الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
العدالة الاجتماعية فى ثلاثة مشاهد تاريخية

العدالة الاجتماعية فى ثلاثة مشاهد تاريخية

إذا شئنا أن نتعرض لمفهوم العدالة الاجتماعية وما يطرأ عليه من تحولات، فسيكون علينا اللجوء للمنظور التاريخى الاجتماعى، وذلك فى مواجهة ذلك الصدام المتصاعد بين كتائب المدافعين عن العهود الملكية السابقة على قيام ثورة يوليو 1952 بوصفها أفضل الفترات التى عاشها المجتمع المصرى، ويتمتع فيها بالحرية السياسية والسلام الاجتماعى والعدالة الاجتماعية، وتوصم فترة ما بعد الثورة بأنها الفترة التى عانى فيها المجتمع المصرى من السجون والمعتقلات وافتقاد العدالة الاجتماعية.



وهنا، ستكون معالجة الموضوع من خلال ثلاثة مشاهد متتابعة طبقًا للترتيب التاريخى: 

المشهد الأول:

مرحلة الإقطاع وسيطرة رأس المال أثناء الاحتلال الإنجليزى لمصر: وهنا، نعالج المشهد من خلال استعراض الحوارات التى دارت بين أعضاء مجلس النواب الذين كانوا يحملون ألقاب البك والباشا، والذين حظى معظمهم بدراسة الحقوق فى جامعات باريس، وفى هذه الحوارات ينكشف الموقف الفعلى لممثلى الأحزاب من الفئات الاجتماعية الفقيرة من الفلاحين أقنان الأرض التى يملكها الإقطاعيون وكبار الملاك وأصحاب رؤوس الأموال. ففى محضر جلسات 1933 يستنكر العضو الإقطاعى مشاهدته لواحد من الفلاحين العاملين فى أرضه يرتدى فى المساء أثناء سيره إلى الكوخ الذى يقيم فيه جلبابًا أبيض اللون مغسولًا ونظيفاً، وما كان له أن يُقدم على هذا الجرم الفظيع لكون الجلباب الأزرق هو الزى الذى لا يجب أن يخلعه أقنان الأرض الذين يخوضون الطين فى كل وقت من اليوم.

فيستجيب بقية الأعضاء بالصراخ والاستنكار وهم يسوقون روايات عن جلوس بعض شباب الفلاحين لشرب الشاى فى المساء فى بعض الزوايا، ويركب بعضهم دراجة.

وفى عام 1942 يتعرض الأعضاء لمناقشة مشكلة تفاقم الديون وارتباك ميزانية الدولة.

فيبدأ الأعضاء فى اقتراح بعض الحلول فيقترح أحدهم أن يتم رفع الضريبة التى يتم دفعها عن ملكية الأرض الزراعية، وأن تزيد ضريبة ملكية الفدان قرش صاغ واحد عن كل فدان، فيرد النائب جلال بك حسين صائحًا: ألا تدركون أن الإقطاعى منا قد يكون فقيرًا، فيعجز عن دفع القرش الذى تقترحون زيادته عليه؟!.. فلتبحثوا عن مصادر أخرى للحل، فتنتهى المناقشة بالموافقة على اللجوء إلى إنقاص مرتبات الموظفين العاملين بالحكومة بما يغطى خسائر الميزانية. ولا أظن أننا نحتاج، بعد أن استعرضنا موقف النخبة السياسية من الإقطاعيين والباشوات من العدالة الاجتماعية والإنسانية، إلى شرح المزيد عن مفهوم العدالة الإنسانية والاجتماعية عند صناع القرار فى مصر قبل ثورة 1952.

المشهد الثانى:

وفيه نستعرض موقف قيادات ثورة يوليو من العدالة الاجتماعية المفتقدة فى العهد الفاسد، بل يمكننا أن نؤكد أن افتقاد الغالبية العظمى من المصريين للعدالة الاجتماعية كان من أهم دوافع القيام بالثورة لرد الحقوق المفقودة لأصحابها الحقيقيين.

فيعلن الزعيم الخالد «جمال عبد الناصر» مبادئ الثورة وأولها العدالة الاجتماعية والقضاء على الظلم الاجتماعى، وما سمّى بمجتمع «النصف فى المائة» ويغنى المطرب «عبد الحليم حافظ» ثورتنا المصرية أهدافها الحرية وعدالة اجتماعية ونزاهة ووطنية فيتحول حلم مجانية التعليم الذى سبق لعميد الأدب «طه حسين» أن أعلنه فى جملته الشهيرة «التعليم كالماء والهواء» إلى سياسة فعلية، وتتخذ قرارات مجانية التعليم والحرص على فتح المدارس فى أنحاء مصر وبخاصة فى القرى والنجوع، بحيث تتاح فرص الحراك الاجتماعى الصاعد للفقراء بفضل انتشار التعليم، هذا فضلًا عن توزيع الأراضى الزراعية على المعدمين من الفقراء، وذلك بعد أن حرصت الثورة على إصدار قانون تحديد الملكية الزراعية لكسر شوكة الإقطاع الذى كان يستولى على ثروة الدولة ويستعبد العمال.

وكان الادعاء بالرغبة فى مساعدة الفقراء بمشروع «القضاء على الفقر والجهل والمرض» مجرد محاولة لكسب دعم الجماهير لسياسة الفساد الملكى، وكان مشروع القضاء على «الخفاء» كاشفاً للأوضاع المتردية للفقراء.

وهكذا كان الحرص من جانب الزعيم الخالد على دعم صغار الموظفين، وتعيين أكبر عدد من الموظفين والعمال بأجهزة الدولة والمصانع الجديدة، سببًا قويًا فى دعم الطبقة المتوسطة وإنعاشها، فصارت داعمة لنهضة فنية وثقافية وصارت البرامج الإذاعية والتليفزيونية مؤثرة ثقافيًا ووطنيًا كمنارة مصرية استضاءت بها كافة الدول العربية.

ولسنا هنا فى حاجة للحديث عن تأميم قناة السويس وطرد المحتل الإنجليزى، وبناء مشروع السد العالى، فتلك القرارات العظيمة التى اتخذت بمصر قد استطاعت أن تقود شعوب آسيا وإفريقيا تحت شعارات «الحياد الإيجابى» و«التعايش السلمى» و«رفض الأحلاف الدولية» وتطبيق سياسات «عدم الانحياز».

وكان الحرص البالغ من جانب صانع القرار على طرح قضايا تحرير المرأة التى لم تجد دعمًا مساندًا من الدولة فى العهد الملكى، رغم ما قدمته المرأة من تضحيات للوطن أدت إلى سقوط الشهيدات فى ثورة 1919 وما بعدها، إلا أن النساء لم يحصلن على حقوقهن الإنسانية فى مصر، إلا بعد أن أخذن فرصتهن كاملة فى التعليم المجانى والعمل فى معظم وظائف الدولة، مع الحرص على أن يتقدمن الصفوف إلى المجالس النيابية والمناصب التى كانت مقصورة على الرجال، وعين الزعيم الخالد أول وزيرة مصرية لوزارة الشئون الاجتماعية وهى الأستاذة الدكتورة «حكمت أبوزيد» التى حظيت بكونى واحدة من طالباتها بجامعة القاهرة العريقة، وحظت المرأة المصرية بعضوية المجلس النيابى المصرى.

المشهد الثالث:

ومن الطبيعى أن تقودنا أحداث المشهدين السابقين إلى اللحظة الراهنة، والتى تجمعت عندها تراكمات فترة نهاية السبعينيات التى شهدت توترات سياسية تزامنت مع تحولات اقتصادية لخصتها دراسة اقتصادية أكدت حصر النشاط الاقتصادى فى أنشطة تجارة العملة والتهريب والسمسرة، مما أدى إلى تراجع مفهوم العدالة الاجتماعية وانكماش الطبقة المتوسطة، وبدأت جماعات الإخوان المسلمين تسترد نفوذها السياسى الهادم لفكرة العدالة الاجتماعية، وعندما هتف المصريون بعد طول الصبر فى أحداث يناير 2011 «عيش حرية عدالة اجتماعية» قامت الجماعات المتأسلمة المنظمة بالاستيلاء على السلطة السياسية وطاردت أحلام تحقيق العدالة الاجتماعية التى يفتقدها الشعب المصرى الذى هتف مستغيثًا: «واحد اتنين الجيش المصرى فين؟» ليقوم الجيش بقيادة المشير السيسى بإنقاذ الوطن من قبضة الخونة فى ثورة 30 يونيو لصالح الأمة المطالبة بحقها فى العدالة الاجتماعية والسياسية، ومنذ تلك اللحظة، ونحن نتلقف قرارات تسعى لدعم العدالة الاجتماعية بسياسات «حياة كريمة» التى تسعى لدعم الفقراء، هذا فضلًا عن الحرص على تنفيذ المشروعات الكبرى التى تدعم الفئات الاجتماعية التى تم تهميشها لسنوات طويلة.

كما تحرص قرارات الرئيس السيسى على تنفيذ المشروعات التى تفتح أبواب فرص العمل والتعليم والتنمية لكافة الفئات الاجتماعية، وبخاصة أبناء الريف المصرى، وهنا يمكن أن نؤكد أن «بناء الفرصة» الذى عانى البسطاء من انغلاقه أمامهم قد عاد من جديد لينفتح أمام من حلموا بتحقيق حلم العدالة الاجتماعية.