من الطلقة الأولى إلى الصلب المدرع
كيف صنعت «23 يوليو» قلعة الإنتاج الحربى فى مصر؟
محمد فؤاد
لم تكن ثورة 23 يوليو 1952، مجرد حدث سياسى غير وجه التاريخ المصرى، بل كانت نقطة التحول الكبرى فى بناء الاقتصاد والقوة العسكرية للدولة، ومن رحم المبدأ السادس للثورة وهو «إقامة جيش وطنى قوى»، ولدت عقيدة صناعية جديدة تؤمن بأن الاستقلال السياسى والعسكرى، لا يكتمل إلا بامتلاك قاعدة صناعية دفاعية ومستقلة تقلل الاعتماد على الاستيراد وتحقق الاكتفاء الذاتى.
رحلة التأسيس «صناعة السلاح والذخيرة»
شهدت حقبة الخمسينيات والستينيات الانطلاقة الحقيقية لهذه السياسة، ففى 23 أكتوبر 1954 سجل التاريخ الإنجاز الأول بخروج أول طلقة ذخيرية مصنوعة بأيد وخامات مصرية من «مصنع 27 الحربى»، ولم يكن هذا الحدث مجرد خطوة إنتاجية بل أصبح رمزًا للسيادة الوطنية وعيدًا سنويًا يحتفل به لـ»الإنتاج الحربى» كل عام.
وبعد هذا الإنجاز، توالى إنشاء وتوسيع المصانع الحربية لتلبية الاحتياجات الأساسية للقوات المسلحة من الأسلحة الصغيرة والمفرقعات والذخائر بمختلف الأعيرة، ومع مر العصور وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973 وما بعدها، توالت التأكيدات على أهمية التصنيع العسكرى، فتوسعت الدولة فى الصناعات الثقيلة والهندسية حتى أصبحت الهيئة القومية للإنتاج الحربى تضم أكثر من 19 شركة ومصنعًا تخدم القطاعين العسكرى والمدنى.
طفرة التصنيع العسكرى «توطين التكنولوجيا»
نجح قطاع الإنتاج الحربى، فى الانتقال التدريجى نحو الصناعات الدفاعية والتكنولوجية المعقدة محققًا قفزات نوعية فى ردع المعتدين وتوطين التكنولوجيا، ومن أبرز هذه الإنجازات «اختراق صناعى استراتيجى بالشراكة مع القطاع الخاص لإنتاج «الصلب المدرع» محليًا لأول مرة فى مصر والشرق الأوسط، إذ يعد حجر الزاوية فى تصنيع المدرعات والمركبات القتالية.
وتضمنت الإنجازات كذلك تطوير المنظومات والمدرعات الحديثة، حيث شملت إنتاج راجمة الصواريخ «رعد 200»، وهى راجمة صواريخ على مركبة مدرعة ذات مجنزرة بنسب تصنيع محلى مرتفعة، والمركبة المدرعة «سينا 200»، والتى تم تطويرها وتصنيع خطوطها ونسخها المختلفة، وتستخدم كمركبات للإصلاح ونجدة المرافقة، هذا بجانب تطوير المدفعية، من خلال تجهيز خطوط الإنتاج لمشروع المدفعية المتطورة 155مم 52عيار «K9A1EGY» لمد القوات المسلحة بأحدث نظم النيران.
كما شملت الإنجازات، «الذخائر والصواريخ» من خلال رفع كفاءة خطوط إنتاج الذخائر المختلفة وتطوير قطاع الميادين المركزية لاختبارات الذخيرة والصواريخ لخدمة القوات المسلحة.
من خدمة الجبهة إلى دعم المشروعات القومية
انطلاقًا من مبدأ «استغلال فائض الطاقات الإنتاجية» استطاعت مصانع الإنتاج الحربى تسخير خبراتها العسكرية لدعم الاقتصاد الوطنى والمساهمة فى بناء البنية التحتية، وذلك من خلال مسارين رئيسيين، هما دعم التحول الأخضر والصناعات البيئية، عبر تصنيع الأتوبيس الكهربائى المصرى «SETIBUS»، بالتعاون مع الشركات المتخصصة، فضلًا عن مشروع تحويل أتوبيسات النقل العام للعمل بالغاز الطبيعى بدلاً من السولار، بجانب إنشاء مجمعات صناعية صديقة للبيئة مثل «إنتاج العبوات الكرتونية من ألياف مخلفات أشجار الموز».
أما المسار الثانى، والخاص بالتصنيع المدنى والبنية التحتية، فقامت الوزارة بتطوير شركة بنها للصناعات الإلكترونية «مصنع 144 الحربى» لتصنيع الشاشات، فضلًا عن إقامة محطات بالطاقة الشمسية، والأنظمة الإلكترونية المتقدمة، علاوةً على توفير السلع المعمرة والمنتجات المدنية للأسرة المصرية بجودة عالية وأسعار تنافسية، إلى جانب المساهمة المباشرة فى المبادرات الرئاسية الكبرى مثل «حياة كريمة».
شريك أساسى فى المبادرات الرئاسية
قامت وزارة الإنتاج الحربى، أيضًا بتنفيذ العديد من المشروعات خلال السنوات الماضية ضمن المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، مثل إنشاء وتطوير شبكات ومحطات مياه الشرب والصرف الصحى، وإنشاء وتطوير وحدات بيطرية، ومد وتدعيم شبكات الكهرباء، وتوفير الأجهزة المنزلية للسكن البديل، ومصانع تدوير المخلفات، وغيرها من المشروعات التى تسهم فى تنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية بتطوير الريف المصرى، والعمل على توفير حياة كريمة للمواطنين على مستوى الجمهورية عبر تقديم حزمة متكاملة من الخدمات التى تشمل جوانب مختلفة صحية واجتماعية ومعيشية.
شراكات واستثمار قائم على البحث العلمى
تستند الخطة الحالية والمستقبلية لوزارة الإنتاج الحربى، على ثلاثة أركان أساسية تضمن استدامة النمو الصناعى، أولها توطين التكنولوجيا من خلال عقد شراكات استراتيجية مع كبرى الشركات العالمية لنقل المعرفة والتكنولوجيا الحديثة، وثانيها التكامل مع القطاع الخاص، عبر إفساح المجال للشراكة الصناعية والاستثمار مع الشركات المحلية والأجنبية لتعزيز المكون المحلى، وآخرها البحث والتطوير، وفيه تم الاعتماد على مركز التميز العلمى والتكنولوجى والمؤسسات التعليمية التابعة للوزارة لتطوير أبحاث وتصاميم النظم الدفاعية والمدنية.






