الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

القناة جسر يربط الأمن القومى المصرى بالتنمية المستدامة

قناة السويس من قرار التأميم إلى شريان التجارة العالمية

مثّل قرار تأميم قناة السويس أحد أبرز الإنجازات التاريخية التى حققتها ثورة 23 يوليو 1952، بعدما أعاد إلى مصر سيادتها الكاملة على أهم ممر ملاحى فى العالم، لينتقل هذا الإنجاز مع مرور العقود من مجرد استعادة للحقوق الوطنية إلى قاعدة تنموية كبرى، جعلت من القناة اليوم أحد أهم محاور الاقتصاد المصرى وإحدى الركائز الرئيسية للأمن القومى فى الجمهورية الجديدة.



ففى 26 يوليو 1956، اتخذ الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس، ليضع نهاية لسيطرة الأجانب على المرفق الملاحى الذى لم تكن مصر تحصل من عائداته سوى نسبة محدودة لا تتجاوز 3%، رغم أهميته الاستراتيجية العالمية.

واليوم، وبعد سبعة عقود من هذا القرار التاريخى، أصبحت قناة السويس نموذجًا للتنمية الشاملة، بفضل مشروعات التطوير والتوسعات التى شهدتها فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، وفى مقدمتها مشروع قناة السويس الجديدة، الذى عزز مكانة المجرى الملاحى ورفع قدرته التنافسية عالميًا.

قناة السويس.. القلب النابض للتجارة العالمية

تُعد قناة السويس أحد أهم الممرات البحرية فى العالم، إذ تربط بين البحرين المتوسط والأحمر بطول يقارب 193 كيلومترًا، وتوفر للسفن ما يصل إلى 15 يومًا مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يجعلها أقصر وأسرع طريق بحرى يربط بين أوروبا وآسيا.

 

 

 

وتسيطر القناة على نحو %8 من حركة التجارة والملاحة العالمية، كما تُعد مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبى ودعامة أساسية للاقتصاد المصرى، فضلًا عن دورها الحيوى فى تأمين حركة نقل الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب.

أرقام تعكس نجاح التطوير

شهدت قناة السويس خلال العام المالى 2025/2026، مؤشرات تشغيلية إيجابية، حيث ارتفع عدد السفن العابرة إلى 13 ألفًا و607 سفن، مقابل 12 ألفًا و393 سفينة خلال العام المالى السابق، بزيادة بلغت 1214 سفينة ومعدل نمو يقارب %10.

كما ارتفع عدد ناقلات النفط العابرة إلى 529 ناقلة خلال أبريل 2026، بنسبة زيادة بلغت %28 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما سجل إجمالى السفن العابرة خلال الشهر نفسه 1182 سفينة بزيادة %14.

وفى مجال النقل البرى، سجلت محاور العبور التابعة للقناة مرور أكثر من 40 مليون مركبة خلال الفترة من 2019 وحتى 2026، فى مؤشر يعكس نجاح خطة الدولة فى ربط ضفتى القناة ودعم التنمية فى سيناء ومدن القناة.

استراتيجية متكاملة للحفاظ على مكانة القناة

أكد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن الهيئة نجحت خلال السنوات الأخيرة فى تحقيق طفرة كبيرة رغم التحديات العالمية، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى اضطرابات البحر الأحمر.

وأوضح أن استراتيجية الهيئة حتى عام 2030، ترتكز على تطوير المجرى الملاحى، وتحديث الأسطول البحرى، والتوسع فى الخدمات اللوجستية والأنشطة البحرية، إلى جانب تعظيم الاستفادة من الأصول وتنويع مصادر الدخل، بما يضمن الحفاظ على التدفق الآمن والمستدام لحركة التجارة العالمية.

وأشار إلى أن القاطرات الجديدة التى انضمت لأسطول الهيئة أصبحت صناعة مصرية %100، فى خطوة تعكس نجاح الدولة فى توطين الصناعات البحرية.

عودة قوية بعد تحديات البحر الأحمر

رغم التحديات التى فرضتها أحداث باب المندب خلال عامى 2024 و2025، بدأت حركة الملاحة فى العودة تدريجيًا إلى طبيعتها، مع توقعات بتحقيق إيرادات تقترب من 8 مليارات دولار بنهاية العام الجارى، بعد أن سجلت القناة أعلى إيرادات فى تاريخها عام 2023 بنحو 10.2 مليار دولار.

كما استقبلت القناة مؤخرًا سفينة الحاويات العملاقة CMA CGM SAINT GERMAIN لأول مرة، فى تأكيد جديد على قدرة المجرى الملاحى على استقبال أحدث وأضخم السفن العالمية.

من التأميم إلى قناة السويس الجديدة

تؤكد الدكتورة فاطمة أبو شوك، خبيرة الاقتصاد ورئيس جهاز شئون البيئة الأسبق، أن قناة السويس مرت بمحطات تاريخية فارقة، بداية من قرار التأميم عام 1956، مرورًا بإغلاقها عقب حرب يونيو 1967، ثم إعادة افتتاحها أمام الملاحة العالمية فى الخامس من يونيو 1975، بعد إزالة آثار الحرب.

وأضافت إن مشروع قناة السويس الجديدة، الذى أطلقه الرئيس عبدالفتاح السيسى عام 2014، أعاد رسم مستقبل الممر الملاحى، حيث تم تنفيذ قناة موازية تسمح بحركة السفن فى الاتجاهين، وتقلل زمن العبور، وتزيد الطاقة الاستيعابية للقناة، بما يعزز قدرتها التنافسية عالميًا.

مكاسب اقتصادية وتنموية

أسهم مشروع قناة السويس الجديدة فى رفع كفاءة المجرى الملاحى، حيث أصبحت الأجزاء المزدوجة تمثل %63 من إجمالى القناة، مقارنة بـ%58 قبل تنفيذ المشروع، كما ارتفعت قدرتها الاستيعابية إلى 103 سفن يوميًا.

وأصبحت القناة قادرة على استقبال %100 من سفن الحاويات، و%93 من سفن الصب الجاف، و%63 من ناقلات البترول، مع زيادة عامل الأمان الملاحى بنسبة %28، بما يعزز مكانتها كأحد أكثر الممرات البحرية أمانًا وكفاءة فى العالم.

شبكة محاور وأنفاق لدعم التنمية

لم يقتصر التطوير على المجرى الملاحى، بل امتد إلى إنشاء شبكة متكاملة من محاور العبور، تضم 26 محورًا تشمل الأنفاق والكبارى والمعديات، إلى جانب افتتاح كوبرى النصر العائم 2، بما يسهم فى تعزيز التنمية العمرانية والصناعية فى سيناء ومدن القناة.

كما شهدت المنطقة توطينًا متزايدًا للصناعات البحرية، حيث بدأت ترسانة بورسعيد تنفيذ مشروع لبناء 10 قاطرات بحرية بقوة شد 80 طنًا مخصصة للتصدير.

رمز للسيادة ومحرك للتنمية

وتؤكد الدكتورة سحر طحلاوى، الخبيرة الاقتصادية، أن مشروع قناة السويس الجديدة لم يكن مجرد توسعة لمجرى ملاحى، بل نقطة انطلاق لمشروعات قومية كبرى أسهمت فى جذب الاستثمارات، وزيادة فرص العمل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصرى، فضلًا عن دعم الأمن القومى من خلال ربط سيناء بالوادى والدلتا. وأضافت أن القناة أصبحت اليوم نموذجًا يجسد كيف تحولت ثمار ثورة يوليو من استعادة السيادة الوطنية إلى مشروع تنموى عالمى يخدم الاقتصاد المصرى، ويعزز مكانة الدولة على خريطة التجارة الدولية، لتظل قناة السويس أحد أهم رموز قوة مصر وسيادتها، وأحد أبرز إنجازات الجمهورية الجديدة.