محمود قاسم
الفن من مباركة 23 يوليو إلى توثيق 30 يونيو
صارت الثورة المصرية عقب قيامها 1952، حالة خاصة من التواجد فى جميع الفنون، خاصة الغناء، والسينما.
ولم تتم الإشارة فى تاريخ السينما لحدث سياسى قدر ما حدث للثورة.. ليس فقط فى مجموع الأفلام السياسية المعروفة فى تاريخ السينما، بل كان على هذا الفن أن يبارك ما قام به الضباط الأحرار - أو الجيش - من إطاحة بالملك، وطرده، وتولى الحكم، وما شهدته مصر منذ يوليو 1952 ولسنوات طويلة.
ويعنى هذا فى المقام الأول أن السينما صارت أداة سياسية لدى القائمين بالثورة تدافع عن مبادئهم وأفكارهم، وقراراتهم السياسية، ومواقعهم العامة. وبعد أن كانت تحاول حل بعض المشكلات الاجتماعية مثل «السوق السوداء»، ومشكلة العامل فى مصنعه، صار على السينما أن تناصر الثورة، ومشاريعها، وتتحدث عن الماضى بصفته صفحة كان يجب أن تمحى، وعن الحاضر باعتباره متميزًا بالثورة. ومناصرة ما أنجزته، ليس فقط فى الميدان السياسى، بل أيضًا فى الاقتصاد، وعلى المستوى الاجتماعى، مثلما رأينا فيلم «الأرض الطيبة» حول قانون الإصلاح الزراعى.
ولو تتبعنا بعض ما ورد فى الأفلام المصرية، فى سنوات، أو شهور، الثورة الأولى فسوف نرى مباركة واضحة للحدث الجديد، وهناك موقف غريب فى فيلم «بشرة خير» لحسن رمزى الذى عرض فى 7 إبريل 1952، حين يقرأ البطل جريدة وفيها خبر عن موافقة الدول على رفع الوصاية عن مصر، ويقول لحبيبته ابنة الأغنياء لعل الأحداث الأخيرة تعنى بشرة خير، ومن هذه العبارة أخذ عنوان الفيلم، فهل كانت هناك نبوءة؟. فى الواقع أنه مجرد خبر حدث فى فترة تصوير الفيلم جعل من حدث سياسى بشرة خير.
ولعل أول فيلم ناقش مسألة الثورة بصورة واضحة، وجاء ذكرها فيه هو «عفريت عم عبده» لحسين فوزى الذى عرض فى 16 فبراير 1953. فباعتبار أن الأحداث تدور فى الماضى، فإن عم عبده بعد مقتله، يتحول إلى شبح يحاول الانتقام ممن قتلوه، وفى نفس الوقت، فإنه يساعد أصدقاءه فى العثور على الكنز، وباعتبار أن الثورة من وقائع المستقبل، فإنه يتحدث بتمجيد واضح عن الثورة، ورجالها، ويتكلم بكل أمل وإعزاز، أن الثورة جاءت لتقضى على العهد البائد, عهد الظلم، والفساد، وأنها سوف تطهر الوطن، ويتحدث بطريقته عن المبادئ الستة التى أعلنتها الثورة, بالقضاء على الإقطاع، والاستعمار، وسيطرة رأس المال، وإقامة جيش قومى سليم، وما إليه من بقية مبادئ الثورة.
ونحن لسنا أمام فيلم سياسى، وليس مطلوبًا من عفريت عم عبده (السيد بدير) أن يقحم مثل هذه الخطبة العصماء عن الثورة، لكن من الواضح أن السينما قد أعلنت منذ اللحظة الأولى عن وقوفها بجوار الثورة، بما يعنى أن الاهتمام الفنى بزعيم من طراز مصطفى كامل كان من اهتمامات العصر الملكى رغم ما تعرض له الفيلم من مشاكل رقابية، وفى أول ديسمبر، أى بعد أسبوعين عرض حسين صدقى فيلمه «يسقط الاستعمار» وهى أفلام كما أشرنا مصورة ومكتوبة قبل الثورة ، لكن لا شك أن الثورة قد وجدت فيها صدى لأفكارها ومبادئها، وتم عرضها، لكن المهم هو أن الناس لم تحس بهذه الأفلام، وسقط فيلم حسين صدقى بشكل ملحوظ. وقد جاء فى الإعلان بالصحف والمجلات عن عرض فيلم «مصطفى كامل» أنه: الفيلم الذى منعه عهد الظلام يعرض فى عهد الثورة، والفيلم الذى منعه عهد الأغلال وأفرج عنه عهد الأحرار.
وفى عام 1953 ظهرت مجموعة من الأفلام الوطنية، والأفلام التى تناقش القضايا السياسية، والمواجهة بين الحاكم الظالم، وبين الثوار، مثل «أرض الأبطال» لنيازى مصطفى، وحكم «قراقوش» لفطين عبد الوهاب. وفى مايو 1954 عرض أول فيلم عن الإصلاح الزراعى بعنوان «الأرض الطيبة» لمحمود ذو الفقار، الذى توزع فيه فتاة ريفية الأرض التى ورثتها على الفلاحين. فى الوقت الذى بدأ الاهتمام فيه بتمجيد الجيش وأسلحته من خلال أفلام إسماعيل يس فى الجيش، والأسطول، والبوليس الحربى، وغيرها.
لكن كل هذا كان محاولة لتخمر فكرة ضخمة عن ميلاد الثورة من خلال فيلم من طراز «الله معنا» الذى أخرجه أحمد بدرخان، وعرض فى 14 مارس 1955 وهو أول فيلم يخرج الضباط الأحرار إلى نور السينما، والفيلم كما هو معروف من تأليف إحسان عبد القدوس. وقد اشترك فى بطولة الفيلم وتمثيله عدد كبير من النجوم وممثلى الصف الثانى، لم يسبق لمثل هذا العدد والمزيج أن رأيناه فى فيلم سينمائى، وقبل محاولة قراءة الفيلم، يهمنى أن أقرأ صفحة إعلانية منشورة فى مجلة «آخر ساعة» فى حجمها القديم، حيث امتلأت الصفحة بعشر صور. على اليمين الصور التى تعكس الماضى، وعلى اليسار الصور التى تصور المواجهة، وتحت كل صورة كلمة واحدة مثل «مؤامرات - مجون - استهتار - تحفز – سيطرة -، وعلى الناحية الأخرى «تحكم – لهو – ثورة – طرد – انتصار».
أما الكلام الحماسى للمنشور مع الإعلان عن عرض الفيلم فقد جاء فى بعضه:
«هل ينسى مصرى واحد، كيف كانت تُحكم مصر فى عهد الملكية؟»
«هل ينسى مصرى واحد، كيف كان الظلم يرتفع وخيمًا فى كل شبر من أراضى مصر؟»
«هل ينسى مصرى واحد الذل الذى عاشت فيه مصر تحت نير الاستغلال والجشع والأنانية؟»
«لقد كانت تحكم مصر حكمًا جائرًا، نفر قليل يتحكم فى عدة ملايين من المصريين؟» إن قصة تتناول بصدق وواقعية هذا الموضوع الدقيق الخطير، تعتبر ولا شك قصة وطنية، لأنها غاصت فى أعماق مصر. وكتبت بالدماء، ما كتبه أبناؤها المخلصون البررة بدمائهم الحرة الذكية، من أجل حرية بلادهم.. .. إنها قصة فيلم «الله معنا» كما سجلت أحداث التاريخ هذه الفترة الحاسمة من تاريخ، فسجلها كذلك الفيلم التاريخى الوطنى « الله معنا ».
كيف تم للثورة طرد فاروق ؟
كيف استطاعت أن تهدم نظامًا جائرًا.. وتقوض دعائم ملك ظل جاثمًا على بلادنا الحرة، سنوات هى أشبه بالدهور المظلمة ؟
ذلك ما سجلته قصة الفيلم التاريخى «الله معنا».
ومن الواضح أن هذا هو خطاب التعامل مع الفيلم، حيث جاء مقال الناقد «ابن زيدون» تحت اسم « نقد الأسبوع » فى مجلة الكواكب – 29 مارس 1955 – أن «هذا هو أول فيلم يعالج موضوع ثورتنا الأخيرة علاجًا مباشرًا، ولا شك فى أنه فيلم نظيف قوى. يستطيع استوديو مصر أن يفتخر بإنتاجه».
ولكن الفيلم يعالج الثورة من زاوية واحدة، فيركز على القصة كلها على موضوع الأسلحة الفاسدة، والاتجار بها خلال حرب فلسطين. ويتسرب من هذه الزاوية إلى الطريقة التى كانت تدار بها شئون البلاد، ثم ينتهى إلى بيان أثر موضوع الأسلحة الفاسدة فى التعجيل بقيام الثورة التى حررت البلاد من تجار الأسلحة، وتجار السياسة وطردت الملك الذى كان يحمى هذا الفساد.
وقد توقفنا مطولًا عند هذه المقاطع للتعرف على مفردات التعامل السينمائى مع الثورة، فلا شك أن الثورة استخدمت السينما كأداة لها التأكيد على منطوقها، وليست هناك فواصل واضحة، بين ما كتب فى الكلمات الدعائية للفيلم، وبين ما جاء على لسان الناقد، وأيضًا ما جاء على ألسنة أبطال الفيلم، فكأنما كل الأطراف تتكاتف من أجل إظهار فساد الملك، ونقاء الثورة التى صارت بمثابة الأمل.
ويستخدم الفيلم من خلال حرب فلسطين موضوع تشكيل الضباط الأحرار، وتكتلهم، واستخدام المنشورات السرية كسلاح فى كفاحهم، وهم يجندون بعضهم البعض، وكيف يكون التشكيل حتى انتهى إلى الثورة. ورغم أن أسماء الضباط الأحرار الحقيقية هنا لم تذكر، فإن الأداء الذى سلكه عماد حمدى هنا كان يبدو فيه كأنه ينطق بلسان عبد الناصر، ويتصرف بطريقته، ابتداء من شكل شاربه، وطريقة تلفظه بالكلمات، صحيح أن هناك عدم تشابه تام بين أى من الحكاية التى رأيناها فى الفيلم، وبين الواقع، ولكن إذا كان الصحفى قد رمز بشكل مباشر إلى الكاتب إحسان عبد القدوس فإن الضابط أحمد رمز بكل وضوح إلى ناصر الذى اشترك فى حرب فلسطين، خاصة الفالوجة.
وقد تكررت مسألة تشكيل تنظيم الضباط الأحرار بنفس المعالجة فى فيلم «رد قلبى»، وهناك اختلاف واضح بين النص الأدبى، والسينمائى، وقد توقف الفيلم عند نفس الظواهر لصناعة الثورة، فالضابط الشاب «على» يشترك فى حرب فلسطين، ويعود بعد الهزيمة ليجد مظاهر السخط والتمرد تزداد انتشارًا فى الجيش بفضل جهود الضباط الأحرار.
ويربط الفيلم بين أحداث عديدة شاهدها الوطن، وأدت إلى الثورة، وبين أمور خاصة فى حياة «على» فحريق القاهرة يحاصر الراقصة التى ارتبط بها «على». أى أن العام ارتبط بالخاص. وبعد هذا الحادث ينضم «على» إلى الضباط الأحرار، ويجتمعون معًا فى مشهد مهيب للقسم على أن يتعاونوا معًا من أجل إبعاد الملك عن الحكم.
ورغم أننا أمام فيلم عاطفى، إلا أنه فيلم سياسى فى المقام الأول، فقصة الحب اليائسة تدور بين باشا له صلاته السياسية وبين ابن جناينى الباشا، فى مجتمع لا يقر أبدًا مثل هذه العلاقات بين طرفين بينهما هوة شاسعة فى السينما. وقد جعل الفيلم والرواية من «على» واحدًا من دفعة عام 1938، التى ضمت عبد الناصر وغيره من الشباب الذين اشتركوا فى حرب فلسطين، وقاموا بعمل التنظيم.
ويبدو أن السينما قررت أن تتوقف لفترة طويلة عن عمل أفلام مباشرة عن الثورة، ربما لأن فيلمى «الله معنا» و «رد قلبى» قد استنفدا غرضًا مهمًا بالتعبير عن الثورة، وظلت المساحة خالية من فيلم مباشر عن الثورة بنفس القوة، ونفس التوليفة، حتى قدم كمال الشيخ فيلمه «غروب وشروق» عام 1970، وهو فيلم من تأليف واحد من الضباط الأحرار هو جمال حماد.
وتمر السنوات ومن عام إلى آخر يحتفل السينمائيون بالثورة رغم التغيرات السياسية الحادة التى شهدها الوطن مع تغير الرؤساء، وفى هذه المراحل الجديدة كان هناك حرص شديد على إظهار ما يحتاجه الوطن من تغيرات، مثل الانفتاح الذى أثر على الحياة الاجتماعية المصرية وعلى الفنون التى كانت تقدم للناس، ففى عام 1983 اعتبر أن فيلم سواق الأتوبيس هو حالة من التغير الاقتصادى الذى شهدته مصر مع الانفتاح، مع وجود الأنشطة الاقتصادية الحرة فى ميناء بورسعيد، والاعتماد على المستورد من البضائع و كل ما شهدته مصر من تحول وتوجه رجال الأعمال المصريين نحو ميناء بورسعيد، بينما تغيرت وجهات التعامل مع المدن الكبرى مثل الإسكندرية، وفى هذه الفترة عبرت السينما عن ما سمى بغيلان وحيتان الانفتاح الاقتصادى فى أفلام منها «الغول» و«المشبوه» ثم جاءت فترات أخرى لم يعد فيها منزل مصرى إلا وأبناؤه قد ذهبوا إلى الخليج، أو عرفوا سبل الهجرة وبالتالى فإن المدن الكبرى عرفت الأبراج السكنية، كما أن هذه الأبراج انتشرت بقوة فى المدن الكبرى و فوق مساحات الأرض الخضراء، و فى تلك الفترة تحولت صحراء مصر إلى بقعة زراعية خاصة فى صحراء مصر الغربية.
وفى السنوات الأخيرة حدثت أحداث جسيمة و تغيرات حادة و ملحوظة واتجهت الدولة نحو بناء المدن شديدة الاتساع، ومضاعفة الرقعة التنموية، سواء العاصمة الإدارية الجديدة أو مدينة العلمين، وعرفت الدولة أيضًا التغيرات الاجتماعية التى تحتاج إلى فترة زمنية طويلة لإنجازها وانتقل الاهتمام فى الإنتاج الفنى إلى الدراما التليفزيونية خاصة فى شهر رمضان، منها سلسلة «الاختيار» التى تجمع بين الدراما والتوثيق للتاريخ الحديث، وصار للمصريين المعاصرين ثورتهم التى يحتفلون بها كل عام، وتم إنتاج عشرات من الأعمال الدرامية المهمة التى تعبر عن أن التغير السوى سمة مصرية حيث يلتقى الطرفان الحاكم المسئول و المحكوم الذى ينفّذ سياسة دولته بطواعية و محبة.






