21 مليارا للغزل والنسيج و4 مليارات للنصر للسيارات و20 مليارا لكيما أسوان
القلاع الصناعية.. من التأسيس إلى إعادة الإحياء وتوطين التكنولوجيا الحديثة
نسرين أبوالمجد
لم تكن المصانع التى شُيدت عقب ثورة يوليو 1952 مجرد مبانٍ ضخمة أو خطوط إنتاج، بل كانت تجسيدًا لحلم دولة أرادت أن تمتلك قرارها الاقتصادى، وأن تنتقل من دولة تعتمد على الاستيراد إلى دولة تصنع احتياجاتها بنفسها.
وقتها رفع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر شعارًا أصبح عنوانًا لمرحلة كاملة: «من الإبرة إلى الصاروخ».
وخلال سنوات قليلة، خرجت إلى النور عشرات القلاع الصناعية فى مجالات الغزل والنسيج والسيارات والحديد والصلب والألومنيوم والأسمدة والدواء، لتشكل العمود الفقرى للاقتصاد المصرى لعقود طويلة.
لكن الزمن لم يكن رحيمًا بهذه القلاع، فعلى مدار سنوات، ومع غياب التطوير والتحديث، بدأت الماكينات تشيخ، وتراجعت القدرة الإنتاجية، وتراكمت الديون والخسائر، حتى تحولت مصانع كانت يومًا مصدر فخر إلى كيانات مهددة بالتوقف أو التصفية.
ومع انطلاق الجمهورية الجديدة، تبنت الدولة رؤية مختلفة تقوم على إعادة بناء الاقتصاد من بوابة الصناعة، ليس فقط بإنقاذ المصانع التاريخية، وإنما بتحويلها إلى مجمعات إنتاجية حديثة تعتمد على أحدث التكنولوجيات العالمية، وتدعم توطين الصناعة وتعميق المكون المحلى وزيادة الصادرات، فيما يلى نستعرض لكم أبرز هذه المشروعات:
الغزل والنسيج
تُعد صناعة الغزل والنسيج واحدة من أقدم الصناعات المصرية وأكثرها ارتباطًا بتاريخ الصناعة الوطنية، لذلك جاءت فى مقدمة القطاعات التى استهدفتها خطة التطوير.
وفى عام 2019 أعلنت وزارة قطاع الأعمال العام آنذاك إطلاق المشروع القومى لتطوير شركات الغزل والنسيج، باستثمارات بلغت نحو 21 مليار جنيه، شملت تطوير سبع شركات كبرى، إلى جانب التعاقد على توريد نحو 800 ألف مردن وماكينات حديثة من سويسرا وإيطاليا، فى أكبر عملية تحديث يشهدها القطاع منذ عقود.
وبحلول ديسمبر 2024 انتهت المرحلة الأولى من المشروع داخل شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، والتى تضمنت افتتاح مصنع «غزل 1»، الذى يُعد أكبر مصنع غزل فى العالم، بالإضافة إلى تشغيل مصنع غزل 4، ومصنع تحضيرات النسيج 1، ومحطة الكهرباء الجديدة.
أما المرحلة الثانية، التى امتدت خلال عام 2025، فشهدت تشغيل أربعة مصانع جديدة داخل المحلة، تشمل مصانع النسيج والصباغة وغزل 6 وتحضيرات النسيج 2، إلى جانب بدء التشغيل التجريبى لمصنع غزل 2 بمدينة شبين الكوم.
واليوم تضع الدولة اللمسات الأخيرة على المرحلة الثالثة والأخيرة من المشروع، والتى تمتد إلى مصانع كفر الدوار ودمياط والدقهلية والمنيا وحلوان، فى خطوة تستهدف استعادة الريادة المصرية فى صناعة الغزل والنسيج عالميًا.
النصر للسيارات
عندما تأسست شركة النصر للسيارات عام 1960، كانت أول شركة لإنتاج السيارات فى الشرق الأوسط، وأحد أبرز رموز المشروع الصناعى المصرى.
لكن سنوات طويلة من التراجع وعدم التطوير دفعت الشركة إلى التوقف عن الإنتاج عام 2009، لتقترب من التصفية بعد تراكم الديون وتدهور أوضاعها.
غير أن المشهد تغير بالكامل منذ عام 2023، فبدأت الدولة تنفيذ خطة شاملة لإحياء الشركة، تضمنت إعادة تأهيل عشرة مصانع على مساحة تقارب 900 ألف متر مربع فى منطقة وادى حوف بحلوان، باستثمارات بلغت نحو 4 مليارات جنيه، إلى جانب تعيين 850 عاملًا جديدًا.
وأثمرت عملية التطوير عن عودة خطوط الإنتاج تدريجيًا، حيث بدأت الشركة تصنيع الأتوبيس السياحى «نصر سكاى» بسعة 49 راكبًا، بنسبة مكون محلى بلغت 63.5%، مع استهداف الوصول إلى 70% خلال عام 2026، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 300 أتوبيس سنويًا ترتفع إلى 1500 أتوبيس فى 2027.
كما تنتج الشركة المينى باص «نصر ستار» سعة 24 راكبًا بنسبة مكون محلى تتجاوز 70%، وبطاقة إنتاجية تبلغ 300 مينى باص سنويًا، إلى جانب بدء إنتاج أول مينى باص كهربائى ضمن خطة التحول نحو وسائل النقل النظيفة.
ولم تتوقف خطة التطوير عند هذا الحد، إذ يجرى تجهيز مصنع سيارات الركوب، الذى يُعد من أحدث مصانع السيارات فى الشرق الأوسط، بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 ألف سيارة سنويًا، وبنسبة مكون محلى تتراوح بين 45 و47% فى المرحلة الأولى، مع تفعيل شراكات مع مجموعة عالمية لإنتاج سيارات كهربائية تحمل علامة «النصر» من جديد.
مصر للألومنيوم
فى قلب مدينة نجع حمادى بمحافظة قنا، تقف شركة مصر للألومنيوم كواحدة من أكبر القلاع الصناعية التى أنشئت فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بعدما تأسست عام 1969 لتصبح أكبر مجمع متكامل لصناعة الألومنيوم فى مصر والشرق الأوسط.
وعلى مدار عقود، لعبت الشركة دورًا محوريًا فى تلبية احتياجات السوق المحلية، إلى جانب تصدير منتجاتها إلى عشرات الأسواق الخارجية، إلا أن خطوط الإنتاج احتاجت إلى تحديث شامل لمواكبة التطورات العالمية وتقليل استهلاك الطاقة ورفع كفاءة التشغيل.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد المجمع أكبر خطة تطوير منذ إنشائه، تستهدف مضاعفة الطاقة الإنتاجية من نحو 300 ألف طن إلى 600 ألف طن سنويًا، مع تحديث خطوط الإنتاج وإدخال تكنولوجيا حديثة أكثر كفاءة فى استهلاك الكهرباء.
وفى مايو 2026، وقعت الشركة اتفاقًا استراتيجيًا بقيمة 900 مليون دولار مع شركة ترافيجورا، ثانى أكبر شركة عالميًا فى تجارة المواد الخام، بهدف دعم خطط التوسع وزيادة الطاقة الإنتاجية، فيما بلغت الموازنة الاستثمارية للشركة خلال العام المالى 2026/2027 نحو 3.6 مليار جنيه.
وفى الوقت نفسه، تنفذ الشركة برنامجًا واسعًا للإحلال والتجديد باستثمارات تبلغ 1.6 مليار جنيه، يتضمن تنفيذ عمرات جسيمة لـ12 خلية إنتاج، وتطوير قطاع الدرفلة والمسـابك، وإحلال محولات التوحيد الروسية، وتحديث قطاع الفحم والأقطاب، وتزويد مركز البحوث بأجهزة تحليل حديثة.
كيما بأسوان
على ضفاف النيل فى أسوان، تأسست شركة الصناعات الكيماوية المصرية «كيما» عام 1956، لتصبح إحدى أهم قلاع صناعة الأسمدة فى مصر.
وعلى مدى سنوات طويلة، ظل المصنع يعمل بالتكنولوجيا القديمة المعتمدة على الكهرباء، قبل أن تبدأ الدولة تنفيذ أكبر خطة تطوير فى تاريخه، باستثمارات قاربت 20 مليار جنيه، لتحويله إلى مجمع صناعى حديث يعتمد على الغاز الطبيعى، ويضاعف الإنتاج عدة مرات.
وكان أبرز مشروعات التطوير إنشاء مصنع «كيما 2»، الذى يعمل حاليًا بكامل طاقته، بتكلفة بلغت نحو 11.6 مليار جنيه، بما يعادل حوالى 235 مليون يورو، بتمويل من بنوك مصرية وتنفيذ شركة تكنومونت الإيطالية، على مساحة تقارب 60 فدانًا.
وارتفعت الطاقة الإنتاجية للمصنع إلى 1200 طن أمونيا يوميًا بدلًا من 300 طن فى المصنع القديم، إضافة إلى 1575 طن يوريا يوميًا، بإجمالى إنتاج سنوى يبلغ نحو 396 ألف طن أمونيا و520 ألف طن يوريا.
ولم تتوقف أعمال التطوير عند هذا الحد، إذ يجرى تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع.
وتستهدف هذه المشروعات سد احتياجات السوق المحلية من الأسمدة، حيث يوجه نحو 55% من الإنتاج للسوق المصرية، إلى جانب زيادة الصادرات، وتقليل الواردات، وترشيد استهلاك الطاقة والمياه، وخفض الانبعاثات، ودعم التنمية الصناعية فى صعيد مصر.
النصر للكيماويات الدوائية
ضمن خطة الدولة لتوطين صناعة الدواء، حظيت شركة النصر للكيماويات الدوائية فى أبو زعبل بأولوية خاصة فى التطوير.
فالشركة، التى تأسست عام 1960 وبدأت الإنتاج عام 1965 على مساحة تتجاوز 521 ألف متر مربع، تُعد واحدة من أعرق شركات الدواء الحكومية فى مصر.
وفى عام 2023 بدأت أعمال تطوير الشركة ضمن خطة تستهدف تحديث ثمانى شركات أدوية مملوكة للدولة، وانتهت أعمال التطوير الرئيسية خلال العام الماضى، لتبدأ الشركة مرحلة جديدة من الإنتاج.
وشملت أعمال التطوير إعادة تأهيل المخازن ومحطات المياه، وتحديث 31 خط إنتاج وفقًا للمعايير العالمية، مع استمرار تطوير 20 خطًا آخر.
وأعادت عمليات التطوير الشركة إلى دائرة المنافسة، حيث تنتج حاليًا خامات دوائية، ومحاليل طبية، ومستحضرات صيدلانية صلبة، ومستحضرات بيطرية، ومطهرات، وكيماويات معملية، ومرشحات للكلى، بإجمالى يزيد على 41 منتجًا موزعة على 15 فئة علاجية.
كما نجحت الشركة فى تحقيق 32.5 مليون جنيه أرباحًا خلال العام المالى 2025/2026، بعد سنوات طويلة من الخسائر.
وتستهدف الدولة تحويل الشركة إلى نموذج متكامل للصناعة الدوائية يعتمد على الاستثمار المستدام والتصنيع المحلى، بما يسهم فى توفير أدوية آمنة بأسعار مناسبة، وتعزيز الأمن الدوائى المصرى.
الحديد والصلب بحلوان
كان مصنع الحديد والصلب بحلوان، منذ تأسيسه عام 1954 بقرار من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أحد أكبر المشروعات الصناعية فى الشرق الأوسط، ورمزًا لقدرة الدولة المصرية على بناء صناعة ثقيلة تعتمد عليها مشروعات التنمية لعقود طويلة.
وعلى مدار سنوات، خرج من بوابات المصنع ملايين الأطنان من الحديد، وأسهم فى تنفيذ عدد كبير من المشروعات القومية، كما وفر آلاف فرص العمل، ليصبح أحد أبرز معالم الصناعة الوطنية.
لكن مع مرور الوقت، بدأت المشكلات تتراكم. فضعف الاستثمارات، وتقادم المعدات، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع الإنتاج، كلها عوامل دفعت الشركة إلى تسجيل خسائر ضخمة تجاوزت 8.5 مليار جنيه، إلى جانب مديونيات بلغت نحو 5.9 مليار جنيه.
وفى يناير 2021 صدر قرار الجمعية العامة غير العادية بتصفية شركة الحديد والصلب المصرية، لتبدأ إجراءات بيع الأصول وإنهاء النشاط، وهى الإجراءات التى امتدت خلال السنوات التالية.
إلا أن قصة المصنع لم تنته عند هذا الحد.
فبعد عرض الملف على الرئيس عبد الفتاح السيسى، تقرر وقف هدم المصنع ودراسة إعداد رؤية جديدة للاستفادة من أصوله وإمكانية إعادة تشغيل أجزاء منه، بما يحافظ على القيمة الصناعية والتاريخية لهذا الصرح.






