الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
العمق الاستراتيجى للأمن القومى المصرى فى إفريقيا

العمق الاستراتيجى للأمن القومى المصرى فى إفريقيا

لم تكن إفريقيا يومًا بعيدة عن الأمن القومى المصرى فقد أدرك الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، عقب ثورة 23 يوليو 1952، أن مصر جزء أصيل من القارة الإفريقية، وأن نهر النيل يمثل سر وجودها، ومن هذا الإدراك لعبت مصر دورًا محوريًا فى دعم حركات التحرر الإفريقى ومواجهة الاستعمار، وأسهمت فى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963 لتصبح القاهرة صوتًا مؤثرًا فى قضايا القارة.



للأسف هذا الدور تراجع خلال عقود لاحقة، بعد محاولة اغتيال الرئيس حسنى مبارك فى أديس أبابا عام 1995، الأمر الذى أدى إلى ابتعاد مصر عن محيطها الإفريقى، وفتح المجال لقوى إقليمية ودولية، وقوى معادية للمصالح المصرية للتغلغل فى القارة والتأثير فى مصالحنا الاستراتيجية، وقد شكل ذلك تهديدًا مباشرًا لعمقنا الجنوبى وأمننا القومى.

بعد ثورة 30 يونيو 2013، بدأت مصر استعادة حضورها الإفريقى، وبرزت مرحلة جديدة مع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى قيادة الدولة، ولا أخفى سرًا بأن ملف إفريقيا وضع على مكتب السيد الرئيس الذى اعتبر هذا الملف تحديدا من أهم الملفات الخاصة بالأمن القومى، بعد التقارير والمعلومات الاستخباراتية التى رصدت كمًا كبيرًا من التهديدات التى لحقت بمصر بعد انصرافها عن إفريقيا.

التوجهات الرئاسية صدرت بعودة إفريقيا إلى صدارة الرؤية المصرية باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للأمن القومى، وتوج هذا التوجه بتولى مصر رئاسة الاتحاد الإفريقى عام 2019، وقيامها بدور نشط فى دعم التعاون والتنمية والسلام، وحل النزاعات بين الدول لفرض السلام والاستقرار داخل القارة السمراء.

 

مصر أسست فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر حضورًا تاريخيًا فى إفريقيا، ثم عادت فى السنوات الأخيرة إلى أهمية بناء هذا الدور وفق أدوات جديدة تواكب تحديات العصر، بين دعم حركات التحرر قديمًا، وتعزيز الشراكات السياسية والاقتصادية، والنظر بعمق شديد لصالح الأمن القومى المصرى، ورصد التحولات الخطيرة قبل وبعد 2011، وكانت الرؤية واضحة بأن استعادة الحضور المصرى فى القارة يمثل استعادة لجزء أصيل من دورنا التاريخى داخل قارة الذهب والماس.

 

الأحداث والمخططات فى المنطقة تؤكد بأنه لم يعد مفهوم الأمن القومى فى العصر الحديث مقتصرًا على حماية الحدود الجغرافية للدولة، بل أصبح هناك مفهوم واسع يرتبط بالأمن المائى والغذائى والاقتصادى وأمن الطاقة والممرات البحرية والاستقرار الإقليمى، فضلًا عن ضرورة أن تكون هناك قدرة للدولة المصرية على بناء علاقات وشراكات استراتيجية مع محيطها الإقليمى والدولى. ومن هذا المنظور، تبرز تنزانيا باعتبارها دولة ذات أهمية خاصة فى الحسابات الاستراتيجية المصرية، وتنبع أهمية تنزانيا بالنسبة إلى مصر من موقعها الجغرافى ودورها فى منظومة شرق إفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى، فضلًا عن ارتباطها بحوض النيل وامتلاكها ساحلًا طويلًا على المحيط الهندى وهذه العوامل تجعل العلاقات المصرية التنزانية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية، لتصبح جزءًا من رؤية أوسع تتعلق بالأمن القومى المصرى والوجود المصرى فى القارة الإفريقية.

ويأتى الأمن المائى فى مقدمة أوجه أهمية تنزانيا بالنسبة إلى مصر، فتنزانيا ترتبط بمنظومة منابع النيل، وتقع أجزاء واسعة من بحيرة فيكتوريا داخل أراضيها، وهى إحدى أهم المنظومات المائية المرتبطة بالنيل الأبيض، ومن ثم فإن التواصل والتعاون مع دار السلام يمثلان أهمية كبيرة فى إطار بناء علاقات متوازنة مع دول حوض النيل.  ومن هذا المنطلق أدركت مصر بكل تأكيد أن أمنها المائى لا يمكن أن يعتمد على التحركات السياسية وقت الأزمات فقط، بل يحتاج إلى بناء علاقات مستدامة مع دول الحوض، من خلال الحوار والتعاون والتنمية والمصالح المشتركة، مع ضرورة احترام قواعد القانون الدولى وعدم الإضرار بمصالح الدول.

من هنا جاءت الزيارة الأخيرة التى قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسى مؤخرًا إلى هذه الدولة الصديقة، وذلك فى إطار أهمية تنزانيا كشريك يمكن أن يسهم فى دعم التعاون والاستقرار داخل منظومة حوض النيل.

تعزيز العلاقات مع دار السلام يمنح القاهرة فرصة مهمة لتوسيع حضورها فى منطقة استراتيجية ترتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر والممرات التجارية الدولية، لذلك قامت القاهرة بالعمل فى مشروع سد ومحطة جوليوس نيريرى الكهرومائية أحد أبرز نماذج التعاون المصرى التنزانى، ويمثل المشروع نموذجًا للشراكة التنموية وقدرة الشركات المصرية على تنفيذ مشروعات كبرى فى القارة الإفريقية، وهو أضخم مشروع لتوليد الكهرباء فى تاريخ تنزانيا تنفذه وتتولى بناءه شركات مصرية «ليكون رمزًا للتعاون الإنمائى والهندسى فى القارة الإفريقية.

التحركات السياسية للقيادة المصرية فى هذا التوقيت مهمة للغاية، خاصة وأن تعزيز العلاقات المصرية- التنزانية ليس مجرد خيار دبلوماسى أو اقتصادى، بل يمثل استثمارًا مباشرًا فى الأمن القومى المصرى والعمق الإفريقى لمصر، فالأمن القومى لهذا الوطن يمتد إلى كل منطقة يمكن أن تؤثر فى المياه أو التجارة أو الطاقة أو الاستقرار الإقليمى، وفى هذا الإطار تظل تنزانيا شريكًا استراتيجيًا مهمًا فى الرؤية المصرية لمستقبل إفريقيا.

 تحيا مصر