الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

حرب الشائعات

لم تعد الشائعات مجرد أخبار كاذبة يتم تداولها بين الأفراد، بل تحولت، مع انتشار منصات التواصل الاجتماعى، إلى أحد أخطر الأدوات التى تستهدف التأثير فى وعى المواطنين، وتوجيه الرأى العام، وإثارة البلبلة، بما يخدم أجندات سياسية لجهات معادية، وأصبحت المعلومات المضللة، مع السرعة الهائلة لانتشار المحتوى الرقمى، تصل إلى ملايين المستخدمين خلال دقائق، مستفيدة من إعادة النشر دون التحقق من المصادر أو الاكتفاء بالعناوين المثيرة.



وفى هذا السياق، يؤكد خبراء الإعلام والسياسة، فى تصريحات خاصة لجريدة «روزاليوسف»، أن أخطر ما فى الشائعات ليس مضمونها فقط، إنما قدرتها على استغلال الأزمات، وتكرار الرسائل عبر الحسابات الوهمية واللجان الإلكترونية، بما يمنح الأكاذيب مظهرًا زائفًا من المصداقية، ومن ثم، تبقى المعركة الحقيقية معركة وعى، تبدأ من التحقق من المعلومات، وسرعة توفير البيانات الرسمية، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، حتى يصبح المواطن خط الدفاع الأول فى مواجهة حملات التضليل وحروب الـ “سوشيال ميديا” التى تستهدف استقرار الدولة والمجتمع.

إحداث بلبلة

النائبة الدكتورة ثريا البدوى، رئيس لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب، تقول :إن الشائعات وحروب الـ“سوشيال ميديا” أصبحت من أخطر أدوات حروب الجيلين الرابع والخامس، حيث لم تعد تستهدف نشر معلومات مغلوطة فحسب، إنما تسعى إلى التأثير فى اتجاهات الرأى العام، وإحداث حالة من البلبلة، وصولًا إلى تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تخدم جهات بعينها.

“البدوى” توضح أن منصات التواصل الاجتماعى تمتلك قدرة هائلة على الانتشار السريع للمحتوى، ما يجعل الأخبار الكاذبة تنتقل فى دقائق إلى ملايين المستخدمين، خاصة عندما تعتمد على الإثارة أو استغلال الأحداث الجارية، ومن هنا تبرز أهمية الوعى المجتمعى باعتباره خط الدفاع الأول فى مواجهة هذه الحملات المنظمة، مشيرة إلى أن قطاعًا من المواطنين قد يتداول معلومات غير صحيحة بحسن نية، نتيجة الاعتماد على صفحات مجهولة أو حسابات غير موثقة، أو الاكتفاء بقراءة العناوين دون التحقق من مضمون الخبر أو مصدره، ناهيك عن أن تكرار نشر المعلومة الكاذبة يمنحها لدى البعض مظهرًا من المصداقية، رغم افتقارها إلى أى دليل أو سند.

تطوير المناهج

وتشير «البدوى» إلى أنها طالبت بإدراج مقرر التربية الإعلامية والرقمية ضمن المقررات الدراسية لطلاب مراحل التعليم الأساسى، وذلك لتنمية مهارات التفكير النقدى لديهم، وتعزيز قدراتهم على تفنيد ونقد المعلومات الإعلامية أو الأخبار المتداولة قبل تصديقها، وقد استجابت الحكومة للمقترح، ممثلة فى وزارة التربية والتعليم، وتم بالفعل إدراج المقرر فى جميع المواد، فضلًا عن تخصيص ثلث منهج التكنولوجيا للتربية الإعلامية والرقمية، وذلك بدءًا من العام المقبل، مشيدة بجهود وزارة التربية والتعليم والقائمين على تطوير المناهج وتصميم الأنشطة الثقافية، لما بذلوه من جهود مضنية فى هذا الشأن.

المسئولية المجتمعية

ويعزز هذا الطرح ما تشير إليه الدكتورة ليلى عبدالمجيد، أستاذ الصحافة وعميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، منوهة إلى أن التعامل مع ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعى يجب أن يقوم على قاعدة أساسية، وهى عدم التسليم بصحة أى معلومة قبل التحقق منها من مصادرها الرسمية والموثوقة، وعدم التسرع فى تصديقها أو تداولها، لأن المسئولية المجتمعية فى مواجهة الشائعات تبدأ من الامتناع عن نشر الأكاذيب، وتنتهى ببناء وعى قادر على حماية المجتمع من محاولات التضليل والاستقطاب السياسى.

“عبدالمجيد” توضح أن مواجهة الشائعات التى تبث عبر مواقع التواصل الاجتماعى هى مسئولية كل المواطنين، خاصة تلك التى تقف وراءها الجماعات الإرهابية واللجان الإلكترونية المنظمة، التى تسعى إلى إثارة البلبلة، وتأليب الرأى العام الداخلى، وإشاعة مشاعر اليأس والإحباط لدى المواطنين، مؤكدة أن هذه الجماعات غيرت أدواتها بعد فشلها فى هدم الدولة عبر الوسائل المباشرة أو القنوات الفضائية التى أنشأتها فى الخارج، فاتجهت إلى استغلال منصات التواصل الاجتماعى باعتبارها الأسرع انتشارًا والأكثر تأثيرًا.

معلومات دقيقة

وحول وعى المواطن تؤكد «عبدالمجيد» أنه يمثل خط الدفاع الأول فى مواجهة الشائعات، لكنه لا يتشكل تلقائيًا، إنما يحتاج إلى عملية مستمرة من التوعية والتعليم والتثقيف الإعلامى، من خلال تعريف المواطنين بكيفية التحقق من المعلومات، وعدم الانسياق وراء كل ما يتم تداوله على المنصات الرقمية، مؤكدة أهمية مخاطبة الشباب بلغتهم، ومن خلال صفحات وحسابات يديرها شباب قادرون على التواصل مع أجيال “زد” و”ألفا”، مع تزويدهم بالمعلومات الدقيقة والموثقة حتى يصبح المحتوى الصحيح أكثر قدرة على المنافسة والانتشار، مطالبة بإطلاق برامج متكاملة للتربية الإعلامية، لا تقتصر على المقررات الدراسية، بل تُنفذ من خلال الأنشطة المدرسية والجامعية والمبادرات المجتمعية بصورة مستمرة، حتى يكتسب المواطن مهارات التفكير النقدى والتحقق من المعلومات.

فى المقابل، تضع الدكتورة منى الحديدى، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تعريفًا لمصطلح الشائعات بأنه أسلوب اتصال منتشر منذ بدء المجتمعات الإنسانية، علمًا بأن انتشاره فى البداية كان محدودًا؛ لأنه كان يعتمد على الاتصال بالشخص مباشرة، بعد ذلك بدأت تظهر وسائل تواصل مثل الهاتف والصحافة والراديو، ثم بدأت الدائرة تتسع مع الإعلام والتليفزيون الفضائى والسماوات المفتوحة أكثر فأكثر، بشكل يتعدى الحدود والثقافات واللغات، ثم جاء عصر إعلام الإنترنت، فأصبح الانتشار أسرع جدًا نتيجة تطور تكنولوجيات الاتصال.

اضطراب مجتمعى

“الحديدى” تشير إلى أنه مع دخول إعلام المواطن، وهو إعلام غير مهنى، نتج عنه إنتاج ومخرجات بعيدة كل البعد عن الأسس العلمية والتشريعات الإعلامية، موضحة أن العدو دائمًا ما يلجأ إلى هذا الأسلوب، وهو ما يعرف بالحرب الكلامية أو حرب الشائعات، التى قد تكون من أطراف داخلية أو خارجية لديها أهداف مغرضة، فتحدث نوعًا من الاضطراب المجتمعى أو حالة من القلق ورفض النظام أو السياسة الجديدة التى تُطرح.

وتضيف: غياب المعلومة بمثابة أرض خصبة للشائعات، فوجود معلومات وبيانات وحقائق متوافرة للجمهور، وتغطية للأحداث الجارية، يترتب عليه تقليل انتشار الشائعات، وبالتالى فإن وجود قيود على المعلومات أو تأخر فى إعلانها من الجهات الرسمية والمقننة يعطى فرصة للشائعة فى الانتشار والتضخم، وهذا يثير القلق والخوف وعدم المصداقية فى الجهة المنوط بها توفير المعلومة.

التنمية المستدامة

الدكتور علاء مرتضى عبدالحميد، أستاذ الإعلام، يضيف بُعدًا آخر، حيث يؤكد أن الحروب لم تعد بشكلها التقليدى، وأصبحت تعتمد على وسائل الإعلام كأحد أهم أدواتها، لذا نجدها أكثر حضورًا فى الإعلام الرقمى، وتُعرف بالكتائب الإلكترونية، فتتوجه نحو موضوعات معينة أو قضية أو خبر، فيتم تأويله وتغييره وتوظيفه وفقًا للأجندة المتحكمة فى الوسيلة الإعلامية التى تمتلك هذه الأدوات.

ويضيف: الرد لا بد أن يكون بالسلاح نفسه، من خلال وجود منصات رسمية تتصدى لهذه الشائعات، وتقوم بالتوضيح من خلال نشر الثقافة ورفع الوعى لدى المتلقى، وزيادة قدرته على التحقق والتدقيق.

سوشيال ميديا

أما هشام النجار، الكاتب الصحفى المتخصص فى الفكر الدينى وشئون الإرهاب، فيكشف عن أن هناك عوامل عديدة، مثل كثافة الشائعات وعددها الكبير، والمقصود من كثرتها يوميًا ألا يجد الجمهور المستهلك لها متنفسًا ليبحث عن تفسيرات أو توضيح أو تصحيح، فيتعامل معها كما لو أنها حقيقة، كما يشير إلى أن العامل الثانى هو أن قطاعًا من الناس لا يمتلك الحاسة النقدية، ولديه استعداد ذهنى ونفسى لتلقى وقبول الأمور السلبية، حتى وهو يعلم أنها لا ترقى إلى مستوى الصحة.

وبشأن العامل الثالث فيوضح أنه يتمثل فى عدم وجود منصة قوية على الـ“سوشيال ميديا”، ذات جماهيرية عريضة، تتعامل باحترافية على جميع المستويات مع الشائعات، وتصححها أولًا بأول، وتنشر التصحيح على مدى واسع وفى جميع الجروبات والصفحات، بحيث تكتسب أهمية، وتصبح مرحليًا وتدريجيًا المرجع لجمهور الـ “سوشيال ميديا” فى تلقى المعلومة، والتدقيق فى صحتها، وكشف خداع وزيف الجماعات والتنظيمات المأجورة فى الخارج التى تروج للشائعات، وفى مقدمتها جماعة الإخوان.