محمد بغدادي
الفنان الذى ألف كتابًا رغم أنفه!!
مساء يوم الأربعاء 21 سبتمبر 1988 وفقا لدعوة الفنان حجازى، توجهت إلى منزله بالمنيل، وفى تمام السابعة، استقبلنى حجازى بحفاوة تؤكد سعادته بهذا اللقاء، وكان على مائدته الصغيرة ما لذ وطاب من المشروبات والمأكولات البحرية التى يعشقها حجازى، وسألته هل سينضم إلى السهرة مجموعة الأصدقاء المقربين كما عودتنا؟ فقال لى بصوت قاطع: هذه سهرة خاصة احتفالا بصدور الكتاب الذى كنت معارضا له بشدة، وقد حاول الكثيرون من قبلك إصدار كتاب يضم أعمالى الكاريكاتيرية، وكانت معارضتى لهذه الفكرة قوية، ونجحت فى إفشال كل هذه المحاولات، وكانت أشد المحاولات إصرارا هى محاولات الكاتب والصديق المشترك صلاح عيسى، الذى حاول أن يسبقك فى هذا الإصدار ولكنى عارضته بشدة، ولكن بعد صدور كتابك الذى أصررت على إصداره رغم أنفى، رأيت أن الموضوع كان يستحق هذا الإصرار، وهنا سألته سؤالا مباشرا، وما هو انطباعك بعد صدور الكتاب، فقال بعفويته المعهودة وذكائه الفطرى، على طريقة لعبة الكلمات المتقاطعة: «قبل هذا الكتاب كنت حروفا مبعثرة، والآن أصبحت جملة مفيدة، ولم أكن أدرى عبرهذه الدراسة والتنسيق والتصنيف الذى قدمته فى كتابك عنى أننى نجحت إلى هذا الحد فى إحداث أثر ما فى تاريخ الصحافة المصرية».
وامتدت السهرة حتى الساعات الأولى من فجر اليوم التالى، وقال لى حجازى ليلتها ما لم يكن أحد يعرفه من قبل، وكان منجليا، وصريحا لأبعد الحدود، وباح لى بما لا يمكن أن يبوح به لأحد من قبل، فقال حجازى: «هل تعلم أننى عندما كنت متزوجا من السيدة الفاضلة سلوى المغربى، كانت تجمع كل رسومى وتنسقها فى ملفات متنوعة وتؤرخ نشرها وتصنفها وتضع عناوين لكل ملف، قلت له وأين ذهبت هذه الملفات، وكانت المفاجأة، قال حجازى: «بعد أن انفصلنا ظلت هذه الملفات على مكتبى لفترة، وأزعجنى ذلك بشدة، فقررت أن ألقيها فى القمامة، وبالفعل وضعتها فى صندوق القمامة أمام باب شقتى، وفوجئت بـ(الزبال) فى اليوم التالى يطرق الباب بإصرار، وفى يده الملفات، وقال لى يبدو أن بعضهم ترك لك هذه الرسومات على الباب، وأعاد لى كل رسوماتى التى تخلصت منها بالأمس، وكان معظم الرسامين الذين يشتركون معى فى تحرير مجلة ماجد للأطفال، يضعون كل أعمالهم على باب شقتى، ولأن الملفات كانت منسقة ومنظمة فاعتقد جامع القمامة أنها من تلك الأعمال التى يتركها زملائى الرسامون على الباب، لأنى نادرا ما أفتح لأحد منهم الباب لاستلامها، لذلك أعادها لى، وفى صباح اليوم التالى قررت أن أحول هذه الملفات إلى قمامة حتى لا يعيدها إلى (الزبال) مرة أخرى، وسألته ماذا فعلت، وبكل بساطة أجابنى حجازى: «أبدا حولتها إلى قمامة، فمزقت هذه الرسوم إلى قطع صغيرة وحولتها إلى قصاصات صغيرة وألقيتها فى صندوق القمامة، وبذلك تخلصت منها تماما، ولم يعيدها إلى (الزبال) مرة أخرى»، تعجبت وعدت أسأله ذاهلا ومتعجبا، وهل هانت عليك هذه الرسوم البديعة التى يتمنى كل محبيك أن يقتنوا واحدة منها، ولماذا لم تضعها فى إطار وتعلقها فى منزلك، وكانت إجابته مفاجأة جديدة: «أعوذ بالله وهل أضع رسومى على الحائط لتطاردنا فى منزلى كلما نظرت إليها، إننى لا أحب أن أرى رسومات مرة أخرى بعد أن انتهى من رسمها»، إلى هذا الحد كان الفنان حجازى لا يرغب فى الاحتفاظ برسوماته الرائعة، ولا يحب أن يراها مرة أخرى.
وكنت أعتقد أن حجازى يبالغ فى إصرار الكاتب صلاح عيسى على جمع رسوم حجازى وإصدارها فى كتاب، إلى أن أهدتنى فى 23 يناير 2026 الماضى الكاتبة الكبيرة والصديقة أمينة النقاش زوجة الكاتب الكبير صلاح عيسى نسخة من مقال نشرته مؤخرا فى كتاب صلاح عيسى تحت عنوان «مشاغبات فى الفن والحياة»، وكان عنوان المقال: «الفنان الذى ألف كتابا رغم أنفه»، الذى بدأه صلاح عيسى بهذه الفقرة: «منذ عشر سنوات على الأقل لم أسعد بنشر كتاب قدر سعادتى بصدور هذا الكتاب، ربما لأنى ظللت أنتظره وأحلم به طوال تلك السنوات، بل شرعت فى محاولة إصداره فعلا، فاتصلت بمؤلفه فنان الكاريكاتير العربى المعروف حجازى وعرضت عليه رغبتى فى جمع مختارات من رسومه الكاريكاتيرية، التى رسمها منذ منتصف الخمسينيات، ضمن سلسلة كتب شهرية كنت أرأس تحريرها حينذاك، لكن حجازى رفض الفكرة، ووأد حجازى فكرة الكتاب برفضه التام لها، وفى ختام مقاله كتب صلاح عيسى يقول: «ومن سوء الحظ أن مرافعتى البليغة تلك فشلت فى إقناع حجازى بالموافقة على الإذن لى بتجميع مختارات من رسومه فى كتاب، ولكن «بغدادى» وهو شاعر وصحفى وناشر، نجح فيما فشلت فيه، فلم يستأذن حجازى، ولم يحصل على موافقته، ولم يشغل نفسه بالمرافعة، بل قام بنفسه بتجميع الرسوم وتصنيفها وتنسيقها، والتقديم لها بدراسة تضم افكارا لامعة، ونشرها على نفقته فى كتاب بعنوان (حجازى فنان الحارة المصرية) يكفى أن تقلب صفحاته لكى تشعر بالامتنان الشديد مما فعله «بغدادى» والإيمان بأنه من ذلك النوع الذى جاء إلى الحياة لكى يعترض على حجازى، ولكى تموت من الضحك على نفسك، وعلى دنياك، وعلى حجازى الذى ألف كتابا رغم أنفه».






