.

 

 

 

وخلال العقود الماضية، نجحت مصر فى بناء مزيج متوازن من مصادر الطاقة، يجمع بين الكهرباء، والطاقة النووية، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وهو ما يعكس رؤية استراتيجية تستهدف توفير إمدادات آمنة ومستدامة من الطاقة، قادرة على تلبية احتياجات التنمية المتزايدة.

وبين السد العالى والضبعة النووية تمتد رحلة وطن آمن بأن التنمية الحقيقية تبدأ من امتلاك أدوات القوة، وأن الاستثمار فى الطاقة هو استثمار فى مستقبل الأجيال القادمة.

 وإذا كان السد العالى قد جسّد حلم بناء الدولة الحديثة بعد ثورة يوليو، فإن الضبعة النووية تمثل اليوم عنوانًا لمرحلة جديدة من التقدم، تؤكد أن مصر تواصل البناء بثقة، وتنتقل بخطى ثابتة نحو مستقبل يعتمد على العلم والتكنولوجيا والتنمية المستدامة.

من جانبه، أكد د.أحمد الشناوى خبير الطاقة المتجددة، أن استراتيجية مصر فى قطاع الكهرباء تعتمد على تحقيق أمن الطاقة من خلال تنويع مصادر الإنتاج، وضمان وجود احتياطى آمن يضمن استقرار الشبكة الكهربائية، ويبلغ إجمالى قدرات التوليد نحو 65 ألف ميجاوات، بينما يصل أقصى حمل إلى نحو 39 ألف ميجاوات خلال فصل الصيف، وهو ما يوفر فائضًا يدعم استقرار الشبكة ويتيح التوسع فى مشروعات الربط الكهربائى.

وتابع: «يُعد السد العالى نقطة الانطلاق الحقيقية لمسيرة مصر فى إنتاج الكهرباء من المصادر النظيفة، إذ تبلغ قدرته نحو 2100 ميجاوات، إلى جانب دوره التاريخى فى حماية البلاد من الفيضانات والجفاف وتنظيم مياه النيل، كما أسهم المشروع فى تكوين كوادر هندسية مصرية اكتسبت خبرات كبيرة فى إنشاء السدود ومحطات الطاقة الكهرومائية، انعكست لاحقًا فى تنفيذ مشروعات كبرى خارج مصر، أبرزها سد ومحطة جوليوس نيريرى فى تنزانيا».

واستطرد: «فى إطار تنويع مزيج الطاقة، اتجهت مصر إلى الطاقة النووية السلمية من خلال مشروع محطة الضبعة النووية، التى تضم أربعة مفاعلات من طراز VVER-1200 بقدرة إجمالية 4800 ميجاوات. ويهدف المشروع إلى توفير مصدر كهرباء مستقر وآمن يعمل على مدار الساعة، مع تطبيق أعلى معايير الأمان النووى العالمية».

وأردف: «لا يقتصر دور محطة الضبعة على إنتاج الكهرباء، بل يمتد إلى نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة النووية، وزيادة نسب التصنيع المحلى، وتأهيل الكوادر المصرية، وخلق آلاف فرص العمل، إضافة إلى تقليل استهلاك الغاز الطبيعى فى محطات الكهرباء التقليدية، بما يتيح توجيهه للتصدير أو للصناعات ذات القيمة المضافة، كما تمثل الطاقة النووية أحد مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات الكربونية، بما يدعم التزامات مصر البيئية ورؤية مصر 2030 للتحول نحو اقتصاد أكثر استدامة».

وهكذا، تمتد رحلة مصر فى بناء أمن الطاقة من السد العالى، الذى رسخ مفهوم الاعتماد على الموارد الوطنية، إلى محطة الضبعة النووية، التى تمثل مرحلة جديدة فى مسيرة التنمية، وتعزز مكانة مصر كدولة تمتلك مزيجًا متوازنًا من مصادر الطاقة يضمن أمنها الاقتصادى والاستراتيجى.

وشدد الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، على أن الدولة المصرية حققت تقدمًا كبيرًا فى ملف أمن الطاقة، سواء فى مجال الوقود الأحفورى أو الطاقة النظيفة والمتجددة، مشيرًا إلى أن التوسع فى أعمال البحث والاستكشاف أسفر عن اكتشافات واعدة، بالتزامن مع زيادة المساحات الاستكشافية وجذب شركات عالمية كبرى، مثل إكسون موبيل وشيفرون، وهو ما يسهم فى زيادة معدلات الإنتاج وتعزيز الاستثمارات بقطاع البترول والطاقة.

وأوضح، أن من أبرز الخطوات التى اتخذتها الدولة فى هذا الملف خفض مستحقات الشركاء الأجانب إلى مستويات غير مسبوقة صفر ديون، بما يعزز ثقة المستثمرين ويشجع على ضخ استثمارات جديدة فى قطاع الطاقة.

وأضاف: إن المحور الثانى فى استراتيجية أمن الطاقة يتمثل فى تنويع مزيج الطاقة، من خلال التوسع فى مصادر الطاقة النظيفة، التى تشمل طاقة الرياح، والطاقة الكهرومائية المولدة من السد العالى، إلى جانب الطاقة النووية من محطة الضبعة، لافتًا إلى أن الدولة تستهدف رفع مساهمة الطاقة النظيفة إلى 42% من إجمالى مزيج الطاقة.

وأشار إلى أن تراجع إنتاج الغاز الطبيعى يفرض ضرورة التوسع فى الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، موضحًا أن نحو 70% من إنتاج الغاز يُستخدم فى تشغيل محطات الكهرباء، بينما انخفض الإنتاج المحلى من نحو 7 مليارات قدم مكعبة يوميًا إلى حوالى 4.1 مليار قدم مكعبة يوميًا، بما يعنى وجود فجوة تقترب من 2.9 مليار قدم مكعبة يوميًا. 

وأضاف: إن الدولة تعمل على سد جزء من هذه الفجوة من خلال شراكة مع قبرص لاستيراد الغاز، ومن المقرر أن يبدأ تنفيذها خلال عام 2028، موضحًا أن الطاقة النووية، ممثلة فى محطة الضبعة، تُعد من أقوى مصادر الطاقة وأكثرها استدامة واستقرارًا، إلى جانب ما تمثله مشروعات الهيدروجين الأخضر من ركيزة أساسية لمستقبل قطاع الطاقة فى مصر.