الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

ناصر بدأ التعاون بدعم حركات التحرر.. والسيسى جعل مصر صوت القارة أمام العالم

القاهرة.. عاصمة النضال الإفريقى

شكلت ثورة 23 يوليو 1952 نقطة تحول تاريخية فى تاريخ القارة السمراء، حيث قادت مصر جهوداً قوية لدعم حركات التحرر الوطنى الإفريقى ضد الاستعمار، وسخرت إمكاناتها لنيل شعوب القارة استقلالها، مما ساهم فى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963 وترسيخ قيم التضامن والشراكة القارية التى استمرت عقوداً، مؤكدة أن أمن مصر القومى يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن محيطها العربى والإفريقي، فمنذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، تحولت القاهرة إلى قبلة لزعماء حركات التحرر الوطني، واحتضنت قيادات سياسية وثورية من مختلف أنحاء القارة، وقدمت لهم الدعم السياسى والإعلامى والدبلوماسي، إلى جانب التدريب والمساندة فى المحافل الدولية، لتصبح إحدى أهم العواصم التى ارتبط اسمها بحركات الاستقلال فى إفريقيا والعالم العربى.



فيما أكد عدد من مساعدى وزراء الخارجية السابقين وخبراء الشئون الإفريقية لجريدة «روزاليوسف»، أن هذا الدور لم يكن مرتبطًا بشخص أو مرحلة بعينها، وإنما أصبح أحد ثوابت السياسة الخارجية المصرية، وإن اختلفت أدواته وأولوياته من مرحلة إلى أخرى، لينتقل مع مرور الوقت من دعم حركات التحرر إلى دعم بناء الدولة والتنمية والتكامل الاقتصادى.

مواجهة الاختراق الإسرائيلى

من جانبه، قال السفير حسين هريدى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن ثورة يوليو وضعت الدائرة الإفريقية فى موقع متقدم ضمن أولويات السياسة الخارجية المصرية، انطلاقًا من إدراكها أن أمن مصر القومى لا ينفصل عن أمن القارة، وأن استمرار الاستعمار فى إفريقيا كان يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقلال مصر وسيادتها.

وأوضح أن القاهرة، بعد العدوان الثلاثى عام 1956، سخرت إمكاناتها لدعم حركات التحرر الوطنى فى مختلف أنحاء إفريقيا، حتى أصبحت العاصمة السياسية للقارة، مشيرًا إلى أن هذا التحرك لم يكن يهدف فقط لإنهاء الاستعمار، وإنما لمواجهة محاولات إسرائيل اختراق القارة وتطويق العالم العربى من الجنوب، وهى السياسة التى نجحت مصر فى الحد من آثارها لسنوات طويلة.

وأضاف، أن المكانة التى اكتسبتها القاهرة تجسدت فى اختيار الزعيم الجنوب إفريقى نيلسون مانديلا لها لافتتاح أول مكتب لحزب المؤتمر الوطنى الإفريقى خارج جنوب إفريقيا، وهو ما يعكس الثقة التى حظيت بها مصر لدى قادة التحرر الإفريقي.

التجربة الوطنية المصرية

بينما، أكد السفير رخا حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن مصر لم تنظر إلى دعم إفريقيا باعتباره واجبًا سياسيًا فحسب، وإنما بوصفه امتدادًا لتجربتها الوطنية فى مقاومة الاحتلال البريطاني، وهو ما دفعها لتسخير إمكاناتها لمساندة حركات الاستقلال.

وأوضح، أن القاهرة فتحت أبوابها لقيادات حركات التحرر، وقدمت لهم الملاذ الآمن والتدريب والدعم السياسي، فى وقت كانت فيه السيطرة الاستعمارية تمتد إلى الجيوش والاقتصاد والتجارة والمرافق الحيوية، وهو ما دفع مصر أيضًا إلى تبنى سياسات اقتصادية هدفت إلى استعادة القرار الوطنى وتقليص النفوذ الأجنبي.

وأشار إلى أن عام 1960، الذى عرف بـ”عام إفريقيا”، مثل نقطة تحول تاريخية مع استقلال عدد كبير من الدول الإفريقية، لافتًا إلى أن أولويات القارة تغيرت اليوم، إذ أصبحت التنمية الاقتصادية وبناء المؤسسات ومواجهة التحديات الأمنية تحتل صدارة الاهتمام.

الوحدة الإفريقية

بدوره، أوضح السفير على الحفني، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الدعم المصرى لم يقتصر على المساندة السياسية، بل شمل التدريب والمعونات والدعم الذى عزز قدرة حركات التحرر على مواصلة نضالها.

وأشار إلى أن مرحلة ما بعد مؤتمر باندونج شهدت تأسيس منظمة تضامن الشعوب «الأفرو-آسيوية»، التى مثلت إطارًا للتنسيق بين حركات التحرر، فيما تحولت القاهرة لمركز يجتمع فيه قادة إفريقيا لتبادل الرؤى والتنسيق المشترك.

وأضاف، أن مصر لعبت دورًا رئيسيًا فى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، وأن اهتمامها بإنهاء الاستعمار استمر خلال العقود اللاحقة، وصولًا إلى دعم استقلال ناميبيا، التى كانت آخر دولة إفريقية تنال استقلالها بعد عقود من الاحتلال.

ويرى السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن القاهرة لم تكن مجرد عاصمة لدولة مستقلة، بل أصبحت العاصمة الفعلية للنضال الإفريقي، ومنبرًا سياسيًا وإعلاميًا وتنظيميًا لحركات التحرر.

وأوضح أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ربط بين استقلال مصر واستقلال إفريقيا، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن التحرر معركة مشتركة، وهو ما ترجمته القاهرة إلى دعم سياسى ودبلوماسى وإعلامى وتنظيمي، إضافة إلى تدويل القضايا الإفريقية داخل الأمم المتحدة والمحافل الدولية.

وأشار إلى أن العلاقات التى جمعت مصر بقيادات التحرر لم تكن علاقات بروتوكولية، وإنما قامت على شراكة فكرية وسياسية أسهمت فى بلورة أفكار عدم الانحياز وتعزيز التعاون بين دول الجنوب.

وأكد، أن ما تشهده العلاقات «المصرية - الإفريقية» فى الوقت الراهن يمثل امتدادًا طبيعيًا للدور التاريخى الذى اضطلعت به مصر فى القارة، وإن اختلفت أدواته وأولوياته، فبعد أن كان الهدف فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى هو دعم حركات التحرر الوطنى وإنهاء الاستعمار، أصبحت التنمية الشاملة، وبناء القدرات، وتعزيز التكامل الاقتصادي، هى العنوان الرئيسى للتحرك المصرى فى إفريقيا.

وأشار إلى أن زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى تنزانيا تجسد هذا التحول فى مسار العلاقات المصرية الإفريقية، وتعكس حرص القاهرة على ترسيخ شراكات استراتيجية قائمة على التنمية والاستثمار ونقل الخبرات، بما يعزز الأمن والاستقرار فى القارة، ويؤكد أن إفريقيا لا تزال تحتل موقعًا متقدمًا ضمن أولويات السياسة الخارجية المصرية.

وأوضح أن مشروع سد ومحطة جوليوس نيريرى يعد نموذجًا بارزًا لهذا النهج، إذ نجحت الشركات المصرية فى تنفيذ أحد أكبر المشروعات التنموية فى إفريقيا، بما يعكس كفاءة الخبرة المصرية وقدرتها على الإسهام فى تحقيق التنمية المستدامة داخل دول القارة. 

وأضاف أن المشروع لا يقتصر على توفير الطاقة الكهربائية ودعم التنمية الاقتصادية فى تنزانيا، بل يقدم نموذجًا للتعاون بين دول حوض النيل يقوم على الشراكة والمنفعة المتبادلة واحترام قواعد القانون الدولي، بما يرسخ مفهوم التنمية التوافقية بعيدًا عن السياسات الأحادية.

وأكد أن نجاح مصر فى تنفيذ هذا المشروع يحمل رسالة واضحة مفادها أن القاهرة كانت ولا تزال داعمة لحق الشعوب الإفريقية فى التنمية، وأنها لا تعارض مشروعات البنية التحتية أو توليد الطاقة، وإنما تؤكد دائمًا أهمية أن تقوم هذه المشروعات على أسس التعاون والتوافق وعدم الإضرار بمصالح الدول الأخرى، بما يعزز الأمن والاستقرار فى حوض النيل والقارة الأفريقية.

واختتم مساعد وزير الخارجية الأسبق تصريحاته بالتأكيد أن زيارة الرئيس السيسى إلى تنزانيا تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لتبعث برسالة أفريقية أشمل، مفادها أن مصر تواصل استعادة دورها التاريخى فى القارة عبر نموذج جديد للتعاون يقوم على الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وبناء البنية الأساسية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار إفريقيا وتنميتها يمثلان ركيزة أساسية للأمن القومى المصري، وامتدادًا لثوابت السياسة الخارجية التى أرستها مصر منذ ثورة يوليو، وتواصل تطويرها بما يتواكب مع متطلبات العصر.

أما الدكتور يوسف حسن، أستاذ العلوم السياسية وخبير الشئون الإفريقية، فيؤكد أن مصر هيأت البيئة السياسية التى ساعدت حركات التحرر على تحقيق الاستقلال، وأن القيادة المصرية آنذاك آمنت بوحدة المصير مع أفريقيا وتحركت على المستويات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية رغم ما واجهته من تحديات.

وأضاف أن القارة لم تنس هذا الدور، وهو ما انعكس فى الدعم الذى حظيت به مصر من الدول الأفريقية خلال حرب أكتوبر 1973، كما أن القاهرة أسهمت فى ظهور جيل من القادة الأفارقة الذين قادوا دولهم بعد الاستقلال، وفى مقدمتهم كوامى نكروما، وباتريس لومومبا، وجوليوس نيريري، الذين ارتبطت مشروعاتهم الفكرية والسياسية بمناخ التحرر الذى دعمته مصر.

وفى هذا السياق، شهدت السنوات الأخيرة نشاطًا مصريًا مكثفًا داخل القارة، تمثل فى تكثيف الزيارات المتبادلة، وتوسيع التعاون الاقتصادى والتنموي، وتعزيز برامج بناء القدرات، إلى جانب تولى مصر رئاسة الاتحاد الإفريقى عام 2019، وهى المرحلة التى ركزت خلالها القاهرة على قضايا التكامل القاري، والبنية التحتية، والإصلاح المؤسسي، والتنمية، بما يعكس استمرار الاهتمام المصرى بالشأن الإفريقي، وإن اختلفت أدواته عن مرحلة التحرر الوطني.